يومان في التاريخ كل منهما كان نقطة بدء حاسمة وعنيفة لإعادة تشكيل العالم الذي نعرفه أو كنا نعرفه: 1- اليوم الأول هو الحادي عشر من سبتمبر 2001. 2- اليوم الآخر هو السابع من أكتوبر 2023.
اليوم الأول انكسرت فيه هيبة الجمهورية الأمريكية في عُمقِ بيتها وفي رمز تفوقها وثرائها. اليوم الآخر انكسرت فيه أسطورة القلعة الصهيونية المنيعة الحصينة. اليوم الأول كان نقطة تحول واضحة في طبيعة الجمهورية الأمريكية، التي تحولت من دولة إلى إمبراطورية، أي من جمهورية تتحرك في إطار النظام الدولي والقانون الدولي والمجتمع الدولي إلى إمبراطورية فوق ذلك كله، بل لا تتورع عن انتهاك ذلك كله، رغم أنها كانت قوة أساسية في صياغتها وصناعتها وتشكيلها، فليس هناك أدنى شك، في أن النظام الدولي فيما بعد الحرب العالمية الثانية شاركت الجمهورية الأمريكية في تشييده، ووضع قواعده بنصيب الأسد، فقد ارتبط النظام الدولي الذي كنا نعرفه بتراجع هيمنة القوى الأوروبية، التي خرجت من الحربين العالميتين من قوى عظمى إلى مجرد دول صناعية كبيرة، وفي المقابل ارتبط ذلك النظام بصعود القوة الأمريكية على رأس النظام الدولي، دون منافس إلا بصورة مؤقتة من الاتحاد السوفيتي، وربما يظهر منافس قوي متمثلاً في الصين في قابل الأيام.
الذي حدث بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أن القوة الأمريكية الجريحة قامت بانقلابين عظيمين من زاوية خطرهما والآثار المترتبة عليهما: الانقلاب الأول على نفسها وعلى ذاتها فقد اختارت، أو اضطرت أن تتحول من منطق الدولة الجمهورية إلى القوة الإمبراطورية. الانقلاب الثاني كان على النظام الدولي والقانون الدولي والمجتمع الدولي فأخذت تتصرف متحررة من أي التزام قانوني أو أخلاقي، وتحولت إلى آلة حرب عمياء وآلة رد فعل طائشة، تضرب في كل الاتجاهات ولا تُبالي، قوة بطش عاتية ذات إمكانات غير مسبوقة شغلت وما زالت تشغل العالم كله بحروب متواصلة منذ 2001 حتى 2026. حروب مباشرة في الشرق الأوسط. حروب لتغيير أنظمة في كل مكان من العالم. انسحاب تدريجي من كافة الالتزامات، التي كانت تتحملها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سواء التزامات عسكرية أو مساعدات مالية أو غيرها. هذا التحلل من المسئوليات- وبما أن الجمهورية الأمريكية هي عمود الخيمة في النظام الدولي- ترتب عليه تحلل تدريجي في بنية النظام الدولي ذاته، يتفكك ببطء وعلى مُكث، لكنه في كل الأحوال يتفكك، يتفكك دون بديل، يتبلور ويحل مكانه، وهذا يفسر لك ظواهر قد تبدو متباعدة، لكنها متضامنة متقاربة مثل: الحديث عن إعادة تسليح كل من اليابان وألمانيا، الحديث عن أمن أوروبي لا يعتمد على السند الأمريكي، انفراد أمريكا بقرار الحرب في أكثر من عدوان بدأته على دول ذات سيادة، وفرة الحروب الأهلية والإقليمية وبالذات في الشرق الأوسط، الذي يعتبر مجالاً تقليدياً للهيمنة الأمريكية منذ منتصف القرن العشرين.
الخلاصة: لا يستطيع عاقل أن يشهد أن النظام الدولي ما زال قائماً، والأكيد أن نقطة تفكيكه بدأت فور أحداث 11 سبتمبر 2001 يوم وقفت أمريكا تتوعد العالم وتهدد، وتخيره بأن من ليس معها فهو عليها، هذه كانت نقطة بداية حاسمة لتفكيك النظام الدولي، وقد اكتملت بالمعنى التاريخي، ولم يكن العالم يحتاج إلى دليل على هذا الاكتمال أكثر من اليوم الآخر في التاريخ، وهو 7 أكتوبر 2023، حيث تلقت أسطورة القلعة الصهيونية المنيعة صفعةً مُذِلَّةً.
كل ما فعله السابع من أكتوبر 2023 هو إعادة إنتاج غطرسة القوة الأمريكية، التي أعقبت 11 سبتمبر 2001 حيث انطلقت آلة الإبادة في غضب عنيف تبيد وتدمر وتقتل وتخرب، وهي على يقين أنه لا يوجد نظام دولي له قيمة، ولا يوجد قانون دولي له معنى، ولا يوجد مجتمع دوله يحترم نفسه، إنما يوجد نظام دولي قديم مهترئ، جرى تفكيكه على يد الذين سبق أن شادوه وبنوه، مؤسساته لا تزال باقية، لكنها أشكال دون مضامين ومسميات دون أدوار حقيقية على أرض الواقع. لولا التمهيد الذي أنجزته قوة البطش الأمريكية بصورة متواصلة في العقدين الأولين من هذا القرن، كان يستحيل على الدولة الصهيونية، أن تمارس كل هذا الإجرام الشنيع، وهي مطمئنة أن العالم يخلو من نظام يُلزِمها احترامه أو توقيره أو مراعاته. تصرفت الدولة الصهيونية منذ 7 أكتوبر 2023، وما زالت تتصرف، بمنطق وحيد: منطق القوة المجردة، اقتل قدر ما تستطيع، احرِق قدر ما تستطيع، خَرِّب قدر ما تستطيع، استأصِل وجود عدوك من جذوره، قتلاً كان أو تشريداً، اقتل ولا تُبالي، فلا يوجد من يلوم أو يُعاتب أو يعاقب.
الشرق الأوسط- في هذه اللحظة- هو معمل تجارب لما ترتب على هذين اليومين من أثر في تشكيله وتكوينه وحاضره ومستقبله، وهذا هو موضوع مقال الأربعاء المقبل إن شاء الله.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


