بين تصريح سموتريتش بأنه “لن تكون هناك سيناء” وورقة لمعهد القدس تحذر من تضخيم الشكوك، يجري في إسرائيل نقاش حقيقي حول مصر.
موضوعه ليس الحرب، وإنما كيف تتعامل إسرائيل مع قاهرة صارت أكثر استقلالًا.
في الخامس من أكتوبر، عشية ذكرى حرب 1973، سُئل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عمّا يمنع مصر من مهاجمة إسرائيل، فأجاب بأن ما يمنعها هو إدراكها أنها إذا هاجمت “فلن تكون هناك سيناء على الأقل”.
وردّ مصدر مصري نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط بأن هذه «تهديدات جوفاء» وخطاب تحريضي لأغراض انتخابية.
يسهل أن نقرأ التصريح على أحد وجهين.
الأول أنه دعاية انتخابية قبل ثلاثة أسابيع من الاقتراع لا تعبر عن شيء.
والثاني أنه كشف عما تضمره إسرائيل لمصر منذ البداية.
أظن الوجهين خاطئين، والسؤال الأجدى هو هل تغيّر التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي في نظرته إلى مصر بعد السابع من أكتوبر؟ وما الذي استمر منه وما الذي تغيّر؟
ما تقوله النصوص الإسرائيلية نفسها أن المعاهدة ما زالت أصلًا استراتيجيًا عند المؤسسة الأمنية ومراكز الفكر الكبرى، لكن مصر انتقلت في الحساب الإسرائيلي من خانة الشريك إلى خانة “عامل الخطر”.
وهو انتقال في التصنيف لم يصل بعد إلى قطيعة في العقيدة.
الثابت: المعاهدة بوصفها أصلًا
منذ 1979 قامت النظرة الإسرائيلية إلى مصر على ثلاثة أعمدة.
سيناء منزوعة السلاح في معظمها بوصفها عمقًا يغني عن الحرب، وسلام بارد لا يُطلب منه أكثر من الهدوء، وتنسيق أمني اتسع بعد 2013 في مواجهة الجماعات المسلحة في شمال سيناء، وقبلت إسرائيل بموجبه زيادة القوات المصرية في المناطق المحظورة.
وظل النقاش الإسرائيلي حول مصر يدور على سؤال القدرات والنوايا، فالقدرات تُراقب والنوايا تُفترض سلمية ما دام النظام القائم يرى في المعاهدة مصلحة له.
وفي غزة كانت إسرائيل نفسها هي التي تتمسك بمصر وسيطًا، كما فعلت في حرب 2014، لأن القاهرة كانت تشاركها وقتها العداء لحماس وتملك المعبر الوحيد للقطاع إلى العالم خارج السيطرة الإسرائيلية.
لم يسقط هذا البناء في السابع من أكتوبر.
وثيقة العقيدة التي أصدرها معهد دراسات الأمن القومي في يناير 2025 تضع مصر في “تحالف الدول المعتدلة” إلى جانب إسرائيل والأردن ودول الخليج، وتُعدّ مشاركتها في تثبيت الوضع في غزة “مصلحة إسرائيلية استراتيجية”.
والخطر الوحيد الذي تذكره على المعاهدة خطر غير مباشر، هو أن يؤدي سقوط الأسد إلى محور سني راديكالي يزعزع معاهدتي السلام مع الأردن ومصر.
أما “التهديد المرجعي المحتمل” الذي يحتاج إلى مراقبة فهو تركيا.
ولجنة ناجل التي راجعت بناء القوة، في التقارير المنشورة عنها وضعت تركيا في خانة التهديد، ولم أجد فيما نُشر منها نصًا يسمّي الجيش المصري تهديدًا.
المتغير: من شريك إلى “عامل خطر”
الذي تغيّر بدأ من خارج مراكز الفكر.
في يناير 2025 قال سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون إن الجيش المصري “يتدرب لغرض واحد، هو الحرب مع إسرائيل” وتساءل عن حاجة مصر إلى الغواصات والدبابات، ورأى أن ذلك يجب أن يدق أجراس الإنذار بعد السابع من أكتوبر.
وفي فبراير نشرت «يسرائيل هيوم» تقديرات محللين تقول إن في سيناء أضعاف القوات المسموح بها، وفي التقرير نفسه ردّ سفير إسرائيلي سابق في القاهرة بأن هناك موجة من المشاعر المعادية لمصر، وهناك جهات تتعمد نشر روايات الحشد.
وكتب موشيه فوزايلوف، المسؤول السابق في الشاباك والباحث في معهد مسغاف، أن مصر “لا سبب لديها لإعداد مثل هذه المنظومات” إلا إذا افترضت أن إسرائيل هي سيناريو التهديد الرئيسي لها.
وفي سبتمبر 2025 سلّم نتنياهو وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قائمة بما يعدّه خروقات مصرية، منها تمديد مدارج للطائرات المقاتلة ومنشآت تحت الأرض قد تُستخدم لتخزين الصواريخ، مع إقرار المسؤولين الإسرائيليين بأنه لا دليل على تخزين صواريخ فيها.
ثم نُقل عن نتنياهو في جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في فبراير 2026 قوله إن الجيش المصري “يزداد قوة ويجب مراقبته” وأن على إسرائيل أن تمنعه من أن يصبح “قويًا أكثر من اللازم” مع اعترافه بوجود علاقات ومصالح مشتركة.
هذه اللغة جديدة على رأس السلطة في إسرائيل، وأهم منها أن الفكرة دخلت نصوص مراكز الفكر الرصينة بصيغة محسوبة.
في مايو 2026 نشر عيران ليرمان، نائب الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، في معهد القدس للاستراتيجية والأمن ورقة عنوانها “العلاقات الإسرائيلية– المصرية: تحديات وفرص”.
يقر ليرمان بأن الوجود العسكري المصري في سيناء تجاوز «منذ مدة» الحدود التي وضعها الملحق العسكري للمعاهدة، لكنه يضيف أن هذا الحشد جرى في الغالب بعلم إسرائيل وبالتنسيق معها.
ويرى في بعض سماته ما لا يطابق احتياجات مكافحة الإرهاب، ويشير إلى مؤشرات على بنية تحتية لقواعد جوية متقدمة وتحسن كبير في الطرق، ثم يلاحظ أن القوات ليست منظمة في تشكيلات قتالية على مستوى الفرق من النوع اللازم لقتال الجيش الإسرائيلي. وخلاصته أن على الجيش الإسرائيلي أن يتعامل مع القوة المصرية بوصفها “عامل خطر، وإن لم يصبح بعد تهديدًا” أي بوصفها “خطرًا مرجعيًا” في تخطيط بناء القوة.
كلمة “بعد” في هذه الصيغة هي موضع التغير.
مصر لم تكن قبل السابع من أكتوبر موضوعًا لتخطيط بناء القوة الإسرائيلية، وصارت اليوم كذلك عند أكثر الكتّاب حرصًا على المعاهدة.
وقد جاءت الورقة بعد مناورة «بدر 2026» التي أجراها الجيش الثالث في إبريل قرب الحدود، وهي مناورة نُسّقت مسبقًا مع إسرائيل في إطار المعاهدة، ومع ذلك احتج عليها منتدى مستوطنات غلاف غزة وطرحها رئيس لجنة الخارجية والأمن للنقاش.
أما الأرقام فما زالت موضع خلاف.
نقل موقع «ميدل إيست آي» عن مصدر عسكري مصري في أغسطس 2025 أن نحو 40 ألف جندي ينتشرون في شمال سيناء، أي قرابة ضعف المسموح به، وأن القاهرة أبلغت إسرائيل بذلك.
وهو رقم من مصدر واحد لم يُؤكَّد رسميًا، والهيئة العامة للاستعلامات تقول إن الانتشار يجري في إطار التنسيق المسبق مع أطراف المعاهدة.
ما الذي جعل الصيغة تتغير؟
أظن أن السابع من أكتوبر لم يغيّر صورة مصر بقدر ما غيّر طريقة إسرائيل في القراءة.
الهجوم جاء من خصم قيل إنه مردوع ومنشغل بالحكم، فسقطت الثقة في تقدير النوايا كله.
وما يُسقط الثقة في النوايا يرفع وزن القدرات.
من هنا يأتي الانقسام الإسرائيلي حول مصر.
فريق يقرأ القدرات المصرية دليلًا على نية معادية ويستحضر السابع من أكتوبر قياسًا، وفيه دانون وباحثو مسغاف وبعض محللي «يسرائيل هيوم» وسموتريتش، ونتنياهو جزئيًا.
وفريق يراقب القدرات ويفصلها عن النوايا، ويحذر من أن التخويف يصنع ما يخشاه، وفيه معهد دراسات الأمن القومي ودبلوماسيون سابقون، والجيش والشاباك بحسب ما يُنقل عنهما.
وليرمان يقف بين الفريقين، يقبل القلق من القدرات ويرفض الاستنتاج الذي يبنيه الفريق الأول عليه.
تهديد يُصنع في الداخل
لكن جزءًا من هذا الخطاب لا يخرج من تقدير أمني.
في ديسمبر 2025 نشر يوآف ليمور في «يسرائيل هيوم» أن مسؤولين في الجيش والشاباك أبدوا قلقهم من سلسلة تقارير كاذبة روّجها مستشارون لنتنياهو في سياق قضية «قطر جيت»، منها أن مصر تبني قواعد هجومية في سيناء.
ويتصل هذا بمعركة داخلية أخرى، فمكتب نتنياهو يصف ما يُنشر عن تحذيرات مصرية سبقت السابع من أكتوبر بأنه افتراء من دول أجنبية معادية.
مصر هنا ورقة في صراع على المسؤولية عن الإخفاق، وفي حملة انتخابية يحتاج فيها اليمين إلى عدو قريب.
ومن هذه الزاوية يُقرأ تصريح سموتريتش. هو ليس تعبيرًا عن عقيدة المؤسسة الأمنية، لكنه ليس معزولًا عن تحول حقيقي في المزاج، فالحدود بين ما يقوله وزير في حملة انتخابية وما يكتبه باحث في ورقة سياسات صارت أرقّ مما كانت.
مصر التي تغيّرت أيضًا
النظرة الإسرائيلية تغيّرت لأن مصر نفسها تحركت.
منذ الأيام الأولى للحرب صار التهجير خطًا أحمر مصريًا، بعد أن أوصت وثيقة وزارة الاستخبارات في 13 أكتوبر 2023 بنقل سكان القطاع إلى سيناء.
وفي مايو 2024، بعد سيطرة إسرائيل على معبر رفح ومحور فيلادلفيا، رفضت مصر تنسيق إدخال المساعدات عبر المعبر تحت السيطرة الإسرائيلية، وأعلنت انضمامها إلى دعوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، مع تأكيد وزير خارجيتها يومها أن السلام مع إسرائيل خيار استراتيجي.
ثم امتنعت عن تبادل السفراء مع إسرائيل منذ 2025 من دون أن تعلن خفض التمثيل.
وفي سبتمبر 2025، بعد الضربة الإسرائيلية على الدوحة، وصف الرئيس السيسي إسرائيل بالعدو، وهي أول مرة يستخدم فيها رئيس مصري الكلمة منذ زيارة السادات إلى القدس 1977، بحسب رئيس الهيئة العامة للاستعلامات. وفي ديسمبر 2025 أدانت مصر اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بوصفه تهديدًا للسلم الإقليمي.
وفي حربي إيران 2025 و2026 أبقت القاهرة قنواتها مع طهران مفتوحة، وأسهمت في التوصل إلى وقف النار بين واشنطن وطهران، وهو ما يعدّه ليرمان “أهم افتراق” بين البلدين.
وفي أغسطس 2026 وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، وبقيت مصر خارجه رغم أنها كانت طرفًا في آلية تنسيق رباعية سبقته.
وفي المقابل لم تنقطع المصالح، فصفقة الغاز البالغة 35 مليار دولار، التي أخّر نتنياهو إقرارها أشهرًا، أُقرت في ديسمبر 2025 بوصفها أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل.
مصر إذن لم تقطع لكنها لم تعد الشريك الذي يُفترض موقفه سلفًا.
