مدهش أن تقرر قيادة الدولة عقد مؤتمر “منتدى مصر” لتتحدث عن الإنجازات في حين أن المطلوب من أي دولة تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية عميقة أن تتحدث عن التحديات التي تواجهها، والعقبات التي تقف أمامها والأخطاء التي ارتكبتها لتحاول تصحيحها لا أن تقيم احتفالًا ضخمًا ضم شخصيات من كل حدب وصوب للحديث عن إنجازات لا خطة عمل لمواجهة المشاكل والتحديات.
والحقيقة أن حديث التحديات يمكن أن يكون خطاب أي حكومة جادة ترغب في تجاوز مشكلاتها، أما المعارضة فمن حقها أن تتحدث عن السلبيات وتربطها بأداء الدولة والحكم لا بالظروف المحيطة أما حديث الإنجازات فهو ليس الطريق الأسلم لوضع مسار آمن للوصول إلى 2030 التاريخ الذي أعلن فيه الرئيس إنه سيغادر السلطة بانتهاء مدته الرئاسية.
والحقيقة أن مواد “الدستور المعدل” سمحت للرئيس بالبقاء في السلطة 16 عامًا خلافًا لدستور 2014 قبل تعديله، والذي نص على انتهاء مدة الرئاسة بعد نصف هذه الفترة أي بعد ٨ سنوات، ومع ذلك فإن الالتزام بالنص الحالي يعد أمرًا إيجابيًا يجب التمسك به والعمل على أن يكون الطريق إليه معتمدًا على إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية تعيد البلاد مرة أخرى إلى نظام التعددية المقيدة الذي عرفته طوال عهد مبارك والذي قد يفتح الطريق لبناء دولة القانون والديمقراطية، وإن حديث التحديات سيعني وضع قانون لانتخابات الرئاسة “تعددي مقيد” وبعيد عن أفكار التأهيل والتدريب التي طرحت والتي لم يعرفها أي نظام سياسي مهما كانت طبيعته.
والحقيقة أن تجارب التعددية المقيدة جوهرها قائم على وجود هامش لحرية الرأي والتعبير وهامش لحركة الأحزاب والقوى السياسية، وقد يعتبره البعض هامشا “للتنفيس” لأنه لا يؤدي إلى تداول للسلطة، ولكنه يخلق تنافسا وحيوية داخل المجتمع والنخبة يجعل فرض الإصلاح من داخل النظام واردا بدرجة كبيرة.
وقد عرفت مصر في عهد الرئيس مبارك نظام التعددية المقيدة، حيث نشطت الصحافة وحضر الإعلام وكانت هناك طبقة سياسية معارضة وتيار إصلاحي داخل الحزب الوطني الحاكم وقيادات مدنية في الدولة على درجة من الكفاءة والمهنية، وأحيانا الخبرة السياسية، ولذا وجدنا بعد ثورة يناير وعقب تنحي مبارك قيادات ورموز سياسية من داخل الدولة وخارجها قادرة على قيادة البلاد، ولولا الأخطاء التي حدثت من قبل من قادوا يناير ومن عارضوها لكانت البلاد عبرت التحديات التي واجهتها بمسار إصلاحي آمن من داخل منظومة مبارك.
أما في العالمين العربي والإسلامي فهناك دول أخرى تعرف نظم التعددية المقيدة مثل المغرب الذي يشهد هامشا واسعا من الحرية السياسية وتنافسًا بين الأحزاب وأحيانا تداولا للسلطة على أرضية النظام الملكي، كما جرى مع حزب العدالة والتنمية صاحب المرجعية الإسلامية الذي شكل الحكومة لدورتين تحت قيادة السلطة الملكية، ثم خسر الانتخابات وترك السلطة. وهناك أيضًا التجربة الإيرانية كنموذج لحكم ديني أقرب لنظم التعددية المقيدة، والتي يقودها مرشد الجمهورية الذي يختاره مجلس خبراء منتخب من رجال دين، وهناك أيضًا مجلس صيانة الدستور، ومن أهم صلاحياته بحث أهلية المرشحين للرئاسة وبإمكانه استبعاد البعض كما فعل مؤخرًا حين استبعد الرئيس الأسبق أحمدي نجادي من قائمة المرشحين لانتخابات الرئاسة، وجرت الانتخابات بشكل حر وفاز فيها الرئيس الإصلاحي الحالي مسعود بازشكيان.
في الحالة الإيرانية التي تحكمها سلطة دينية لم تفرض منظومة الحكم برنامج تأهيل ديني أو مدني أو عسكري على مرشحي الرئاسة لمدة 6 أشهر، أو 30 شهرًا لكي يصبحوا مؤهلين للترشح، ولم تطالبهم بحفظ القرآن الكريم أو التفقه في أمور الدين أو الحصول على درجة علمية لكي يترشحوا في انتخابات الرئاسة، إنما وضعت قيودًا في شكل قواعد تختار على أساسها بعض المرشحين، وتستبعد البعض الآخر.
أهمية الترشح الحر وفق خطوط حمراء أو فرز مسبق أنه يترك للناس فرصة الاختيار، فالجميع له حق الترشح في نظم التعددية المقيدة، وفي نفس الوقت فإن مؤسسات الحكم تحدد إذا كان هذا المرشح يمثل تهديدًا لقواعدها أم لا أو خرج عن القواعد القائمة بأن يكون مثلًا منتميا لجماعة متطرفة أو حرض أو مارس على العنف فيمنع من الأصل من الترشح، ولكن لا أحد في أي نظام سياسي يقيد حق الترشح إنما يعطي الدولة حق “الفيتو” والاعتراض على مرشح.
والحقيقة أن أهمية السماح للمواطنين بالاختيار، حتى لو بين مرشحين “مفروزين” مسبقًا يعد خطوة للتعلم ولممارسة الديمقراطية، وقد يؤدي مع الوقت إلى الانتقال للديمقراطية الكاملة، وأن يكون للناس حرية الاختيار بين مختلف المرشحين دون أي وصاية.
من هنا، فإن الحديث عن التحديات التي تواجهها البلاد سيعني الاقتراب من الناس، وسيعني أيضًا خطوة أولى نحو إجراء انتخابات رئاسية شبه مفتوحة والتراجع عن الأفكار الحالية “بتأهيل المرشحين”، ووضع شروط لم يعرفها أي نظام سياسي في العالم سواء ما تتعلق بالسن أو الدرجة العلمية، إنما يترك للشعب حرية الاختيار بين من قُبِلوا للترشح في الانتخابات دون أي حديث عن تأهيل وإعداد في غير محلة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



