في زيارة هي الأولى من نوعها لرئيس صيني إلى الولايات المتحدة منذ عقد، استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينج في البيت الأبيض من 23 إلى 25 سبتمبر 2026، في قمة حملت تغيُرا في نبرة الخطاب بين أكبر اقتصادين في العالم، وسط استمرار التنافس التجاري والتكنولوجي والاستراتيجي بينهما.

وجاءت الزيارة بعد أشهر قليلة من زيارة ترامب إلى بكين في مايو الماضي، لتمثل جولة جديدة من الحوار حول ملفات التجارة والرسوم الجمركية وتايوان وإيران والذكاء الاصطناعي ومكافحة تهريب المخدرات وغيرها.
ورغم الأجواء الاحتفالية والرسائل الإيجابية التي أحاطت بالقمة، فإن هناك تساؤلات بشأن مدى قدرة واشنطن وبكين على تحويل التفاهمات المحدودة إلى اتفاقات تعالج الخلافات بينهما.
رؤى الخبراء
وفي هذا السياق، يقدم خبراء من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) قراءة متعددة الأبعاد لنتائج القمة، تتناول أبعادها الاقتصادية والأمنية، وتداعياتها على علاقات الولايات المتحدة بحلفائها، ولا سيما الهند واليابان ودول منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتتفق التحليلات على أن القمة أسهمت في تمديد التهدئة بين البلدين، لكنها لم تضع حلولا طويلة الأجل للخلافات التي تحكم علاقتهما، كما كشفت عن تباين في أولويات الطرفين بشأن مستقبل النظام الدولي.
رمزية كبيرة ونتائج محدودة

غلب الطابع الرمزي على الزيارة، بينما ظلت النتائج العملية محدودة. وحملت القمة تغيرا في نبرة الخطاب حول العلاقات الأمريكية الصينية، إلى جانب محدودية طموحات واشنطن بشأن ما يمكن تحقيقه مع بكين.
وأظهر الاستقبال الحافل الذي نظمه ترامب، بدءًا من استقبال شي لدى وصوله، مرورًا بالمراسم المبالغ فيها في البيت الأبيض، وصولًا إلى اصطحابه في جولة شخصية على متن المروحية الرئاسية «مارين وان»، رغبة الرئيس الأمريكي في تعزيز علاقته الشخصية بنظيره الصيني، باعتبارها أداة لتحقيق الاستقرار في العلاقات بين البلدين.
لكن البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين لم تكشف عن تقدم ملموس يتجاوز الاتفاق العام على معاملة جمركية تفضيلية بقيمة 30 مليار دولار من السلع في الاتجاهين، والإعلان عن اعتزام الرئيسين حضور قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في الصين خلال نوفمبر، وقمة مجموعة العشرين في ميامي بالولايات المتحدة خلال ديسمبر، إلى جانب مواصلة التعاون في مكافحة الفنتانيل والمخدرات الأخرى، ورعاية حوار بشأن الذكاء الاصطناعي.
وجددت الصين معارضتها امتلاك إيران أسلحة نووية، بينما أسقط البيت الأبيض الإشارة إلى نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية.
ورغم ارتياح دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ لعدم استجابة ترامب لمحاولات شي تغيير السياسة الأمريكية بشأن تايوان، فإن كثيرًا منها يخشى أن يؤدي تقديم تنازلات لبكين مقابل مكاسب محدودة إلى إضعاف مصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على الردع.
كما أن تركيز البيانين الرسميين على التعاون خلال الحرب العالمية الثانية يعكس محدودية التقدم، ويعزز مساعي بكين لتصوير اليابان باعتبارها تهديدًا باعتبارها كانت في الحرب خصما للصين والولايات المتحدة، كما أن تجاهل المخاوف الدولية بشأن الاختلالات التجارية وموجة الصادرات الصناعية الصينية يعكس تراجعًا أمريكيًا عن دورها التقليدي في قيادة النظام الدولي.
إدجارد دي. كاجان– مستشار أول ورئيس كرسي فريمان لدراسات الصين
هدنة أمريكية صينية هشة
أسهمت القمة في تمديد الهدنة بين الولايات المتحدة والصين لبضعة أشهر، بعد نحو عام من تصاعد التوترات، لكن هذه التهدئة تظل هشة مع اقتراب نهاية عام 2027.
وتبرز أربعة ملفات رئيسية تهدد استمرارها:
ــ الاقتصاد والتجارة: لا تزال بكين مستاءة من القيود الأمريكية على صادرات أشباه الموصلات المتقدمة، والقيود المفروضة على التعامل مع شركات وكيانات صينية، ومستويات الرسوم الجمركية.
ـــ الأمن الدولي: قد تواجه إدارة ترامب صعوبات في التوصل إلى تسوية مقبولة في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية.
وتعد الصين أبرز داعم دولي لإيران وروسيا، وقد تساعد طهران في إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية، وهو ما قد تكشفه أجهزة استخبارات أجنبية، بما يفتح الباب أمام ضغوط اقتصادية أمريكية على بكين لفرض عقوبات على إيران وروسيا.
