- حوّلنا المستحيلات الميدانية إلى فرص.. ونجحنا في تحييد قدرات العدو باستثمار إمكاناتنا
- المعلومة الدقيقة عززت القرار العسكري.. والتحليل الاحترافي وراء تقدير الموقف الصحيح
- كانت المهام خلف خطوط العدو تحتاج إلى تخطيط دقيق وسرية عالية وحماية مستمرة للعناصر
- لم يكن دور المخابرات جمع المعلومات فقط بل تحليلها واستشراف نوايا العدو اللاحقة
- حرب الاستنزاف كانت تجربة عملية ساعدت في تطوير أساليب جمع وتقييم المعلومات
- أهالى سيناء الشرفاء قدموا دعمًا مهمًّا ساعد عناصر الاستطلاع على تنفيذ المهام بنجاح
- معلوماتنا عن خط بارليف كانت مفتاحًا لفهم تفكير إسرائيل ووضع خطط الحسم المناسبة
- وظفنا الهجمات المضادة في استطلاع وكشف تحركات وتكتيكات واتجاهات الدفع المدرع
- لم يكن العبور قوة فقط بل قدرة على التفكير والتكيف مع الظروف المتغيرة دائمًا
كيف يمكن لمعلومة صغيرة يتم جمعها في صمت خلف خطوط العدو أن تغيّر مسار معركة كاملة؟ كيف تتحول أعين رجال لا يراهم أحد إلى سلاح يكشف ما يخفيه الخصم، ويمنح القادة القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة الحاسمة؟
قبل 53 عامًا، وعلى امتداد الضفة الشرقية لقناة السويس، لم تكن المعركة قد بدأت بعد، لكن حربًا أخرى كانت تدور في الخفاء، حرب العيون والعقول، حيث كانت عناصر الاستطلاع المصرية تتحرك وسط أصعب الظروف، تتبع تحركات القوات الإسرائيلية، ترصد تحصيناتها، وتجمع تفاصيل دقيقة عن خط بارليف وانتشار القوات، ونقاط القوة والضعف.
قبل العبور، كانت هناك معركة صامتة من أجل امتلاك العنصر الأهم في أي حرب: المعلومة. فهل كان يمكن أن ينجح العبور دون تلك الصورة الدقيقة التي رسمتها أجهزة الاستطلاع عن العدو؟ وكيف استطاع رجال يعملون في الظل أن يحولوا آلاف التفاصيل المتناثرة إلى رؤية استراتيجية ساعدت في صناعة قرار النصر؟
يروي رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، اللواء أحمد إبراهيم كامل، أحد أبطال حرب أكتوبر 1973، لـ«الأسبوع» تفاصيل الدور الذي لعبته المخابرات الحربية في الإعداد للحرب، وكيف واجه رجال المهام الخاصة تحديات العمل خلف خطوط العدو، وكيف تحولت المعلومات التي جُمعت قبل المعركة، وأثناءها إلى خطوات على أرض القتال صنعت فارقًا في واحدة من أهم لحظات التاريخ العسكري المصري.
دعنا نبدأ من دور الاستطلاع في الإعداد للحرب؟
بدأ دور الاستطلاع عقب 5 يونيو 1967، كثف الجهاز قدرته على متابعة ورصد نشاط الجانب الإسرائيلي شرق قناة السويس، عبر رصد تحركاته، متابعة أوضاعه، وتجهيزاته الهندسية، سواء فيما يتعلق بإقامة خط بارليف أو تمركز وانتشار القوات الإسرائيلية. كانت عناصرنا المدربة- المحترفة تتابع تحركات العدو بصورة مستمرة طوال تلك الفترة.
أذكر نقطة مهمة جدًّا خلال هذه المتابعات الدقيقة، ففي يومي 12 و14 يوليو 1967، نفذت عناصر من قواتنا الجوية والبحرية ضربات ضد أهداف إسرائيلية في عمق سيناء، وعلى ساحل البحر المتوسط.
كان ذلك نتيجة مباشرة لدقة المعلومات التي وفرتها عناصر الاستطلاع.
ما أنواع المعلومات التي كان مطلوبًا جمعها عن القوات الإسرائيلية؟
طبعًا، كانت جميع أنواع المعلومات مطلوبة، فأي معلومة، مهما بدت بسيطة، قد تمثل قيمة كبيرة عند التخطيط للعمليات العسكرية. المعلومة الاستخباراتية لا تُقيَّم بحجمها فقط، لكن بقدرتها على التأثير في تقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب.
نجحت عناصرنا في تكوين صورة متكاملة أمام القيادة المصرية عن القوات الإسرائيلية: إمكاناتها، انتشارها، تجهيزاتها، أوضاعها، وأسلوبها في إدارة العمليات، مما ساعد القيادة في التخطيط لحرب أكتوبر 1973 عبر امتلاك رؤية دقيقة عن العدو، وبالتالي تحقيق أهداف العمليات العسكرية بكفاءة ودقة في جميع مراحل الإعداد والتنفيذ، بما يضمن حسن استغلال الإمكانات المتاحة والتفوق الميداني.
من أهم مصادر المعلومات متابعة وتحليل الهجمات المضادة التي كان ينفذها العدو.
في أكتوبر 1973، اعتمد الجانب الإسرائيلي بشكل أساسي على التشكيلات المدرعة في هجماته المضادة، بهدف اختراق مواقع القوات المصرية والتأثير على نجاح عملية العبور، لذلك كانت معلومات الاستطلاع عن تحركاته، اتجاهات دفع قواته، أعداد الدبابات، وأساليب استخدامه للقوات، عناصر مهمة جدًّا في تقدير الموقف واتخاذ القرار المناسب لمواجهة أي محاولة اختراق.
كيف تتم آلية تدقيق المعلومات؟
الاستطلاع الجوي والبحري و«الحرب الإلكترونية» كلها أسهمت في توفير معلومات إضافية، كما أسهم أبناء سيناء في دعم منظومة جمع المعلومات.
وكان هذا التنوع في مصادر المعلومات عاملاً مهمًّا في تكوين صورة واضحة ومتكاملة عن العدو، وقدراته خلال مراحل الإعداد للحرب والعمليات العسكرية اللاحقة.
عقب جمع المعلومات من مصادر متعددة، كانت تخضع للمراجعة والتدقيق والمقارنة والتحليل قبل اعتمادها ورفعها إلى القيادة.
العنصر البشري هو الأساس في عمل الاستطلاع، مثلت كفاءة العناصر وخبرتها عاملاً حاسمًا في تقييم البيانات الواردة والتمييز بين المعلومات الدقيقة وغيرها، مع استمرار المتابعة والتحقق من صحتها.
يساعد هذا الأسلوب في بناء تقدير موقف دقيق وموثوق، يدعم القيادة في اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت الملائم، ويحقق أعلى درجات الدقة والفاعلية في التخطيط والتنفيذ للمهام القتالية.
تفصيلاً، كيف كانت تُعالج هذه الكمية الكبيرة من معلومات الاستطلاع؟
كانت هناك مجموعات محترفة ومتخصصة تتولى التعامل مع هذا الكم من المعلومات، حيث كانت تُجمع وتُراجع وتُحلل وفق أسس عمل استخباراتية دقيقة.
في ذلك التوقيت، لم يكن الاعتماد على التكنولوجيا، أو القدرات التقنية المتقدمة كما هو الحال حاليًا، وإنما على العنصر البشري، وخبرته في التحليل والتقدير. كان التأكد من صحة المعلومات يتم من خلال مراجعتها وتحليلها وربطها بالواقع الميداني، مع الاستفادة من تعدد مصادر الحصول عليها.
