تشهد أوروبا احتجاجات واضطرابات اجتماعية تعكس تصاعد الاستياء من الأوضاع الاقتصادية وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية.
ولا تقتصر دلالات هذه التحركات على المطالب المعيشية والخدمات العامة، بل تمتد إلى أزمة أعمق تتعلق بقدرة النموذج الأوروبي على احتواء التفاوتات الاجتماعية والاستجابة لتطلعات المواطنين، في وقت تتصاعد فيه الاستقطابات السياسية وتتراجع قدرة الحكومات على تقديم حلول مقنعة.
تتزامن هذه الأزمة الداخلية مع تحولات جيو سياسية تعيد تشكيل موازين القوة، وتضع استقلال أوروبا الاستراتيجي وقدرتها على التأثير الدولي موضع اختبار.
فالتظاهرات ليست منفصلة عن أزمة المشروع الأوروبي، وإنما تمثل أحد مظاهرها الاجتماعية والسياسية؛ إذ تكشف التناقض بين الثقل الاقتصادي للاتحاد الأوروبي وعجزه عن معالجة اختلالات داخلية متراكمة أو بلورة دور مستقل في النظام الدولي.
من هنا، يبرز سؤال يتجاوز أسباب الاحتجاجات المباشرة: فأوروبا تواجه أزمة سياسية واقتصادية واستراتيجية تتجاوز تراجع نفوذها الدولي: فهل تستطيع التحول إلى قطب مستقل في نظام عالمي تتعدد فيه مراكز القوة؟ فالصين وروسيا تنظران إلى أوروبا باعتبارها قوة محدودة الاستقلالية، فيما تتعامل الولايات المتحدة معها بصورة متزايدة كشريك لا تتطابق مصالحه بالضرورة مع مصالحها. ورغم الثقل الاقتصادي والمؤسسي للاتحاد الأوروبي، فإنه لم ينجح في تحويله إلى استقلال سياسي واستراتيجي مماثل.
وظلت الدول الأعضاء مختلفة بشأن السيادة والأمن والسياسة الخارجية، بينما بقي الدفاع الأوروبي معتمداً بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة.
وهكذا نشأ تكامل اقتصادي لم يواكبه تكامل سياسي كافٍ.
بعد نهاية الحرب الباردة عام 1989، امتلكت أوروبا فرصة لإعادة تعريف دورها الدولي وبناء نظام أوروبي أكثر استقلالاً.
لكن التوسع شرقاً مع انهيار الاتحاد السوفيتي لم يصاحبه بناء سياسي متماسك، وكشف رفض الدستور الأوروبي في فرنسا وهولندا عام 2005 عن اتساع الفجوة بين المشروع المؤسسي وتطلعات قطاعات من المجتمعات الأوروبية.
وظل السؤال الأساسي بلا إجابة: هل الاتحاد تنسيق للمصالح بين دول مستقلة، أم مشروع لبناء كيان سياسي يتجاوز الدولة الوطنية؟
كشفت الأزمة المالية وأزمة اليورو عن عمق هذه المعضلة.
فقد تصاعد التوتر بين اقتصادات الشمال والجنوب، وبين الدول الدائنة والمدينة، وتحولت اليونان إلى ساحة للصراع حول التقشف وحدود التضامن الأوروبي.
وأثبتت الأزمة أن توحيد العملة لا يكفي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية ما لم تصاحبه سياسات مالية ومؤسسات قادرة على توزيع الأعباء بصورة متوازنة.
كما أضعفت الثقة في المؤسسات الأوروبية، وعززت الشعور بأن القرارات المصيرية تُتخذ بعيداً عن المواطنين الذين يتحملون تكلفتها.
بين المصالح الاقتصادية والاصطفاف الجيو سياسي
تتجلى التناقضات الأوروبية في العلاقة بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الاستراتيجية.
فقد ارتبطت الصناعة الألمانية بالأسواق الشرقية، خصوصاً الصين، واعتمدت أجزاء من الاقتصاد الأوروبي على الطاقة الروسية عبر خطوط أنابيب، منها نورد ستريم.
لكن الحرب الروسية الأوكرانية عمّقت التعارض بين هذه المصالح والاصطفاف الأمني الغربي، ووضعت أوروبا أمام خيارات مكلفة اقتصادياً وسياسياً.
ويطرح ذلك سؤالاً حول قدرة أوروبا على صياغة سياسة خارجية تستند إلى مصالحها الخاصة، بدلاً من التحرك ضمن أولويات الولايات المتحدة حتى حين تتعارض معها بعض المصالح الأوروبية.