– تايوان: من المرجح أن تواصل إدارة ترامب بيع الأسلحة للجزيرة خلال الاثنى عشر شهرًا المقبلة، رغم تحذيرات الصين.
ويرى خبراء داخل الحكومة الأمريكية وخارجها أن تايوان تحتاج إلى مزيد من الأسلحة، وسط توافق من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونجرس على هذه المبيعات، وإقرار البرلمان التايواني ميزانية دفاعية استثنائية بقيمة 30 مليار دولار، يخصص معظمها لشراء أسلحة أمريكية.
ـــ الذكاء الاصطناعي: توجد فرص للتعاون في ظل مخاوف مشتركة من خروج نماذج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة مطوريها.
لكن الخلافات بشأن طبيعة التعاون وأهدافه قد تحول دون استخدام هذا الملف لتعزيز استقرار العلاقات الثنائية.
توماس جيه. كريستنسن– أستاذ في الجغرافيا السياسية والسياسة الخارجية
بكين تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة.. لكن الخلافات مستمرة
سعى شي بينج إلى تقديم العلاقات الأمريكية الصينية في صورة أكثر إيجابية، لكن الخلافات والتوترات الجوهرية لا تزال قائمة.
ففي كلمته خلال مأدبة العشاء، ركز شي على تاريخ الصداقة بين البلدين، متجاهلًا كثيرًا من نقاط الاحتكاك السابقة والحالية.
كما استعرض وقائع تاريخية ركزت على ما حصلت عليه الولايات المتحدة من بكين، وإنقاذ جنود صينيين طيارين أمريكيين خلال الحرب العالمية الثانية، دون الإشارة إلى المخاطر التي تحملها الطيارون الأمريكيون لإيصال الإمدادات إلى الصين.
كما استعاد تحالف البلدين ضد «العدوان العسكري الياباني».
وقدم شي تفاهمات في التجارة ومكافحة الفنتانيل، وأعلن إنشاء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي، واتفق مع ترامب على عقد لقاءين إضافيين قبل نهاية العام.
لكنه لم يتناول علنًا المخاوف الأمريكية المتعلقة بالمعادن الحيوية والنادرة.
كذلك، دعا واشنطن إلى الالتزام بما وصفه بالموقف الصحيح الرافض لـ«استقلال تايوان»، في مسعى للضغط من أجل تغيير السياسة الأمريكية تجاه الجزيرة.
ورغم حديثه عن إمكانية التعاون الدولي، لم يقدم شي التزامات ملموسة.
ولم تتعهد الصين بوقف الضغوط التي تمارسها على جيرانها.
ولم ترد بكين أيضًا على دعوات ترامب لإجراء مفاوضات ثلاثية بشأن الحد من التسلح تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين.
بوني لين– مديرة مشروع القوة الصينية ومستشارة أولى
لا حلول طويلة الأجل للخلافات الاقتصادية والتكنولوجية
رغم تمديد الهدنة الاقتصادية، لم تحسم القمة السؤال المتعلق بالأهداف الاستراتيجية للسياسة الأمريكية تجاه الصين.
وقد لا يُعلن عن أي اتفاق أوسع إلا في وقت لاحق من العام، بعد زيارة ترامب إلى الصين في نوفمبر لحضور اجتماعات قادة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، وزيارة شي إلى ميامي في ديسمبر للمشاركة في قمة مجموعة العشرين.
إن الاتفاق على الزيارتين قد يكون من أبرز نتائج القمة، في ظل غياب تفاصيل واضحة بشأن مبادرات بارزة، من بينها «مجلس الاستثمار»، الذي لم يرد ذكره صراحة في البيان الصيني.
كما تكشف البيانات الرسمية عن عدم التوصل إلى اتفاقات جوهرية بشأن كثير من التقنيات المتقدمة التي تمثل أولوية للبلدين، ما يترك القضايا الأساسية في العلاقة دون حل.
ويتمثل أبرز مجالات التعاون في الحوكمة العالمية في إطلاق «حوار سلامة الذكاء الفائق».
وقد يوفر هذا الحوار منصة مفيدة مستقبلًا، في ظل تصاعد المخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي ومخاطر انحرافه عن الأهداف المحددة له، لكن فعاليته ستتوقف على آليات تنفيذه.
ومن شأن الخفض المتبادل للرسوم على السلع المستوردة غير الحساسة أن يحقق بعض الفوائد للمستهلكين، لكنه قد يثير مخاوف شركاء الولايات المتحدة التجاريين، الذين قد يجدون أنفسهم أمام رسوم مماثلة أو أعلى من تلك المفروضة على الصين، التي يتهمها كثيرون بتغذية الاختلالات التجارية العالمية عبر سياساتها الاقتصادية الداخلية.
إيلاريا ماتزوكو– نائبة المدير وزميلة أولى في كرسي أمناء الاقتصاد الصيني والأعمال
الذكاء الاصطناعي.. حوار محدود ومخاوف متزايدة
كان الذكاء الاصطناعي حاضرًا على جدول أعمال القمة، لكن الكشف عن إخفاقات في احتواء أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة، إلى جانب دعوات قطاع الصناعة إلى إبطاء وتيرة تطوير التقنيات المتقدمة، رفع سقف التوقعات بشأن التوصل إلى تفاهمات جادة حول الحوكمة.
غير أن هذه الآمال تراجعت بعدما أكدت إدارة ترامب استمرار تركيزها على المنافسة التكنولوجية، رغم تصاعد المخاوف المتعلقة بالسلامة لدى الجانبين.
وانتهت المحادثات إلى وعد بمواصلة الحوار خلال أسابيع، مع الإشارة إلى إنشاء قناة اتصال للتعامل مع حوادث أمن الذكاء الاصطناعي، يُفترض أن تحاكي الخط الساخن النووي خلال الحرب الباردة، لكن تفاصيل تشغيلها لا تزال محدودة.
إن التعهد باستئناف الحوار لا يكفي ويمكن للبلدين تطوير مقاربات مشتركة للسلامة والأمن دون الإضرار بقدرتهما على المنافسة التكنولوجية، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية واتصالات منتظمة وآليات واضحة للتحقق من الالتزام بالاتفاقات.
كما يتطلب إحراز تقدم صياغة سياسة أمريكية داخلية أكثر وضوحًا بشأن الذكاء الاصطناعي.
فتركيز واشنطن على دعم الصناعة، دون إطار تنظيمي وطني متماسك يستجيب للمخاوف المتزايدة، قد يعرقل قدرتها على إشراك حلفائها في قواعد تنظيمية مشتركة، أو الدخول في مفاوضات مع الصين بأجندة واضحة.
ألوك ميهتا– مدير مركز وادهواني للذكاء الاصطناعي
حقوق الإنسان خارج جدول الأعمال
لم تتناول القمة ملف حقوق الإنسان، رغم الضغوط التي مارسها أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على بكين قبيل الزيارة.
وقام رؤساء أمريكيون سابقون، بينهم جورج دبليو بوش وباراك أوباما، بإثارة قضايا حرية التعبير والدين وحقوق الإنسان خلال لقاءاتهم مع القيادة الصينية. لكن قمة ترامب وشي لم تتناول أوضاع الإيجور أو منظومة المراقبة الواسعة في الصين، أو غيرها من القضايا الحقوقية.
وفي المقابل، لم تسع بكين إلى تحويل النقاش نحو قضايا حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة، مثل ممارسات إدارة الهجرة والجمارك، والضغوط على وسائل الإعلام، والضربات التي تستهدف قوارب مرتبطة بتهريب المخدرات.
وقبل القمة بأيام، وصف السفير الصيني لدى واشنطن شيه فنج حقوق الإنسان بأنها خط أحمر، وأن القمة قد تعكس تحولًا نحو نظام دولي لا تجد فيه هذه القضايا قوة كبرى تتبنى الدفاع عنها بصورة واضحة.
أندرو فريدمان– مدير مبادرة حقوق الإنسان وزميل أول
الهند تراقب التحول في العلاقات الأمريكية الصينية
تسلط القمة الضوء، من وجهة نظر نيودلهي، على التباين بين تعامل واشنطن مع علاقتيها الأكثر أهمية في آسيا: الصين والهند.
فعلى الرغم من استمرار التنافس الأمريكي الصيني، يسعى الطرفان إلى تعزيز الاستقرار في علاقتهما.
أما العلاقة الأمريكية الهندية، التي يفترض أن تقوم على الشراكة، فقد شهدت توترات دفعت الهند إلى الشعور بأنها تُعامل بوصفها خصمًا أكثر منها شريكًا.
ورغم التفاهمات المحدودة بين واشنطن وبكين في التجارة والاستثمار والذكاء الاصطناعي، لا تزال أسباب التنافس البنيوية قائمة، من بينها الصراع على الريادة التكنولوجية، واستخدام الاعتماد الاقتصادي المتبادل أداة للضغط، والخلاف بشأن تايوان.
وفي المقابل، كثفت الولايات المتحدة الضغوط الاقتصادية على الهند، بعد توقيع ترامب تشريعًا يسمح بفرض رسوم تصل إلى 100% على كبار مشتري الطاقة الروسية.
ومع ذلك، تواصل العلاقات الثنائية التقدم في مجالات عدة، تشمل التعاون ضمن مجموعة «كواد»، ومبيعات الأسلحة، والتدريبات العسكرية المشتركة، والاستثمارات التكنولوجية.
لكن هذا التقدم لا يلغي أثر الضغوط الأمريكية.
فقد تابعت نيودلهي كيف استخدمت بكين نفوذها في صادرات المعادن الأرضية النادرة للحصول على قدر أكبر من التفاهم والقدرة على التنبؤ في تعامل واشنطن معها.
إن استمرار الضغط الاقتصادي على الهند بالتوازي مع السعي إلى الاستقرار الاستراتيجي مع الصين قد يدفع نيودلهي إلى التشكيك في مدى حماية الشراكة الاستراتيجية لها من الضغوط الأمريكية، بما قد يعرض للخطر أكثر من 25 عامًا من التقدم في العلاقات الأمريكية الهندية
أمان ثاكر– زميل كرسي الهند واقتصادات آسيا الناشئة
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "





