في كتابه “المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى الرابع عشر” رأى الشيخ عبد المتعال الصعيدي أن التجديد لا يجب أن يقتصر على الأمور المعنوية والرمزية، بل يمتد إلى المسائل المادية، أي أن من الإجحاف أن تقتصر نظرتنا إلى المجددين على أنهم العلماء والفقهاء والمصلحون الاجتماعيون فقط، بل يجب أن تشمل الحركيين، ممن سعوا إلى تطبيق الإسلام، وتطوير الشرع، وإيجاد إجراءات تواكب الواقع المتغير باستمرار.
ومن هنا فإن تاريخ التجديد في الإسلام بالنسبة له هو “تاريخ نهوض المسلمين في أمور دنياهم، قبل أن يكون تاريخ نهوضهم في أمور أخراهم، ولا يجب أن نذكر فيه من المجددين إلا من يعمل لهذه الغاية، ولا نكتفي فيهم بما اكتفوا به فيهم من مجرد الشهرة في العلم”.
ولهذا يضع الصعيدي العديد من القادة والحكام والحركيين والثوار في عداد المجددين، مثل الخلفاء الراشدين الأربعة، والحسين بن علي وخالد بن يزيد وعمر بن عبد العزيز، والخلفاء العباسيين المأمون والواثق والمهتدي، والسلطان العثماني سليمان القانوني، والشاه عباس ونادر شاه، ومحمد علي باشا وأحمد خان ومدحت باشا، وميرزا علي محمد، وغلام أحمد، ومصطفى أتاتورك، وعبد العزيز آل سعود. ويأتي لديه هؤلاء جنباً إلى جنب مع فقهاء وفلاسفة ومتصوفة وعلماء مثل الإمام الشافعي ومعروف الكرخي وأحمد بن حنبل والكندي والرازي وأبو الحسن الأشعري والفارابي وإخوان الصفا وأبو حامد الغزالي وابن سينا وابن حزم وأبو العلاء المعري وابن رشد وفخر الدين الرازي والشريف الإدريسي وأبو الفرج بن الجوزي ونصير الدين الطوسي وابن تيمية وابن دقيق العيد ومحي الدين بن عربي وابن خلدون وابن القيم الجوزية وأبو اسحق الشاطبي وسراج الدين البلقيني وألوغ بك، والقاضي زكريا الأنصاري وابن الوزير اليمني وشمس الدين الرملي ومحمد بن بير علي البركوي وإبراهيم الكوراني والمقبلي اليمني ومحمد بن عبد الوهاب وولي الله الدهلوي والشوكاني وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا ومحمد مصطفى المراغي.
ولا يعني هذا أن الصعيدي يتفق مع كل هؤلاء في جميع ما قالوه وفعلوه، بل هو يحرص على تخصيص مواضع ينتقد فيها بعضهم، ويفند فيها آراءهم ومواقفهم.
لكنه اعتبر كل هؤلاء من المجددين باعتبار أن ما طرحوه، سواء وافق رأي جمهور العلماء أو خالفه، لاقى هوى الأغلبية الكاسحة من الناس أو خالفه، فإنه كان بمثابة الحجر الذي ألقي في بحيرة الفقه الراكد فمنعها من التعفن، وجعل باب الاجتهاد مفتوحا، وخلق حالة من التحدي أمام العقل المسلم، جعلته يتوقد ويتفوق على نفسه أحيانا في سبيل تحصيل إجابات على الأسئلة التي طرحها المجددون.
ويشدد الصعيدي على أن التجديد عملية مستمرة، لا نهاية لها إلا بقيام الساعة، ثم يدعو إلى إنهاء الأسباب التي حالت دون تدفق عملية التجديد واستقوائها، وقدرتها على مواكبة واقع يتغير باستمرار، ومنها الاستبداد السياسي، وعدم تشجيع الحكام لحركات الإصلاح، وقلة عدد المصلحين، وميل أغلب الناس إلى المقلدين والجامدين، ومحاربة أعداء الإسلام لحركة التجديد، حتى يصعب على المسلمين أن يستعيدوا مجدهم الضائع.
