بالبلدي: اللواء محمد قشقوش يروي أسرار الإعداد لحرب أكتوبر.. من 1967 إلى العبور والسلام

لم يكن نصر السادس من أكتوبر 1973 ضربة حظ أو صدفة عابرة، وإنما كان معجزة كبرى جاءت حصيلة سنوات طويلة من الإعداد والتخطيط وإعادة بناء القوات المسلحة، بعد نكسة يونيو 1967 واحتلال سيناء وتعطل الملاحة في قناة السويس.

ومن قلب هذه التجربة، يستعيد اللواء أركان حرب الدكتور محمد قشقوش، مستشار الأكاديمية العسكرية المصرية العليا للدراسات الاستراتيجية، ومستشار المجلس المصري للشؤون الخارجية، في حوار خاص مع «الأسبوع»، تفاصيل الطريق من نكسة 1967 إلى نصر أكتوبر، متوقفا عند حرب الاستنزاف، وإعداد حائط الصواريخ، وخطة الخداع الاستراتيجي، واختيار توقيت العبور، وصولا إلى المعركة التي أعادت فتح الطريق أمام استعادة الأرض وتحقيق السلام من منطلق القوة.

مراحل الإعداد للحرب

ويروي اللواء قشقوش شهادته عن مراحل الإعداد للحرب، والتضحيات التي قدمها الجيش والشعب، والعمليات التي شارك فيها خلف خطوط العدو خلال حرب الاستنزاف، إلى جانب الدروس التي حملتها حرب أكتوبر للأجيال المقبلة.

كيف تحولت نكسة 1967 إلى دافع للتحضير لحرب أكتوبر؟

أكد اللواء محمد قشقوش أن حرب أكتوبر كانت حربا حتمية فرضتها تداعيات نكسة 1967، وما ترتب عليها من احتلال سيناء وتوقف الملاحة في قناة السويس، إلى جانب الحاجة إلى إزالة آثار هزيمة اعتبرها مؤلمة وقاسية.

وأوضح أن أهداف الحرب تمثلت في تحرير الأرض، ومحو آثار الهزيمة، وإعادة فتح قناة السويس أمام الملاحة بما يخدم الاقتصاد المصري.

واستعاد قشقوش مشاهد من حرب 1967، موضحا أنه كان موجودا في منطقة القسيمة على الحدود المصرية الإسرائيلية وقت اندلاع الحرب، وأن القوات انسحبت خلال يومين ونصف تقريبا، دون أن يشاهد قوات إسرائيلية على الأرض، بينما كان الطيران الإسرائيلي يتحرك بحرية ويستهدف المركبات والدبابات في طريقه.

لقطات من حرب أكتوبر

وقال إن تلك المشاهد ظلت حاضرة في الذاكرة خلال حرب الاستنزاف والاستعداد لحرب أكتوبر، وتحولت إلى دافع قوي نحو إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد لمعركة تحرير الأرض.

كيف تحولت حرب الاستنزاف إلى مرحلة لإعادة بناء القدرات المصرية؟

أوضح اللواء قشقوش أن حرب الاستنزاف امتدت لنحو ست سنوات وأربعة أشهر، وشكلت مرحلة انتقالية بين نكسة 1967 والانتصار في أكتوبر 1973.

وأشار إلى أن تلك الفترة شهدت عملية إعداد شاملة بدأت من مستويات محدودة، ثم تطورت تدريجيا حتى اكتمل إعداد القوات والأسلحة والمعدات ومسرح العمليات، بالتوازي مع إعداد الدولة سياسيا واقتصاديا لخوض الحرب.

واعتبر أن تلك السنوات مثلت مرحلة أساسية لإعادة بناء القدرة العسكرية المصرية، والوصول إلى الاستعداد الكامل للمعركة.

لماذا كان حائط الصواريخ أحد أهم مفاتيح الإعداد لحرب أكتوبر؟

أكد قشقوش أن إنشاء حائط الصواريخ كان من أهم عناصر الإعداد للحرب، لأنه استهدف تحييد التفوق الجوي الإسرائيلي ومنع الطيران الإسرائيلي من التحرك بحرية في سماء المعركة.

وأشار إلى أن اكتمال مراحل مهمة من بناء حائط الصواريخ ارتبط بما أصبح يُعرف بيوم الدفاع الجوي في 30 يونيو، موضحا أن تطور قدرات الدفاع الجوي أسهم في تغيير معادلة المواجهة الجوية خلال حرب الاستنزاف.

وأضاف أن أهمية حائط الصواريخ تمثلت في توفير مظلة دفاعية للقوات المصرية، بما أتاح للقوات المسلحة الاستعداد للمعركة المقبلة في ظروف أكثر ملاءمة.

ماذا كشفت حرب الاستنزاف عن قدرة الجيش المصري على المبادرة خلف خطوط العدو؟

استعرض اللواء قشقوش جانبا من مشاركته في حرب الاستنزاف، موضحا أن العمليات تطورت تدريجيا من مواجهات محدودة إلى عمليات أكثر تعقيدا داخل سيناء.

وقال إنه قاد، وهو برتبة ملازم أول، خمس عمليات خلف خطوط العدو، مستعيدا أسماء عدد من زملائه الذين شاركوا معه خلالها، ومن بينهم الملازم أول طارق سمك، والملازم مصطفى رمضان، والملازم محمد عابدين، والملازم السعودي، والرقيب حمزة، والرقيب فهيم حنا ميخائيل، والعريف طلب.

وأشار إلى أن هذه العمليات تصاعدت من حيث الصعوبة، وصولا إلى الإغارة على نقطة قوية في منطقة نمرة 6 جنوبا، في يوليو 1969، موضحا أن القوة التي شاركت في العملية حظيت لاحقا بتكريم من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وحصل أفرادها على نوط الشجاعة العسكرية من الطبقة الأولى.

كيف أسهم الشعب المصري في دعم المجهود الحربي خلال حرب الاستنزاف؟

أوضح قشقوش أن حرب الاستنزاف لم تكن مواجهة عسكرية فقط، وإنما تحمل خلالها الشعب المصري أعباء كبيرة، خاصة سكان مدن القناة الذين تعرضوا للتهجير.

وأشار إلى أن تهجير نحو 1.6 مليون مواطن من مدن القناة أتاح للقوات المسلحة مساحة أكبر للتحرك والرد على الاعتداءات الإسرائيلية، بعدما كانت الهجمات على المدن تمثل تحديا أمام حرية الحركة العسكرية.

حرب أكتوبر

وأكد أن تحمل المصريين لسنوات التهجير ثم العودة وإعادة الإعمار كان جزءا من منظومة الصمود التي سبقت نصر أكتوبر، معتبرا أن ذلك يعكس الدور الذي لعبه الشعب إلى جانب القوات المسلحة في المعركة.

كيف جاء التخطيط لحرب أكتوبر من الساتر الترابي إلى عملية العبور؟

أكد اللواء قشقوش أن الإعداد العسكري سبقه تخطيط دقيق شمل مختلف تفاصيل المعركة، بداية من التعامل مع الساتر الترابي وخط بارليف، وصولا إلى عبور قناة السويس وإنشاء الكباري وتأمين القوات المتقدمة.

وأشار إلى أن استخدام المياه المضغوطة لفتح ثغرات في الساتر الترابي كان نموذجا على توظيف الأفكار الجديدة في التخطيط والتنفيذ، مستشهدا بفكرة الملازم أول المهندس باقي زكي يوسف، التي تبنتها القوات المسلحة وطورتها ونفذتها.

ولفت إلى أن تبني هذه الفكرة يعكس أهمية إتاحة المجال للأفكار داخل المؤسسة العسكرية، بغض النظر عن الرتبة، طالما كانت قابلة للدراسة والتنفيذ.

لماذا كان اختيار توقيت حرب أكتوبر جزءا من خطة الخداع الاستراتيجي؟

أوضح قشقوش أن اختيار موعد الحرب لم يكن قرارا عشوائيا، وإنما جاء بعد دراسة دقيقة لعوامل متعددة، من بينها الظروف المناخية في سيناء والجولان، وحركة القمر، والمد والجزر، وظروف إقامة الكباري وعبور القوات والمعدات.

وأشار إلى أن التخطيط راعى كذلك طبيعة الساتر الترابي، الذي بلغ متوسط ارتفاعه نحو 20 مترا، بما يعادل تقريبا ارتفاع مبنى من سبعة إلى ثمانية طوابق، مؤكدا أن اجتيازه تحت نيران العدو كان تحديا بالغ الصعوبة.

وقال إن الجندي المصري لم يكن يواجه الساتر الترابي وحده، وإنما كان عليه أن يتقدم ويقاتل في الوقت نفسه تحت ضغط النيران والطيران الإسرائيلي.

كيف نجحت خطة الخداع الاستراتيجي في تضليل إسرائيل والولايات المتحدة؟

أكد اللواء قشقوش أن الخداع الاستراتيجي كان أحد أبرز عناصر نجاح التخطيط المصري للحرب، مشيرا إلى أن الخطة لم تقتصر على القوات المسلحة، وإنما امتدت إلى أجهزة الدولة والوزارات والمؤسسات المختلفة.

واستشهد بموقف الدكتور محمد حسن الزيات، وزير الخارجية آنذاك، الذي كان متوجها إلى واشنطن في السادس من أكتوبر للقاء مسؤولين أمريكيين، قبل أن تندلع الحرب في اليوم نفسه، معتبرا أن هذا الموقف يعكس مدى نجاح الخداع الاستراتيجي على مستوى الدولة.

وأشار إلى أن منظومة الخداع وصلت إلى مستويات مختلفة، من مؤسسات الدولة وصولا إلى الجندي الموجود على قناة السويس، بما حافظ على سرية موعد الحرب حتى لحظة انطلاقها.

كيف يصف اللواء «قشقوش» شجاعة القوات المصرية خلال عبور قناة السويس؟

وقال قشقوش إن التنفيذ جاء انعكاسا مباشرا للإعداد والتخطيط، مؤكدا أن القوات المصرية واجهت خط بارليف والتحصينات الإسرائيلية، وتمكنت من فتح الثغرات والعبور وإنشاء رؤوس الشواطئ ومواجهة الاحتياطيات الإسرائيلية.

وأشار إلى أن بعض المواقع الإسرائيلية استسلمت بعد حصارها، مستشهدا بموقعي لسان بور توفيق والقنطرة، بينما ظل موقع الكبريت صامدا لمدة 104 أيام حتى فض الاشتباك.

وأوضح أن مصطلح «رأس الشاطئ» يستخدم عندما يكون العبور على شاطئ بحري، بينما يطلق «رأس الكوبري» على الوضع المرتبط بممر مائي له شاطئان، وهي تسميات عسكرية مرتبطة بطبيعة العمليات.

كيف تحول نصر أكتوبر من انتصار عسكري إلى طريق للسلام واستعادة الأرض؟

وأكد اللواء قشقوش أن نصر أكتوبر كان نقطة التحول الأساسية التي فتحت الطريق أمام السلام من منطلق القوة، موضحا أن استمرار الاحتلال لم يكن ليقود إلى تسوية تحقق استعادة الأرض.

حرب أكتوبر

وأشار إلى أن الجهود السياسية والمبادرات الدولية التي سبقت الحرب لم تنجح في إنهاء الاحتلال، بينما أدى الانتصار العسكري إلى تغيير الموقف وفتح المجال أمام المسار السياسي الذي انتهى إلى استعادة الأراضي المصرية.

وأضاف أن استكمال استعادة الأرض لم يتوقف عند العمليات العسكرية، وإنما امتد إلى مسار تفاوضي وقانوني طويل، تُوج باستعادة طابا بعد سنوات من المفاوضات والتحكيم.

ماذا تعني معركة طابا في مفهوم السيادة المصرية؟

وشدد قشقوش على أن استعادة طابا جسدت تمسك مصر بكل شبر من أراضيها، مؤكدا أن الدولة لم تتنازل عن أي جزء من الأرض خلال المفاوضات.

وأشار إلى رفض مقترحات كانت تستهدف الإبقاء على وجود إسرائيلي أو منح حقوق انتفاع في بعض المواقع بسيناء، مؤكدا أن الموقف المصري انطلق من مبدأ واضح مفاده أن السيادة لا تتجزأ، وأن الأرض المصرية لا تخضع للمساومة.

ما أبرز الدروس التي تركتها حرب أكتوبر للأجيال الجديدة؟

وأكد اللواء محمد قشقوش على أن حرب أكتوبر قدمت مجموعة من الدروس التي تتجاوز حدود المعركة العسكرية، وفي مقدمتها الإعداد الجيد، والتخطيط الدقيق، والأخذ بالأسباب، ثم التنفيذ الشجاع.

ووجه التحية إلى أبطال القوات المسلحة والشعب المصري، داعيا بالرحمة للشهداء والشفاء للمصابين، ومؤكدا أن استحضار تجربة أكتوبر يجب أن يكون دافعا للأجيال الجديدة للعمل والتخطيط وبناء مستقبل مصر.

وقال إن الدرس الأهم الذي تركته الحرب يتمثل في أن التخطيط والإعداد الجيدين، مع الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، يمكن أن يصنعا القدرة على تجاوز أصعب التحديات وتحقيق الأهداف الوطنية.

اقرأ أيضاً
عيون الاستطلاع مهدت طريق العبور.. اللواء نصر سالم يروي كواليس العمل خلف خطوط العدو

«لم نكن نخشى الموت وكنا ننتظر لحظة النصر».. حسن السعيد ابن إدفو يروي ذكريات نصر أكتوبر

اللواء أحمد كامل رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق: هذه «كلمة السر» في حرب أكتوبر والطريق إلى الانتصار

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" الأسبوع "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : زكريا نبيل رئيسًا تنفيذيًا لشركة راية للتجارة خلفًا لباسم مجاهد
التالى القمة العالمية للاقتصاد الأخضر 2026 تستقطب 135 متحدثاً من قادة الفكر وصنّاع القرار والخبراء العالميين

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay