بالبلدي: السودان.. سؤال الشرعية مرة أخرى

بالبلدي: السودان.. سؤال الشرعية مرة أخرى
بالبلدي: السودان..
      سؤال
      الشرعية
      مرة
      أخرى

لم تكن الحرب السودانية التي اندلعت في 15 إبريل 2023 هي بداية أزمة الدولة، وإنما كانت انفجاراً متأخراً لأزمة أعمق بدأت قبل ذلك بعامين.

وفيما ينشغل العالم اليوم بالسؤال عن وقف الحرب، ومن يسيطر على الأرض، ومن يمتلك السلاح والقدرة على فرض شروطه، يبقى سؤال أكثر جوهرية مؤجلاً: من يملك شرعية حكم السودان؟

التصريحات الأمريكية الأخيرة بشأن عدم الاعتراف بقيادة طرفي الحرب بوصفهما ممثلين شرعيين للشعب السوداني، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها موقفاً طارئاً فرضته الحرب وحدها.

إنها امتداد لمسار بدأ في 25 أكتوبر 2021، عندما أطاح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالحكومة المدنية، وكان محمد حمدان دقلو «حميدتي» جزءاً من السلطة العسكرية التي انقلبت على المسار الانتقالي.

في ذلك اليوم لم تسقط حكومة عبد الله حمدوك فقط، وإنما سقطت معها الصيغة السياسية التي تأسست بعد ثورة ديسمبر 2018، والتي وجدت ترجمتها الدستورية في الوثيقة الدستورية الموقعة في 17 أغسطس 2019، ضمن ترتيب انتقالي شاركت في هندسته قوى سودانية وحظي بدعم إقليمي ودولي.

كان انقلاب 25 أكتوبر قفزة في الظلام، والأهم أنه كان قفزة قام بها حليفان لم يدركا، أو لم يريدا أن يدركا، أن إسقاط الشراكة المدنية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاج شرعية سياسية بديلة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

كان البرهان وحميدتي يقفان في خندق واحد في مواجهة المدنيين، قبل أن يتحولا بعد أقل من عامين إلى طرفي الحرب الأكثر دموية في تاريخ السودان الحديث.

ولعل صورة القاضي أبوسبيحة وهو يمحو بالاستيكة ما كُتب على السبورة تصلُح استعارة لما حدث في 25 أكتوبر.

فقد بدا الأمر وكأن المسار الانتقالي يمكن محوه ببساطة، وكأن الوثيقة الدستورية وشراكة المدنيين والثورة وكل ما سبقها من تضحيات يمكن التعامل معه، باعتباره نصاً قابلاً للمحو وإعادة الكتابة.

لكن السياسة لا تعمل بهذه الطريقة.

بعد أشهر قليلة من الانقلاب، بدأت الحقائق تفرض نفسها. لم يستطع العسكريون بناء نظام سياسي مستقر، ولم يكن ممكناً العودة إلى الصيغة السابقة بسهولة.

وفي الوقت نفسه، بدأ الخلاف بين الرجلين اللذين شاركا في إسقاط الحكومة المدنية يأخذ طريقه إلى العلن.

كانت الاجتماعات ومحاولات إعادة ترتيب المشهد السياسي مقدمة لمسار جديد، انتهى إلى نقاشات واسعة حول الدستور الانتقالي، ومن بينها ورشة مسودة الدستور التي أعدتها اللجنة التسييرية لنقابة المحامين، ثم المساعي للوصول إلى الاتفاق الإطاري.

لكن المفارقة كانت أن الاتفاق الذي كان يفترض أن يعيد السودان إلى المسار المدني، اصطدم بالسؤال الذي ظل مؤجلاً منذ 2019: من يملك السلاح؟ ومن يخضع لمن؟

كانت قضية الإصلاح الأمني والعسكري ودمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة هي العقدة المركزية في المشهد.

ومع كل جولة تفاوض، كان السؤال ينتقل من كونه تفصيلاً فنياً إلى كونه صراعاً على مستقبل السلطة.

ومن هنا انفجر التحالف القديم.

لم يكن 15 إبريل 2023 بداية الخصومة بين الجيش والدعم السريع، وإنما اللحظة التي تحولت فيها الخصومة على السلطة إلى حرب مفتوحة.

وبذلك دفع السودان ثمن خطأ سياسي، بدأ حين اعتقد شريكا السلطة العسكرية أن بإمكانهما إقصاء المدنيين من دون أن تنفجر التناقضات بينهما.

ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد الدولة هي الطرف الأقوى في المعادلة، بل أصبحت الأرض السودانية موزعة بين قوى عسكرية وشبه عسكرية وحركات مسلحة وتشكيلات محلية، بينما يتراجع مفهوم الدولة الموحدة أمام تمدد مراكز القوة.

وهنا تبدو المفارقة الأكثر إيلاماً.

كان أحد أشهر هتافات الثورة السودانية: “ما في مليشيا بتحكم دولة”

بعد سنوات قليلة، أصبح السودان أمام مشهد تتعدد فيه المليشيات والتشكيلات المسلحة ومراكز النفوذ، فيما تبتعد البلاد أكثر عن فكرة الجيش الوطني الواحد، وعن احتكار الدولة للسلاح.

لكن الحديث عن الشرعية يتطلب قدراً من الدقة حتى لا يتحول إلى مساواة سياسية غير صحيحة بين طرفي الحرب.

القوات المسلحة السودانية ليست هي قوات الدعم السريع.

الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة السودانية، بينما الدعم السريع قوة شبه عسكرية، نشأت وتطورت خارج البنية التقليدية للقوات المسلحة.

ولذلك، فإن الدفاع عن الدولة ومؤسساتها يقتضي الحفاظ على التمييز بين المؤسسة العسكرية وبين قيادة سياسية عسكرية تمارس السلطة من دون تفويض انتخابي.

وهذا هو جوهر المعضلة.

يمكن التعامل مع قيادة الجيش باعتبارها سلطة أمر واقع تسيطر على مؤسسات ومناطق واسعة من البلاد، لكن ذلك لا يحول تلقائياً سلطة الأمر الواقع إلى شرعية سياسية ديمقراطية.

وهذه النقطة تحديداً تفسر جانباً مهماً من الموقف الأمريكي.

فالولايات المتحدة كانت قد فرضت في يناير 2025 عقوبات على البرهان، بعد أن كانت قد اتخذت في وقت سابق إجراءات ضد حميدتي، وقالت صراحة إن العقوبات على الرجلين تعكس موقفاً مفاده أن أياً منهما ليس مؤهلاً لحكم سودان مستقبلي يسوده السلام، مؤكدة دعمها لانتقال ديمقراطي مدني.

الموقف إذن ليس وليد تصريحات عابرة. إنه يتراكم منذ 25 أكتوبر 2021.

فالولايات المتحدة نفسها وصفت ذلك اليوم بأنه استيلاء عسكري أطاح بالحكومة المدنية، وأشارت إلى أن البرهان وحميدتي كانا طرفين في الإطاحة بالحكومة الانتقالية.

كما أن الاتحاد الإفريقي كان قد جمد عضوية السودان بعد الانقلاب، لأن القضية في جوهرها لم تكن فقط من يمسك السلطة، وإنما الطريقة التي تم بها الوصول إليها.

ولذلك، فإن أزمة الشرعية السودانية تسبق الحرب.

الحرب عمقت الأزمة، لكنها لم تنشئها.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع القتال، بات السودان يواجه أزمة مزدوجة: لا توجد سلطة مدنية منتخبة تستمد شرعيتها من الشعب، ولا يستطيع أي من الطرفين العسكريين أن يقدم نفسه باعتباره ممثلاً للسودانيين جميعاً.

الأخطر أن الحرب نفسها بدأت تنتج واقعاً سياسياً جديداً. مناطق نفوذ منفصلة، إدارات متوازية، اقتصاد حرب، موارد تدار خارج المركز، وتدخلات إقليمية ودولية متزايدة.

وهنا يصبح الحديث عن وحدة السودان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

فالأزمة لم تعد فقط أزمة حكم في الخرطوم، بل أزمة دولة يمكن أن تتحول، إذا طال أمد الحرب، إلى واقع تقسيم وظيفي حتى من دون إعلان تقسيم رسمي.

وما يحدث اقتصادياً يقدم صورة صارخة عن ذلك.

فقد أدى استمرار الحرب إلى تآكل موارد الدولة وتراجع الإنتاج وتفكك الأسواق، فيما فقد الجنيه السوداني نحو نصف قيمته منذ بداية صيف 2026 في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، وبلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 7500 جنيه، وفق أحدث التقارير.

وفي الجانب الإنساني، تجاوز عدد النازحين واللاجئين بسبب الحرب 14 مليون شخص، فيما تحولت الأزمة إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.

وهنا تبرز حقيقة أخرى: لم تعد العوامل الخارجية مجرد عامل مساعد في الأزمة السودانية، وإنما أصبحت جزءاً من بنية الصراع نفسه.

الرباعية الدولية، والخماسية، والتحركات الأمريكية والسعودية والمصرية والإماراتية، والجهود الأممية والإفريقية، كلها تعكس حقيقة أن الحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً.

لكن المفارقة أن كثافة التدخل الخارجي لا تعني بالضرورة قرب الحل.

فالخارج يستطيع الضغط، وفرض العقوبات، وتمويل الوساطات، وطرح خرائط الطريق، وربما فرض هدنة مؤقتة.

لكنه لا يستطيع وحده أن ينتج شرعية سودانية.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للقوى الوطنية السودانية.

فإذا كانت واشنطن وغيرها تقول “لا البرهان ولا حميدتي يمثلان الشرعية السياسية للسودانيين” فإن الإجابة لا ينبغي أن تكون الدخول في معركة لإثبات أيهما أحق بالحكم.

الإجابة يجب أن تكون العودة إلى أصل الأزمة: الشعب السوداني هو مصدر الشرعية، والدولة المدنية الديمقراطية هي الإطار الذي يمكن أن تستعيد داخله المؤسسات العسكرية والأمنية موقعها الطبيعي.

وما لم يحدث ذلك، فإن كل وقف لإطلاق النار سيظل معرضاً للانهيار، وكل اتفاق سياسي سيظل هشاً، وكل انتصار عسكري سيظل عاجزاً عن إنتاج سلام مستدام.

السودان لا يحتاج إلى منتصر عسكري بقدر ما يحتاج إلى نهاية منطق الحرب.

ولا يحتاج إلى شرعية يصنعها السلاح، وإنما إلى شرعية يعيد إنتاجها الشعب عبر عملية سياسية مدنية شاملة.

لقد بدأت الكارثة حين اعتقد طرفان مسلحان أن بإمكانهما محو السياسة بالاستيكة.

ثم اكتشفا أن الاستيكة التي محت الشراكة المدنية لم تستطع محو التناقضات بينهما.

فاندلعت الحرب.

واليوم، بعد كل هذا الدم والخراب، ربما يكون الدرس الأهم أن السودان لا يمكن أن يستعيد دولته بإعادة إنتاج اللحظة التي أسقطت دولته.

المطلوب ليس إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 15 إبريل 2023 فقط، بل أبعد من ذلك؛ إلى ما قبل 25 أكتوبر 2021، إلى اللحظة التي انقطع فيها المسار الانتقالي، مع الاعتراف بأن السودان نفسه تغير، وأن أي عودة للماضي تحتاج إلى صيغة جديدة تستوعب أخطاء المرحلة الانتقالية، وتعيد بناء المؤسسة العسكرية، وتنهي تعدد الجيوش، وتضع السلاح تحت سلطة مدنية منتخبة.

ذلك هو الطريق الوحيد للخروج من أزمة الشرعية.

أما استمرار الحرب بحثاً عن شرعية بالقوة، فلن ينتج سوى مزيد من الخراب، وربما دولة سودانية موحدة بالاسم فقط.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: سوريا تلغي قانون محكمة قضايا الإرهاب وتبطل جميع المفاعيل والآثار القانونية المترتبة عليه
التالى بالبلدي: سعر الفراخ البيضاء اليوم الأربعاء 2 سبتمبر.. ارتفاع جديد بالأسواق

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay
إعلان 1
إعلان 2