ويعيد جمال البنا المجددين في الإسلام إلى مجال الفقه والفكر والفلسفة، لكنه يضيف أسماء أخرى إلى تلك التي رصدها الصعيدي، مثل: أبو حنيفة النعمان ونجم الدين الطوفي والعز بن عبد السلام وحسن البنا ومحمد إقبال وعلي شريعتي وعلال الفاسي ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي وأبو الحسن الندوي وأبو الأعلى المودودي وعبد الحميد بن باديس وبديع الزمان سعيد النورسي وسيد قطب وقاسم أمين ومحمد الغزالي ومحمد أسد ومحمود شلتوت ورجاء جارودي وشكيب أرسلان ومالك بن نبي.
ورغم أن ما فعله البنا في هذا الشأن لا يعدو أن يكون مجرد جمع متفرق، وتفكيك ما يعجز هو عن تركيبه أو وضعه في سياق وبنية، فإنه يتجاوز حد تجديد الفقه أو الفكر الإسلامي إلى الحديث عن “تجديد الإسلام”، لكنه يقيد هذا الاتساع بحديث عن “إعادة تعريف منظومة المعرفة الإسلامية” التي وضعت في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، وهو ما يتركز لديه في “إصلاح ديني” لا مناص عنه، ولا نهضة بدونه، وله الأولوية عن كل مجالات الإصلاح الأخرى، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بل إنه يعتبر كلمة إصلاح ليست كافية، لأنها لا تعبر عن التغيير المطلوب.
ويطلق البنا ما يسميها “دعوة الإحياء الإسلامي” التي يقع الإنسان في مركزها، وتدعو إلى إضافة الحكمة كأساس للشرع إلى جانب القرآن والسنة، وتجعل العقل حكما على كل الأشياء، وتقدم المصلحة على النص إن تعارضا، وتؤكد أن الإسلام دين وأمة وليس دينا ودولة، وتطالب بإزاحة التراث الفقهي كله والذهاب إلى القرآن مباشرة، ومراجعة الأحاديث على أساس المتن وليس السند فقط، وترفض وظيفة الإفتاء عند المسلمين، وتعتبرها كهنوتاً جديداً، ولا تقبل وجود مؤسسات تقوم على الدين، وتعتبر هذا أكليروس لا يعرفه الإسلام.
ولم يقتصر الحديث عن التجديد على المنتجين للمعرفة الإسلامية وخطابها، بل كان شغلا لكثيرين من الكتاب والمفكرين العرب، قوميين وليبراليين.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، ها هو زكي نجيب محمود ينشغل بقضية “تجديد الفكر العربي” ويتحدث عن “قيم من التراث” “والمعقول واللا معقول في تراثنا الفكري” بعد سنوات أمضاها في التتيم بالفكر والفلسفة الغربية، وكان يعتقد أن سواها لا يستحق النظر أو التقدير.
فلما أتيح له أن يطلع على قسط وافر من التراث العربي ـ الإسلامي، وجد أن فيه ما يجب الالتفات إليه، والعناية به، بغية تجديده ليكون ملائما لواقعنا المعيش، وراح يدلو بدلوه في هذا الأمر، ويعطيه ما يكافئه من التفكير والإنتاج المعرفي.
لكن مصطلح التجديد عاد في تجليه الأخير إلى الخلف خطوات عديدة ليتركز حول “تجديد الخطاب الديني”، وإن كان هذا الرجوع لا يخص إلا فريقاً، ولا يغلق الباب أبداً أمام من يرفعون سقف التجديد إلى مستويات أعلى، كما فعل الخولي والصعيدي والبنا.
وقد نشطت المؤسسات الدينية الرسمية، إثر تبني السلطات العربية لهذه القضية استجابة لضغوط الولايات المتحدة عقب حدث 11 سبتمبر، وصدرت عدة كتب في وقت قصير منها “تجديد الخطاب الديني” لسالم عبد الجليل، و”تجديد الخطاب الديني الفكري والدعوي” للسعيد محمد علي، و”دليل الإمام إلى تجديد الخطاب الديني” لعدد من العلماء والشيوخ والباحثين.