كما أن محدودية قدرة الدول الأوروبية على التأثير في مسار الحرب في أوكرانيا أو بلورة شروط موحدة للتسوية تكشف مرة أخرى الفجوة بين وزنها الاقتصادي ونفوذها الجيو سياسي.
وتزداد هذه المعضلة مع إعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، وإعطاء نصف الكرة الغربي أهمية متزايدة.
فلا يمكن لأوروبا افتراض استمرار الالتزام الأمريكي بأمنها بالشروط ذاتها، أو التعامل مع التحالف عبر الأطلسي باعتباره ضمانة ثابتة.
وقد انعكس هذا التحول في النقاشات السياسية داخل دول أوروبية بشأن الاعتماد الأمني على واشنطن وقدرة القارة على الدفاع عن نفسها.
أزمة القرار
يواجه الاتحاد الأوروبي مشكلة بنيوية في اتخاذ القرار. فتعدد الدول، مع اختلاف مصالحها وتصوراتها للسيادة والأمن، يجعل التوافق صعباً في الملفات الكبرى.
وحين تتباعد مواقف الحكومات، يتحول الإجماع إلى عائق أمام التحرك المشترك، وتصبح المؤسسات ساحة لتسويات مؤقتة، بدلاً من صياغة استراتيجية طويلة الأمد.
ظهرت هذه الانقسامات في المواقف من إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة والصين.
فالخلاف لا يتعلق بتقييم الأحداث وحده، بل بتحديد المصالح والخطوط الحمراء وتقدير المخاطر. ويُضعِف غياب المواقف الموحدة قدرة أوروبا على التفاوض مع القوى الكبرى، ويجعلها أكثر عرضة للضغوط الخارجية.
ولا يمثل الاختيار بين الدولة الوطنية والاتحاد الأوروبي حلاً بسيطاً.
فالعودة الكاملة إلى الأطر الوطنية قد تضعف الدول الأوروبية أمام القوى الكبرى، بينما لا يضمن استمرار الاتحاد بصورته الحالية تجاوز أزماته.
كما أن تفكيك منطقة اليورو قد يفضي إلى اضطرابات مالية واقتصادية عميقة.
لذلك، لا يكفي الدفاع عن الاتحاد بوصفه إنجازاً تاريخياً، ولا الدعوة إلى تفكيكه بوصفه حلاً؛ بل يتطلب الأمر إصلاح بنيته بما يحوّل التكامل الاقتصادي إلى قدرة سياسية واستراتيجية.
فجوة التكنولوجيا والصناعة
تمتلك أوروبا قاعدة صناعية وخبرات تقنية متقدمة، لكنها تواجه منافسة صينية وضغوطاً من السياسات الصناعية الأمريكية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة والتباطؤ في قطاعات مختلفة.
لا تكمن المشكلة في غياب الموارد والكفاءات بقدر ما تكمن في صعوبة توحيد الاستثمارات والسياسات حول أولويات مشتركة.
فالتأخر في اتخاذ القرار يضعف القدرة على المنافسة في عالم تتحدد فيه القوة بسرعة التطوير والإنتاج. ولا يمكن معالجة ذلك بخطاب يدعو إلى الوحدة من دون إصلاح آليات التمويل والتنسيق والتنفيذ.
كذلك، لا يمكن فصل التحول المناخي عن متطلبات الصناعة والطاقة والتوظيف.
فإذا لم ترتبط السياسات البيئية بخطط واقعية تحافظ على القدرة الإنتاجية، فقد تتحول تكاليفها إلى مصدر إضافي للتوتر الاجتماعي، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الصناعات التقليدية أو تعاني ضعف الاستثمار.
كما أن اختزال النقاش العام في المناخ والهجرة، مع إهمال التكنولوجيا والتسليح والرقمنة الصناعية، يترك ثغرات في الاستجابة للتنافس الدولي.
الاستقطاب الاجتماعي وصعود الشعبوية
تتغذى الأزمة الأوروبية من شعور قطاعات اجتماعية بأن النموذج الاقتصادي والسياسي القائم لم يعد يستجيب لمصالحها.
فقد أدى تركز الفرص والقيمة المضافة في المدن والمراكز الاقتصادية إلى تراجع بعض المناطق الريفية والأطراف، وتعميق الفوارق في العمل والخدمات والنفوذ السياسي.