المعلومات التي جُمعت عن مواقع العدو وتحضيراته، كمناطق «تبة الشجرة»، «الطالية»، «عيون موسى»، كشفت حجمًا كبيرًا من التفاصيل المتعلقة بالتحصينات والتجهيزات الإسرائيلية، إلى جانب الإجراءات المرتبطة بتأمين قناة السويس واستخدام النابالم. لم يكن هذا الكم من المعلومات هدفه مجرد المعرفة، جرى توظيفه لمساعدة المخطط العسكري في اتخاذ الإجراءات المناسبة ووضع التصورات والخطط اللازمة لتنفيذ العمليات بكفاءة ودقة.
لم يكن دور المخابرات يقتصر على جمع المعلومات وتقديمها، بل امتد إلى تحليلها واستخلاص التقديرات التي تساعد على استشراف نوايا العدو. المعلومة تقدم صورة عن الواقع، أما التنبؤ فيعتمد على القدرة على قراءة تفكير الجانب الآخر، وفهم أسلوبه في إدارة عملياته، وتقدير كيفية استخدامه لقواته وإمكاناته.
وقد امتلكت منظومة الاستطلاع والمعلومات قيادات وخبرات متخصصة قادرة على تحليل البيانات وربطها ببعضها، للوصول إلى تقديرات دقيقة عن قدرات العدو وأساليب عمله، بما يدعم عملية اتخاذ القرار العسكري لدى القيادة في الوقت المناسب، ويعزز التخطيط للعمليات المقبلة.
لا يمكن إغفال دور حرب الاستنزاف، فقد كانت تجربة عملية واختبارًا حقيقيًا لكفاءة منظومات العمل المختلفة، كما أسهمت في تطوير أساليب جمع المعلومات وتقييمها، ورفع مستوى الجاهزية والاستعداد لحرب أكتوبر 1973، من خلال تراكم الخبرات ودروس العمل الميداني المستمر.
كيف كانت عناصر الاستطلاع تعمل في تلك الظروف الصعبة خلف خطوط العدو؟
عمل عناصر الاستطلاع خلف خطوط العدو كان من أصعب المهام العسكرية، لأنه يتطلب تخطيطًا دقيقًا وتأمينًا متكاملًا لضمان نجاح المهمة والحفاظ على سلامة العناصر. ومن واقع عملي اللاحق رئيسًا لجهاز الاستطلاع، هناك تحديات عديدة تتعلق بتحديد التوقيت المناسب، وطبيعة الهدف، وأسلوب تنفيذ المهمة. وكانت مدة تنفيذ مهمة الاستطلاع غالبًا تتراوح بين عدة أيام وأسبوع تقريبًا، لكن استمرار العنصر في منطقة العمل لفترة أطول كان يتطلب توفير عناصر أخرى للتأمين والدعم، بما يضمن استمرار المهمة وتحقيق أهدافها في ظروف بالغة الصعوبة.
كان التأمين ينقسم إلى «تأمين إداري» يشمل احتياجات العنصر، و«تأمين فني» يرتبط بوسائل الاتصال ونقل المعلومات. فالعنصر يعتمد بصورة أساسية على جهاز الإشارة لإرسال المعلومات، وعلى الخرائط لتحديد المواقع، ولذلك كان الحفاظ على الاتصال وضمان وصول المعلومات يمثلان تحديًا كبيرًا. وكانت إجراءات الإعداد والتجهيز تسبق دفع العناصر إلى مناطق العمل، مع التخطيط الدقيق لتوفير احتياجاتها ووسائل الاتصال اللازمة، بما يضمن الجاهزية، ويحافظ على السرية، ويحد من المخاطر المحتملة أثناء تنفيذ المهام.
ما الإجراءات التي كانت تُتخذ للحفاظ على سرية عناصر الاستطلاع وتأمين وصول المعلومات؟
قبل دفع أي مجموعة استطلاع لتنفيذ مهمتها، كانت تُتخذ إجراءات دقيقة لإعدادها، وتجهيزها، من بينها ما يسمى «العزل»، حيث كانت المجموعة توضع في مكان محدد لفترة مناسبة لتلقي المهمة والاستعداد لها، بهدف الحفاظ على السرية وتقليل احتمالات كشفها.
كما لم تكن المجموعة تعرف دائمًا المهمة الرئيسية منذ البداية، بل كانت تتلقى تكليفًا عامًّا، ثم تُحدد لها المهمة الأساسية بعد الوصول إلى المكان المخصص، وهو إجراء يهدف إلى زيادة تأمين العملية وحماية المعلومات المرتبطة بها. وكانت هذه الإجراءات جزءًا أساسيًا من منظومة التخطيط لضمان نجاح المهمة.
خلال تنفيذ المهام، كان الحفاظ على سرية الاتصالات من أهم عوامل نجاحها، حينها، كانت عناصر «الحرب الإلكترونية» الإسرائيلية تمتلك القدرة على رصد الإشارات وتحديد مصادرها، لذا كان زمن إرسال البلاغ محدودًا للغاية، حتى لا يتمكن العدو من اكتشاف موقع العنصر، وكانت المعلومات تُرسل بأسلوب يحقق سرعة النقل ويقلل احتمالات الرصد.كما كان لأبناء سيناء الشرفاء دور مهم في دعم عناصر الاستطلاع، وتوفير المساندة اللازمة، بما ساعد على استمرار تنفيذ المهام في ظروف بالغة الصعوبة، مع الحفاظ على سرية العناصر والمعلومات.
كان التعاون المخلص لأهالي سيناء الشرفاء والبناء عاملًا مساعدًا في جمع المعلومات وتوفير الدعم اللازم لعناصر الاستطلاع أثناء تنفيذ مهامها داخل سيناء. أسهم أبناء سيناء، من خلال معرفتهم الدقيقة بطبيعة الأرض والبيئة المحيطة، في تقديم إسهامات مهمة ساعدت على تنفيذ العديد من المهام بكفاءة. وقد مثّل هذا التعاون نموذجًا للتكامل بين المؤسسة العسكرية وأبناء الوطن، بما دعم جهود العمل الاستخباراتي وساعد على تحقيق أهدافه في ظروف بالغة الصعوبة، خاصة في ظل القدرات العسكرية المتقدمة للقوات الإسرائيلية.
يدفعنا هذا لسؤالكم عما أظهرته المقارنة النوعية بين قدراتهم وإمكاناتنا قبل أكتوبر 1973؟
لم تكن المقارنة تقتصر على الأعداد فقط، بل امتدت إلى «المقارنة النوعية» في طبيعة التسليح والإمكانات. فعلى مستوى الطائرات، امتلكت إسرائيل مقاتلات «فانتوم F-4» و«سكاي هوك A-4»، في مقابل طائرات «ميج 17» و«ميج 21» المصرية. وفي الدبابات امتلكت دبابات «M48 باتون» و«M60» و«السنتوريون»، بينما اعتمدت القوات المصرية على دبابات «T-34» و«T-54» و«T-55».
كما امتلك الجانب الإسرائيلي تفوقًا في مجالات «الحرب الإلكترونية» و«الاستطلاع الفضائي» والدعم الأمريكي الكبير. لذلك بدا العبور تحديًا بالغ الصعوبة، لكن التخطيط العسكري المصري نجح في تحويل هذا التحدي إلى إنجاز وقهر ما بدا مستحيلًا من خلال حسن استثمار الإمكانات المتاحة وتحقيق المفاجأة العملياتية في حرب أكتوبر 1973.
إذن، المعلومات المتوفرة أسهمت في بناء أسلوب المواجهة العسكرية؟
أصبح لدينا تصور واسع عن قدرات القوات الإسرائيلية وأسلوب تفكيرها. حينها، بدأ العمل على كيفية مواجهة التفوق وإفشال خططها. بدأنا نوظف مفهوم ديناميكية القوة، الذي يعني تنمية واستثمار القدرات المتاحة للقوات المصرية لتحقيق أفضل استخدام ممكن للإمكانات الموجودة في ذلك الوقت.
