لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية تتحدد نتائجها على خطوط القتال، أو صراع على السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية.
فثمة حرب أخرى أقل ضجيجاً من المدافع والطائرات المسيّرة، لكنها أكثر اتساعاً في تأثيرها على حياة السودانيين، تدور رحاها في الأسواق والمصارف وحقول الزراعة ومنافذ التجارة.
إنها الحرب الاقتصادية التي تتجلى في انهيار الجنيه، وتراجع الإنتاج، وارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر، بينما تتراجع قدرة الدولة على إدارة الموارد وتوفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها.
ومع دخول الحرب عامها الرابع، لم يعد ممكناً النظر إلى التدهور الاقتصادي بوصفه مجرد نتيجة جانبية للقتال. لقد أصبح الاقتصاد أحد وجوه الحرب الأخرى، وأحد ميادينها التي تتداخل فيها قرارات السلطة مع مصالح شبكات التجارة والتمويل، وتدفع فيها الأسر السودانية ثمن استمرار الصراع، حتى في المناطق البعيدة عن خطوط المواجهة.
الجنيه في مواجهة الحرب
يقدم الانهيار المتسارع للجنيه السوداني صورة مكثفة عن عمق الأزمة.
ففي 21 أكتوبر 2026، أوردت وكالة رويترز أن الدولار بلغ نحو عشرة آلاف جنيه في السوق الموازية، بعدما كان سعره في حدود 600 جنيه قبل اندلاع الحرب في إبريل 2023.
ويعكس هذا الفارق اتساع الهوة بين قيمة العملة قبل الحرب ومستواها الراهن، في ظل تراجع الصادرات وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وتزايد كلفة الواردات. كما ظل السعر الرسمي، البالغ نحو 4200 جنيه للدولار وفق التقرير، بعيداً عن واقع السوق الموازية، بما يكشف حجم الاختلال في سوق الصرف.
وفي تقارير صحفية لوسائل إعلام سودانية، وصف الخبير المالي والاقتصادي الدكتور علي الله عبد الرازق ما يحدث بأنه انهيار نقدي مكتمل الأركان، وليس مجرد تراجع في قيمة العملة.
وربط ذلك بتوقف جانب كبير من النشاط الصناعي والزراعي، واتساع الفجوة بين المعروض من النقد الأجنبي والطلب عليه، إلى جانب اللجوء إلى طباعة العملة لتغطية النفقات الحكومية في ظل الحرب.
وتكمن خطورة هذا المسار في أن انخفاض الجنيه لا يتوقف عند حدود التعاملات المصرفية، بل ينتقل مباشرة إلى أسعار الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج. فالسودان الذي يعتمد على الاستيراد لتوفير جانب مهم من احتياجاته يجد نفسه أمام حلقة متصاعدة: كلما تراجعت قيمة العملة ارتفعت كلفة الاستيراد، وكلما ارتفعت الأسعار تآكلت القدرة الشرائية، واتسعت الحاجة إلى النقد الأجنبي لتمويل الاحتياجات نفسها، فتزداد الضغوط على الجنيه من جديد.
وهكذا يتحول سعر الصرف إلى مؤشر يومي على كلفة الحرب، لا لأنه يعكس حركة الدولار وحدها، بل لأنه يكشف تراجع قدرة الاقتصاد على توليد موارده وتمويل احتياجاته بصورة مستدامة.
الذهب.. الثروة التي لا تنقذ العملة
في بلد يمتلك موارد معدنية وزراعية كبيرة، يبدو انهيار العملة مفارقة تستحق التوقف.
فالذهب الذي يفترض أن يشكل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، لا ينعكس بالقدر المطلوب على استقرار الجنيه أو تمويل الواردات الأساسية.
وقد أشار الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، في إفادته لوسائل إعلام سودانية، إلى وجود فجوة واسعة بين إنتاج الذهب والصادرات الرسمية المسجلة.
واستند إلى تقديرات تشير إلى أن الإنتاج بلغ نحو 70 طناً في عام 2025، مقابل صادرات رسمية تقل عن 20 طناً، بفارق يتجاوز 50 طناً.