أسهمت هذه الاختلالات في صعود الحركات القومية والشعبوية واتساع الاستقطاب. ولم يعد الصراع محصوراً في الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار، بل أصبح يتخذ أيضاً صورة مواجهة بين النخب السياسية والاقتصادية وقطاعات تشعر بالتهميش وفقدان السيطرة.
وفي فرنسا، يظهر ذلك في تراجع قدرة الأحزاب التقليدية على بناء تحالفات مستقرة، وفي تشكل اصطفافات تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية المعتادة.
وقد تتقاطع مصالح بعض أصحاب الأعمال والصناعيين مع أطراف من اليمين القومي في ملفات محددة، من دون أن يعني ذلك تطابقاً كاملاً في البرامج.
وتعكس هذه التحولات أزمة في قدرة النظام السياسي على احتواء التناقضات الاجتماعية وتمثلها.
ولا يمكن معالجة هذا الاستقطاب باستبعاد المنتقدين أو اختزال اعتراضاتهم في رفض القيم السائدة. فاستعادة الثقة تتطلب معالجة أسباب القلق المادي والاجتماعي، وتحسين الخدمات وفرص العمل، وتقليص الفوارق بين المدن والأرياف، وتوسيع المشاركة السياسية.
هل تستطيع أوروبا بناء قوة عسكرية مستقلة؟
تظل الوحدة العسكرية من أبرز مواطن الضعف الأوروبي.
فزيادة الإنفاق الدفاعي لا تكفي لبناء قوة متكاملة ما لم ترتبط بتنسيق الإنتاج والتسليح وسلاسل الإمداد، وبآليات مشتركة لاتخاذ القرار.
كما تختلف الدول الأعضاء بشأن طبيعة التهديدات، وأولويات الدفاع، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وحدود الالتزام تجاه أوكرانيا.
ويكشف التردد في بعض الدول الأوروبية عن غياب توافق كامل بشأن الدور العسكري للقارة.
فالاتفاق على زيادة القدرات الدفاعية لا يعني الاتفاق على متى وكيف تُستخدم، أو ما إذا كانت ستعمل ضمن استراتيجية أوروبية مستقلة أم ستظل مرتبطة بالقيادة الأمريكية.
وتُبرِز الحرب في أوكرانيا هذه المعضلة؛ إذ إن محدودية التأثير الأوروبي في مسارها، إلى جانب الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات أساسية مثل الاستخبارات والدعم العسكري، يكشفان أن الاستقلال الاستراتيجي لا يزال طموحاً لم تكتمل أدواته.
ما موقع أوروبا في عالم متعدد الأقطاب؟
لا يكفي أن تكون أوروبا سوقاً كبيرة وتكتلاً اقتصادياً مهماً؛ فالقطب المستقل يحتاج إلى القدرة على صياغة مصالحه، واتخاذ قراراته، وحماية خياراته الاستراتيجية، والتأثير في قواعد النظام الدولي.
وتعكس النقاشات حول توسيع الشراكات الأوروبية، بما فيها الحديث عن انضمام كندا إلى الاتحاد، البحث عن صيغ جديدة للتعاون في مواجهة التحولات الدولية.
لكنها لا تعالج المشكلات البنيوية داخل الاتحاد، ولا تعوض غياب التوافق بشأن السياسة الخارجية والدفاع والصناعة والتكنولوجيا.
يتطلب تعزيز مكانة أوروبا حسم التناقض بين التكامل الاقتصادي والتجزئة السياسية، وبين الطموح إلى الاستقلال والاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، وبين الالتزامات الدولية والمصالح الاقتصادية.
كما يتطلب إصلاح المؤسسات، وتقوية القاعدة الصناعية والتكنولوجية، ومعالجة الانقسامات الاجتماعية التي تهدد شرعية المشروع الأوروبي.
ولا يعني ذلك العودة إلى القومية المغلقة أو تفكيك الاتحاد؛ فكلا المسارين قد يضعف الدول الأوروبية أمام القوى الكبرى.
لكن استمرار الاتحاد من دون معالجة أسباب عجزه لا يضمن بقاءه قوة مؤثرة.
في المحصلة، تواجه أوروبا أزمة في تعريف مصالحها وأدوات قوتها، لا أزمة مكانة دولية فحسب. فإما أن تطور مشروعها من تكامل اقتصادي تحكمه التسويات بين الحكومات إلى شراكة سياسية قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، وإما أن تبقى قوة اقتصادية كبيرة ذات نفوذ سياسي محدود، تتنازعها المصالح الوطنية والضغوط الخارجية والاستقطابات الاجتماعية.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