لم تكن المواجهة مجرد مقارنة أعداد، فالمقارنة بين الدبابات والمدافع والطائرات كانت تُظهر تفوق الجانب الإسرائيلي، خاصة مع الدعم الأمريكي الواسع. لذلك اعتمد التخطيط العسكري على تعظيم الاستفادة من الإمكانات، حسن توظيف الموارد، وإعداد خطة متكاملة تحقق الهدف رغم صعوبة الموقف وتفاوت القدرات الظاهري، من خلال استغلال عوامل القوة المتاحة وتحقيق المفاجأة والتغلب على عناصر التفوق لدى العدو.
كيف تمت ترجمة المعلومات ميدانيًّا، وتوظيفها في تطور العمليات القتالية خلال الحرب؟
في 8 أكتوبر 1973، دفعت إسرائيل بعدد كبير من دباباته لاختراق مواقع القوات المصرية. وتمكنت قواتنا من إيقاف الهجوم وتكبيد العدو خسائر كبيرة، كما تم أسر العقيد عساف ياجوري قائد إحدى كتائب اللواء. واستمر القتال خلال الأيام التالية، ومع تطور الموقف وظهور ثغرة الدفرسوار، بهدف احتواء الموقف ومنع توسع الثغرة.
خلال يومي 21 و22 أكتوبر تمكنت القوات المصرية من تدمير 22 دبابة للعدو قبل وقف إطلاق النار. بعد حدوث ثغرة الدفرسوار، بدأت منذ 17 أكتوبر وحتى نهاية العمليات في 28 أكتوبر، معارك قوية، وخلال يومين تم تدمير أكثر من 40 دبابة للعدو.
كان الهدف الأساسي للواء هو المساهمة في حصار القوات الإسرائيلية داخل منطقة الثغرة ومنعها من توسيع نطاق عملياتها شرق قناة السويس. كما شارك ضمن خطة تهدف إلى إغلاق الثغرة من الاتجاه الشرقي، بالتنسيق مع لواء مدرع آخر من الجيش الثالث الميداني، لتحقيق ضغط متزامن على القوات الإسرائيلية وإجبارها على التوقف عند حدود انتشارها.
ما كلمة السر في تحويل تلك التحديات قبل الحرب إلى فرص لتحقيق الهدف العسكري؟
«المرونة الفكرية» كانت كلمة السر في تحويل ما بدا مستحيلًا قبل الحرب إلى فرص قابلة للتحقيق.
أقصد أن القدرة على الوصول إلى أفضل البدائل لتنفيذ المهمة، من خلال التفكير خارج الصندوق، عدم الاقتصار على الحلول التقليدية. من هذا المنطلق بدأ التفكير في الخداع الاستراتيجي، كيفية مفاجأة العدو، اختيار التوقيت والظروف المناسبة للحرب، والاستعداد الكامل لها. نهج ساعدنا على التغلب على العقبات التي واجهت عملية عبور قناة السويس، ومكّن القوات المسلحة المصرية من وضع تصور عملي لتنفيذ العبور وتحقيق الهدف العسكري، رغم صعوبة الظروف والتحديات التي كانت قائمة قبل الحرب.
هل تتذكر معلومة استطلاعية كان لها تأثير مهم في اتخاذ قرار عسكري؟
نعم، من المعلومات الاستطلاعية التي كان لها تأثير كبير في اتخاذ قرار عسكري، تلك التي تم جمعها عن أوضاع القوات الإسرائيلية في سيناء، وخاصة ما يتعلق بخط «بارليف» ومكوناته وتجهيزاته الهندسية وطبيعة النقاط القوية الموجودة به. فقد أتاحت هذه المعلومات للقادة العسكريين رؤية واضحة عن قدرات العدو ومواقع تمركزه، وساعدتهم على وضع الخطط المناسبة للتعامل معه. كما أسهمت في تحديد أساليب المواجهة، واختيار التوقيت والوسائل الملائمة، بما يعكس أهمية دور المعلومات الدقيقة في بناء القرار العسكري، وتحقيق النجاح في العمليات.
وامتدادًا لأهمية هذه المعلومات، ظهر أثرها بشكل واضح في نجاح الضربة الجوية الأولى خلال حرب أكتوبر 1973. فقد كان المخطط تنفيذ الضربة على موجتين، إلا أن النتائج التي حققتها الموجة الأولى فاقت التوقعات، مما أدى إلى عدم تنفيذ الموجة الثانية. وجاء هذا النجاح نتيجة توافر معلومات استطلاعية دقيقة ساعدت في تحديد الأهداف بدقة، وتحقيق عنصر المفاجأة، وإصابة مواقع العدو بكفاءة عالية. وتؤكد هذه التجربة أن المعلومات الموثوقة ليست مجرد بيانات، بل هي عنصر أساسي يساعد القادة على اتخاذ القرارات الحاسمة وتحقيق أهداف العمليات العسكرية.
بعد 53 عامًا على الحرب ما الدروس المستفادة والتنويهات المطلوبة؟
بعد 53 عامًا على الحرب، أهم درس بالنسبة لأي مخطط أو منفذ لعمل عسكري هو ضرورة الحصول على المعلومات الدقيقة، ثم البدء في التخطيط والتنفيذ والتدريب على العملية لضمان النجاح. ودائمًا يجب أن يكون التخطيط خارج الصندوق، أي امتلاك المرونة الفكرية. فقد كان نجاحنا في أكتوبر 1973 قائمًا على هذه المرونة، التي حققت المفاجأة وتغلبت على الساتر الترابي على قناة السويس. فبدلاً من الحلول المعقدة، استخدمنا خراطيم المياه ومدافع المياه لإحداث ثغرات في الساتر، بعدما تصور العدو أن تجاوزه يحتاج إلى حلول ضخمة وخسائر كبيرة. وهذا يؤكد أن نجاح أي عملية عسكرية يعتمد على التخطيط الجيد والمعلومة الصحيحة قبل التنفيذ.
عندما يتابع الناس نتائج الحرب داخل إسرائيل، يرون أثر لجنة أجرانات (التحقيقات الرسمية في أسباب هزيمة إسرائيل في الحرب) التي أحدثت زلزالاً سياسياً وعسكرياً هز القيادة الإسرائيلية، التي كانت تضم قادة تاريخيين ومؤسسين للدولة. فقد انفجرت تداعيات الحرب داخل إسرائيل، وظهرت أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية. كانت حرب أكتوبر 1973 نقطة تحول تركت آثارًا عميقة على المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيليين.
كما أن هذه النتائج أثبتت أن الحروب لا تُقاس فقط بالمعارك الميدانية، بل بتأثيراتها السياسية والاستراتيجية الممتدة التي تعيد تشكيل حسابات الدول وتؤثر في مستقبل المنطقة بأكملها.
الجيل الحالي يواجه حروبًا تختلف عن الحرب التقليدية التي خضناها عام 1973، فنحن أمام أساليب جديدة وتهديدات متنوعة. لذلك يجب أن يكون الشباب واعيًا ويدرك طبيعة المخاطر والتحديات المحيطة بمصر، وأن يفكر بصورة صحيحة تجاهها.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون لديه ثقة في مؤسسات الدولة وقيادتها السياسية والعسكرية التي تضع الخطط اللازمة لحماية الأمن القومي المصري. فالجيش المصري يمتلك القدرة على مواجهة التهديدات المختلفة وتأمين مصالح الدولة، في ظل تطور أشكال الصراع وأساليبه الحديثة. وهذا يتطلب استمرار تطوير الوعي الوطني والقدرات العلمية والتكنولوجية لدى الأجيال الجديدة لمواجهة أي تحديات مستقبلية والحفاظ على مقدرات الوطن وأمنه القومي في كل الظروف.
اقرأ أيضاً
عيون الاستطلاع مهدت طريق العبور.. اللواء نصر سالم يروي كواليس العمل خلف خطوط العدوبأغنيته الوطنية «الجيش المصري».. حكيم يستعيد أجواء نصر أكتوبر المجيد | فيديو
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