وهي أرقام تستدعي التدقيق في مسارات الإنتاج والتصدير والتحصيل، وتطرح سؤالاً جوهرياً بشأن مصير عائدات مورد يفترض أن يكون رافعة للاقتصاد الوطني.
وتتقاطع هذه الإفادة مع تقارير اقتصادية حديثة تحدثت عن فجوة مماثلة بين إنتاج الذهب وعائدات تصديره الرسمية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على سوق الصرف.
ولا تعني الفجوة وحدها أن كامل الكميات غير المسجلة قد جرى تهريبها، لكنها تفرض ضرورة تتبع مسارات الذهب، ومراجعة آليات التسعير والتصدير والتحصيل، ومعالجة الحوافز التي تدفع المنتجين والتجار إلى التعامل خارج القنوات الرسمية.
المشكلة، إذن ليست في نقص الموارد بقدر ما تتصل بقدرة الدولة على إدخالها في الدورة الاقتصادية، وتحويلها إلى عائدات نقد أجنبي تخدم الإنتاج والخدمات العامة.
وعندما تتراجع الرقابة وتتعدد مراكز النفوذ وتضعف المؤسسات، يمكن للثروة أن تستمر في التدفق من باطن الأرض، من دون أن تجد طريقها إلى خزينة الدولة أو حياة المواطنين.
في هذه النقطة تحديداً، تتجاوز أزمة الذهب حدود السياسة النقدية إلى سؤال اقتصاد الحرب: من ينتج الثروة؟ ومن يصدرها؟ ومن يحصل على عائداتها؟ ولصالح أي أولويات يجري توظيفها؟
قرارات متضاربة واقتصاد بلا بوصلة
لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن طريقة إدارة الدولة خلال الحرب.
فحين تتقدم الاعتبارات العسكرية على متطلبات الاستقرار والإنتاج، تصبح السياسات الاقتصادية عرضة للتبدل والارتباك، وتفقد الأسواق القدرة على بناء توقعات مستقرة.
وتثير قرارات الفريق أول عبد الفتاح البرهان المتعلقة بإخضاع مجلس الوزراء لإشراف عسكري تساؤلات بشأن استقلال القرار التنفيذي، وقدرة المؤسسات المدنية على إدارة ملفات الاقتصاد والخدمات بعيداً عن ضرورات المواجهة العسكرية.
فإدارة الاقتصاد في زمن الحرب تحتاج إلى مركز قرار واضح، ومؤسسات متخصصة، وشفافية في الإنفاق، وأولويات معلنة، لا إلى تداخل في الصلاحيات يجعل المسؤولية عن النتائج موزعة بين مستويات متعددة من السلطة.
ولا يعني ذلك أن الظروف الأمنية لا تفرض استثنائياً تنسيقاً بين المؤسسات العسكرية والمدنية، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى نمط دائم في إدارة الدولة، وتصبح الأولوية لتأمين متطلبات الحرب على حساب إعادة تشغيل المصانع والمشروعات الزراعية، وحماية الأسواق، واستعادة الخدمات المصرفية.
ويظهر الارتباك كذلك في القرارات المتعلقة بالاستيراد. فالتراجع عن حظر استيراد بعض السلع، أو تعديل القيود بصورة مفاجئة، لا يمثل بالضرورة خطأ في حد ذاته؛ إذ قد تكون مراجعة الحظر مطلوبة لمعالجة نقص المعروض وتخفيف الأسعار.
لكن غياب سياسة تجارية واضحة، وعدم الإعلان عن معايير ثابتة تربط الاستيراد بحاجات السوق والموارد المتاحة من النقد الأجنبي، يفتحان الباب أمام التناقض بين القرارات ويضعفان ثقة المستثمرين والتجار.
وتتضاعف المشكلة حين تتداخل مصالح المستوردين مع محدودية الرقابة على الأسواق، وتتركز تجارة السلع الأساسية في أيدي عدد محدود من الشركات.
وقد حذر الناير من احتكار استيراد المحروقات والسكر والقمح، معتبراً أن تحسين إدارة هذه السلع يمكن أن يخفف الضغط على النقد الأجنبي، ويقلل كلفة الإنتاج والنقل، وينعكس على أسعار السلع للمستهلكين.