وكانت الأهداف المعلنة لهذا التوجه تتمثل في إعادة تشكيل وعي المسلم وفهمه وتصوراته ورؤاه وفق الوحي والعقل معا، لإعادة بعث النموذج الإسلامي المفقود وفق مقتضيات الحاضر ومتطلبات الأمة، واستلهام سنن التغير والتطور من التاريخ الإسلامي، وإنزال الفقه على الواقع، وإفساح مجال الاجتهاد، وتعليم الناس جوهر الدين وحقيقته بعد أن حادوا عنه، واختلت لديهم الموازين فجعلوا الفرض نافلة، والنافلة واجباً، وإبراز الوسطية الإسلامية، وتنقية التراث.
ومع هذا فإن تلك العودة إلى الوراء لم تكن سلبية خالصة، لأمرين أساسيين، الأول أن من طالبوا بالتجديد وقفوا إما عند المفاتيح أو المبادئ الأولية، وإما أخفقوا في إعادة تركيب ما فككوه، وتقديم بناء نظري متماسك يكافئ الطموحات التي طرحوها حول التجديد، ولذا أعطوا فرصة لمنتقديهم أن يطلقوا عليهم لقب “المبددين” وليس “المجددين”.
والثاني أن الطور الأخير للتجديد بدا واسعاً ومتنوعاً وشاركت فيه جماعات علمية ومجموعات بحثية متنوعة المشارب والمناهل والتوجهات العلمية، حيث لم تقف عند حدود المهتمين بعلوم الدين، بل امتدت إلى علماء الاجتماع والسياسة والفلسفة والتربية والأدب والتاريخ، سواء كانوا مسلمين أم مستشرقين.
لكن هذا الجهد لا يزال يقع تحت طائلة رد الفعل على مطالبة الغرب لنا بتجديد خطابنا، ما ينال من قوته وتأثيره كثيرا، ويفتح الباب أمام التشكيك في مقصده ومآله.
في خاتمة المطاف، أقول إن احتفاظ تاريخ الفقه والفكر الإسلامي بحديث مستفيض حول الاجتهاد والإصلاح والتجديد، وتعدد الآراء الناتجة عن اختلاف فهم النص وتأويله، وعدم اتفاق المصالح والأهواء، وتفاوت السياقات والظروف، هو الذي فتح الباب أمام إمكانية التراجع والمراجعات التي قام بها بعض “الإسلاميين الراديكاليين”.
وهنا تظهر محاسن بقاء الاجتهاد مفتوحاً بحكم النص في جوهره، والشرع في مقصده، فمثل هذه المزية تجعل احتمالات المراجعة قائمة، والتراجع وارد، والتوبة مفتوحة. ورغم أن المراجعة لا تمثل “قطيعة معرفية” تامة مع الماضي، فإنها في حد ذاتها شيء إيجابي شريطة أن تكون نابعة من الذات العارفة والمجربة والحرة.
ويبقى الأشد تأثيرا هو إيجاد قطيعة مع الأسباب التي تغذي التطرف، وتدفعه دفعا ليصير إرهاباً ممقوتًا.
أما معالجة العرض دون المرض، والتهليل لبعض صفحات تصدر هنا أو هناك، ودفن الرؤوس في الرمال حيال تجريف القيم الإنسانية والمدد الروحي وإشاعة الظلم والفقر والاستبداد، لن تخرج بلادنا، ولا غيرها من هذه الدائرة الجهنمية.
وفي كل الأحوال، فإن الاجتهاد والتجديد يكسران جزءاً كبيرا من هذه الدائرة، فيمكننا أن ندخل إليها إصلاحاً يبدد ما فيها من فساد، واعتدالاً ينهي ما فيها من تطرف، ونخرج منها كل ما يعوق تقدمها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