وهذا بالضبط ما يقلق إسرائيل.
ما تكشفه النصوص الإسرائيلية عن أوراق القاهرة
أنها ترى في ضبط النفس المصري رصيدًا يمكن أن يضيع.
في ورقة عن اتفاق مكة كتب يوئيل جوزانسكي وغاليا ليندنشتراوس في معهد دراسات الأمن القومي أن انضمام مصر إلى الاتفاق سيزيد صعوبة ترميم العلاقة معها، وهي علاقة “تدهورت كثيرًا” بسبب تداعيات السابع من أكتوبر، وأن ترميمها صار «أكثر إلحاحًا» بعد توقيع الاتفاق.
ويفسر أوفير فينتر في المعهد نفسه غياب مصر عن الاتفاق بالمادة السادسة من معاهدة السلام، التي تقدّم التزامات المعاهدة على غيرها عند التعارض، ويستنتج أن الحذر المصري يؤكد قيمة الحفاظ المتبادل على إطار السلام.
وفي ورقة أخرى يوصي فينتر وزميله بتجنب التصريحات التحريضية التي تعزز صورة إسرائيل في مصر بوصفها دولة تريد إعادة رسم خريطة المنطقة بالقوة وحدها.
وليرمان نفسه الذي أدخل مصر في خانة “الخطر المرجعي” يحذر من “تضخيم التهديد” لأن إسرائيل إذا ضخّمت شكوكها فستقرأها القاهرة بالمثل.
ويوصي بطمأنة مصر إلى أن إسرائيل لا تنوي المساس بأمنها ولا طرد سكان غزة إليها، وبقناة رفيعة بعيدة عن الأضواء.
أي أن التيار الحريص على المعاهدة يعرف أن ما يردع الانزلاق ليس التفوق العسكري وحده، وإنما رغبة مصر في البقاء داخل الإطار.
وهذه الرغبة هي ورقة القاهرة الأهم.
الاستمرارية والتغير
إذا جمعنا هذه العناصر أمكن القول إن ثلاثة أشياء استمرت.
المعاهدة ما زالت أصلًا استراتيجيًا عند المؤسسة الأمنية ومراكز الفكر الكبرى، ومبدأ نزع سلاح سيناء ما زال مرجع القياس، والتنسيق العسكري لم ينقطع، بدليل أن مناورة “بدر” نفسها نُسّقت مسبقًا.
وتغيّرت ثلاثة أشياء، صارت القدرات المصرية موضوعًا لتخطيط بناء القوة بعد أن كانت في الخلفية، وصارت لغة رأس الحكومة ووزرائها عن مصر لغة مراقبة وتلويح، وصارت مصر لاعبًا لا يُفترض موقفه سلفًا؛ في غزة وفي الملف الإيراني وفي خريطة التحالفات الإقليمية.
والانتخابات المقبلة لن تحسم هذا التوتر.
تذكر «جيروزاليم بوست» أن غادي آيزنكوت يريد تحسين العلاقات مع مصر والأردن والإمارات، ويتهم نتنياهو بخوض معارك غير ضرورية.
وهذا يعني أن حكومة معارضة ستغيّر النبرة، لكنها لن تتخلى عن مراقبة القدرات المصرية، فهذه صارت جزءًا من الإجماع الأمني الجديد الذي يتقاسمه الطرفان.
ويبقى سؤال يخصنا نحن، فالتيار الإسرائيلي الحريص على المعاهدة يقدّرها لأنها تقيّد مصر كما رأى فينتر في غيابها عن اتفاق مكة، والتيار الذي يرى في مصر خطرًا يستند إلى أنها لم تعد مقيدة بما يكفي، وما بين القراءتين تقع مساحة القاهرة.
قوتها اليوم في أنها لم تحسم موقعها، فهي خارج اتفاق مكة لكن الباب مفتوح لها، وشريكة في الغاز لكنها ترفض تبادل السفراء، ووسيطة في غزة وإيران لكنها خصم في لاهاي.
ما تكشفه النصوص الإسرائيلية أن هذا الغموض المحسوب يربك الحساب الإسرائيلي أكثر من أي حشد عسكري في سيناء.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