فالوقود ليس سلعة منفصلة عن بقية الاقتصاد؛ إنه مدخل أساسي للزراعة والصناعة والنقل.
وأي زيادة في سعره تنتقل إلى كلفة تشغيل الآلات ونقل المحاصيل وتوزيع الغذاء، ثم تستقر في النهاية داخل فاتورة الأسرة السودانية.
ولذلك، فإن إصلاح سوق المحروقات، وتعزيز المنافسة والشفافية، ومراجعة آليات الاستيراد، تمثل إجراءات اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
التضخم والفقر.. المواطن يدفع الفاتورة
لا يختبر السودانيون الأزمة عبر المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل من خلال قدرتهم على توفير الطعام والدواء والسكن.
ومع تراجع الدخول وارتفاع الأسعار، باتت الأسر مضطرة إلى تقليص استهلاكها، وتأجيل العلاج، والاستغناء عن احتياجات أساسية، فيما تتسع الفجوة بين الأجور وتكلفة المعيشة.
وهنا يصبح التضخم أكثر من مجرد ارتفاع في المستوى العام للأسعار؛ إنه آلية لإعادة توزيع الخسائر بصورة غير عادلة.
فالعامل الذي يتقاضى أجراً ثابتاً، والمتقاعد الذي يعتمد على معاش محدود، والأسرة النازحة التي فقدت مصدر دخلها، جميعهم يتحملون العبء الأكبر، بينما قد يتمكن أصحاب الأصول والأنشطة المرتبطة بالنقد الأجنبي من حماية جانب من ثرواتهم من تآكل العملة.
ولا تتوقف آثار الفقر عند تراجع الاستهلاك، بل تمتد إلى التعليم والصحة والتغذية، وتؤثر في قدرة المجتمعات على التعافي بعد توقف القتال.
فالطفل الذي ينقطع عن المدرسة، والمريض الذي يعجز عن شراء الدواء، والمزارع الذي لا يستطيع توفير الوقود أو البذور، جميعهم يمثلون خسارة طويلة الأجل في رأس المال البشري والإنتاجي للبلاد.
وتكشف هذه الصورة أن استمرار الحرب لا يستهلك الموارد المتاحة فحسب، بل يقوض أيضاً الموارد التي يحتاج إليها السودان لإعادة البناء.
وكلما طال أمد الصراع ارتفعت كلفة استعادة النشاط الاقتصادي، واتسعت الفجوة بين ما دمرته الحرب وما تستطيع الدولة والمجتمع توفيره لإعادة الإعمار.
من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج
معالجة الأزمة لا تبدأ بإجراء نقدي منفرد، ولا يمكن اختزالها في ضخ الدولار أو تغيير سعر الصرف الرسمي.
فاستقرار العملة يحتاج إلى استعادة مصادر الإنتاج والتصدير، وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة، وضبط الإنفاق العام، وإعادة بناء الثقة في النظام المصرفي.
ويشمل ذلك إدخال عائدات الذهب في القنوات الرسمية، ومكافحة التهريب، وتوحيد إجراءات التصدير والتحصيل، إلى جانب مراجعة سياسات استيراد السلع الأساسية وتقليل الاختلالات التي تستنزف النقد الأجنبي. كما يتطلب الأمر إعادة تشغيل القطاعات الزراعية والصناعية، وتوفير مدخلات الإنتاج والوقود، وتأمين طرق نقل المحاصيل، وتوجيه الموارد المحدودة نحو الأنشطة القادرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات.
لكن هذه الإجراءات على أهميتها لن تحقق نتائج مستدامة إذا ظلت الحرب تعطل الإنتاج وتبدد الموارد وتوسع المخاطر.
فالمستثمر لا يغامر في بيئة تتغير فيها السيطرة على المناطق والطرق، والمزارع لا يستطيع التخطيط لموسم كامل في ظل انعدام الأمن، والمصنع لا يستعيد طاقته الإنتاجية ما دامت إمدادات الطاقة والنقل والتمويل غير مستقرة.
لذلك، فإن الإصلاح الاقتصادي والسلام ليسا مسارين منفصلين؛ كل منهما شرط لنجاح الآخر.
