لم تكن طفولتهن قد اكتملت بعد، لكنهن وجدن أنفسهن فجأة أمام مسؤوليات الزواج والحمل والأمومة.
قصص تبدأ غالبًا بعقد عرفي أو زواج غير موثق، وتنتهي بمشكلات قانونية وصحية ونفسية، يكون الأطفال الناتجون عنها أول من يدفع الثمن.
بين فتاة حُرمت من إثبات نسب طفلها، وأخرى تعرضت لمضاعفات صحية خطيرة بسبب الحمل، وثالثة وجدت نفسها «معلقة» بعد أن تركها زوجها دون وثيقة رسمية، تتكرر حكايات زواج القاصرات، في ظل محاولات للتحايل على شرط السن القانونية.
وهنا تروي فتيات تجاربهن لـ«الأسبوع»، لتكشف شهاداتهن جانبًا من التداعيات الإنسانية والاجتماعية والقانونية لهذه الظاهرة.
«نعمة».. طفل بلا أوراق
تزوجت «نعمة» وهي في سن الخامسة عشرة بعقد عرفي، احتفظ به المحامي لحين بلوغها السن القانونية، وهي 18 عامًا، وبعد أشهر قليلة، حملت نعمة وأنجبت طفلها الأول، لكن المأساة بدأت عندما رفض مكتب الصحة إصدار شهادة ميلاد للمولود، لعدم وجود عقد زواج رسمي موثق ومميكن.
ظل الطفل عامين كاملين دون أي أوراق ثبوتية أو تطعيمات إجبارية، حتى وقع خلاف مع الزوج، الذي هدد بإنكار نسب الطفل وحرق العقد العرفي، عندها بدأت الأم رحلة طويلة في المحاكم لإثبات نسب طفلها، وسط غياب تام لحقوقها المالية والزوجية.
«مريم».. التحايل على شرط السن
أما «مريم»، التي تبلغ من العمر 14 عامًا وتعيش في إحدى محافظات الدلتا، فاتفق والدها مع عريس يكبرها بأكثر من عشرين عامًا، ولتجاوز شرط السن، تم توجيه الأسرة إلى طبيب لإصدار شهادة تقدير سن أو «تسنين» تزعم أن مريم بلغت 18 عامًا، رغم أن شهادة ميلادها الحقيقية تثبت عكس ذلك.
عاشت مريم تجربة قاسية أدت إلى مضاعفات صحية خطيرة أثناء الحمل ونزيف حاد، نُقلت على أثره إلى المستشفى، حيث تبين أن جسدها لم يكن مكتمل النمو لتحمل أعباء الحمل.
وانتهت التجربة بالإجهاض، إلى جانب إصابتها بمشكلات صحية مزمنة.
عقد عرفي ينتهي بمأساة
وفي منطقة عشوائية بأطراف القاهرة، زُوّجت «أميرة» فيما يُعرف محليًا بـ«زواج السنة»، وهو اتفاق شفهي وعقد عرفي يحرره «مأذون غير رسمي» أو سمسار، على أن يتم توثيق الزواج عند بلوغ الفتاة سن 18 عامًا.
وبعد مرور عام واحد، وقبل حلول السن القانونية، وقع خلاف زوجي، فقام الزوج بطردها من المنزل والتخلص من العقد العرفي، دون أن يطلقها رسميًا أو يعطيها المؤخر والنفقة.
وجدت أميرة نفسها مطلقة عمليًا وسنها 17 عامًا، لكنها قانونيًا غير متزوجة وغير مطلقة، ولا تستطيع المطالبة بحقوقها الزوجية بسهولة أمام محكمة الأسرة، لعدم اعتراف القانون بالعقود العرفية للقاصرات، بحسب ما أوضحه خبراء قانونيون.
«زواج سياحي».. ونهاية مجهولة
وتعد قصة «سناء» نموذجًا لما يُعرف بـ«الزواج المؤقت» أو «السياحي» في بعض القرى الفقيرة، فقد قام والدها بتزويجها من شخص ميسور الحال من إحدى الجنسيات الأجنبية، بعقد عرفي مقابل مبلغ مالي كبير، جرى تقديمه تحت مسمى «المهر والشبكة».
استمر هذا الزواج شهرين فقط خلال فترة الصيف، لينتهي بسفر الزوج واختفائه تمامًا، وتركه للطفلة معلقة ومصدومة نفسيًا.
واكتشفت الأسرة لاحقًا أن السمسار الذي نظم الزواج تقاضى القسط الأكبر من المال.
هذه حكايات واقعية لنماذج عشن وذقن مرارة «زواج القاصرات»، وفتحن قلوبهن لـ«الأسبوع»، لتكون تجاربهن عظة لغيرهن من الفتيات والآباء الذين قد يلقون ببناتهم في فخ الزواج العرفي وغير الموثق.
لكن بعيدًا عن الجانب الإنساني، يبقى السؤال الأهم: كيف يرى القانون التعامل مع هذه الحالات؟ وما الحقوق التي تملكها الفتاة وأطفالها؟ وما العقوبات التي تواجه المشاركين في زواج القاصرات أو التحايل على القانون؟
كيف يرى القانون حل المشكلة؟
في البداية يحذر عادل عبد الفتاح، المحامي بالاستئناف العالي، من أحد أخطر تداعيات هذه الظاهرة، مشيرًا إلى أن «الزواج المبكر غير الموثق يؤدي إلى صعوبة بالغة في استخراج شهادات الميلاد الرسمية للأطفال الناتجين عن هذا الزواج، مما ينجم عنه أزمة حقيقية في إثبات النسب».
مؤكدًا أنه يُحظر قانونًا في مصر توثيق عقود الزواج لمن هم دون سن الثامنة عشرة، ويُعد الزواج المبكر جريمة يعاقب عليها القانون لحماية الطفولة.
موضحًا أن التشريعات تتصدى لهذه الممارسات من خلال عقوبات صارمة تطال كل من يشارك في إتمام الزواج أو توثيقه أو التحايل على السن القانونية.
تبعات صحية ونفسية مدمرة
ولا تقتصر أزمة الزواج المبكر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد لتخلف آثارًا كارثية على الفتيات حيث تتعرض الفتيات القاصرات لمشكلات خطيرة ومضاعفات حرجة أثناء الحمل والولادة، لعدم اكتمال نمو أجسامهن، وترتفع معها احتمالات ولادة أجنة ميتة أو وفاة الأطفال خلال شهرهم الأول.
كما قد تتعرض الفتاة لمضاعفات صحية طويلة المدى نتيجة الحمل والولادة في سن مبكرة.
عقوبات قاسية
من جانبه، أكد محمد عادل محمود، المحامي بالاستئناف، أن زواج القاصرات جريمة لأنها تدمر الفتيات نفسيًا، حيث يعانين من اضطرابات نفسية حادة ومخاوف عميقة نتيجة الزج بهن في حياة أسرية تنتزع منهن براءة طفولتهن المبكرة.
وعن التبعات المدنية والقانونية القاسية، أوضح أن زواج القاصر تترتب عليه آثار قانونية صارمة، أبرزها «عدم سماع دعوى الزوجية»، إذ يمنع القانون المحاكم- بحسب تفسيره للنصوص القانونية- من النظر في بعض الدعاوى الناشئة عن حقوق الزواج إذا كان سن الزوجين أو أحدهما أقل من 18 عامًا وقت رفع الدعوى.
وأضاف أن ذلك قد يشمل دعاوى تتعلق بالنفقة أو الطلاق أو الخلع، وفقًا للظروف القانونية لكل حالة، مشيرا إلى أن المتورطين في هذه الجرائم يواجهون عقوبات رادعة ومغلظة.
وأوضح محمد عادل محمود أن المادة 227 من قانون العقوبات تتعلق بتقديم بيانات أو مستندات غير صحيحة لإثبات بلوغ أحد الزوجين السن القانونية، مشيرًا إلى أن العقوبة قد تصل إلى الحبس مدة لا تجاوز سنتين أو الغرامة، وفقًا للحالة القانونية المنطبقة.
قائلا: إن العقوبات قد تطال كل من ساهم أو شارك في زواج طفل أو طفلة، سواء كان وليًا أو شاهدًا أو محرضًا، موضحًا أن العقوبات قد تشمل الحبس والغرامة التي تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف جنيه، بحسب الفعل ودور كل مشارك.
وأضاف أن المأذون أو القائم بالتوثيق قد يتعرض للمساءلة الجنائية إذا ثبت قيامه بتوثيق عقد زواج قاصر، أو إذا علم بوجود زواج غير قانوني لقاصر ولم يبلغ السلطات المختصة، وفقًا للوقائع والنصوص القانونية التي تنطبق على كل حالة.
اقرأ أيضاً
ثقافة المنيا: «المسرح المتنقل» يحارب الإرهاب الإلكتروني وزواج القاصرات في القرى الأكثر احتياجاً
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