وقف الحرب يتيح استعادة النشاط الاقتصادي، فيما يساعد التعافي الاقتصادي على تقليل دوافع الصراع المرتبطة بالتنافس على الموارد، ويمنح الدولة والمجتمع قدرة أكبر على تمويل الخدمات وإعادة الإعمار.
هل تنقذ الهدنة الأمريكية الاقتصاد؟
في هذا السياق، تكتسب المبادرة الأمريكية التي تبدأ بهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً أهمية تتجاوز وقف إطلاق النار مؤقتاً.
فالمقترح الذي يتضمن تمهيد الطريق لوقف دائم للنار وعملية سياسية تقود إلى انتقال مدني، يمكن أن يشكل نافذة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات، إذا تحول من إعلان سياسي إلى التزامات قابلة للتنفيذ والرقابة.
وقد أظهرت المواقف المعلنة للطرفين وجود مساحة للتعامل مع جهود السلام، لكن الخلافات بشأن انسحاب القوات والترتيبات الأمنية وشروط العملية السياسية تكشف أن الاستعداد المعلن لا يساوي اتفاقاً نهائياً.
كما أن التجارب السابقة تؤكد أن الهدنة لا تنجح بمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى آليات مراقبة واضحة، وضمانات للامتثال، وضغط على الأطراف التي قد تسعى إلى استغلال توقف القتال لتحسين مواقعها العسكرية.
اقتصادياً، يمكن لهدنة فعالة أن تتيح توسيع وصول المساعدات الإنسانية، وتأمين حركة السلع والوقود، وتقليل مخاطر النقل والتأمين، وتهيئة الظروف لعودة تدريجية للنشاط التجاري والزراعي في المناطق الآمنة. ويمكنها كذلك أن تمنح المؤسسات المالية والاقتصادية فرصة لاستعادة بعض وظائفها، وتخفيف حالة الذعر والمضاربة التي تغذي تقلبات السوق.
غير أن 90 يوماً، مهما كانت أهميتها لن تكفي وحدها لإعادة بناء اقتصاد أنهكته سنوات الحرب.
المطلوب أن تتحول الهدنة إلى مدخل لوقف دائم لإطلاق النار، يتبعه مسار سياسي شامل، وتوافق على إدارة الموارد العامة، وخطة عاجلة لحماية الفئات الأكثر تضرراً، ثم برنامج أوسع لإعادة الإعمار واستعادة الإنتاج.
والسؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط ما إذا كانت واشنطن ستنجح في جمع الطرفين حول الهدنة، بل ما إذا كان الطرفان سيقبلان بأن إنقاذ البلاد يتطلب تقديم تنازلات تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
فالسلام الذي لا يوقف استنزاف الموارد، ولا يعيد الثقة إلى المؤسسات، ولا يفتح الطريق أمام حكم مدني قادر على إدارة الاقتصاد، سيظل هشاً مهما طال عمر الاتفاقات.
في النهاية، للحرب في السودان وجوه أخرى لا تقل خطورة عن وجهها العسكري.
الجنيه المنهار، والذهب الذي لا تتحول عائداته كاملة إلى موارد رسمية، والمصانع المتوقفة، والحقول المعطلة، والأسواق المضطربة، والأسر التي تزداد فقراً، كلها شواهد على أن استمرار القتال يبدد حاضر البلاد ومستقبلها معاً.
ولذلك، فإن إنقاذ الاقتصاد يبدأ بوقف الحرب، لكنه لا ينتهي عنده.
إنه يحتاج إلى دولة تستعيد مؤسساتها، وتخضع مواردها للمساءلة، وتعيد توجيه الإنفاق نحو الإنتاج والخدمات، وتضع مصالح المواطنين فوق مصالح اقتصاد الحرب. أما الهدنة، فإن نجحت فقد تمنح السودان فرصة نادرة لوقف النزيف؛ لكن تحويل هذه الفرصة إلى تعافٍ حقيقي يظل رهناً بإرادة سياسية تضع السلام أساساً لإعادة بناء الدولة، لا مجرد استراحة بين جولتين من القتال.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "





