أحدثت المواجهة الأخيرة مع إيران تغيرات في الحسابات الأمنية لدول الشرق الأوسط، دافعة قادة المنطقة إلى إجراء مراجعة لافتراضات استراتيجية استمرت لعقود حول حدود الردع الأمريكي ومستقبل النظام في طهران.
ورغم المساعي والوساطات الإقليمية الراهنة لإحراز تقدم نحو تسوية، فإن التداعيات الجيو سياسية لهذا الصراع ستظل قائمة، حتى وإن أثمرت الجهود عن اتفاق يلبي المطالب الأمريكية بفرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني.
في هذا السياق، يقدم مركز صوفان للدراسات الأمنية في تقريره الأخير قراءة تحليلية لتفكيك المشهد والتوازنات الإقليمية الجديدة.
ويسلط الضوء على التحذيرات المتصاعدة من سباق تسلح نووي إقليمي، واحتمالية اتجاه طهران لتبني “نموذج كوريا الشمالية” القائم على العزلة والتحصين العسكري.
كما يرصد التقرير توجهاً لدول المنطقة لإعادة صياغة استراتيجياتها عبر زيادة موازناتها الدفاعية، وبناء تحالفات أمنية إقليمية، وتنويع شراكاتها الدولية، مع إدراكها صعوبة الاستغناء الكامل عن المظلة الأمنية الأمريكية في المرحلة الراهنة.

مع إقرار مسؤولين أمريكيين وإيرانيين بإحراز بعض التقدم نحو تسوية، بعد تدخلات وساطة عربية وإقليمية، لكن الحرب الأمريكية الإيرانية ستفرض على قادة المنطقة إعادة تقييم افتراضات استمرت لعقود بشأن البنية الأمنية للشرق الأوسط.
ومن المرجح أن تشهد المقاربات الأمنية في المنطقة تغييرات واسعة، بصرف النظر عن شروط أي تسوية أمريكية إيرانية، حتى إذا تضمنت هذه التسوية تلبية المطالب الأمريكية بفرض قيود كبيرة على البرنامج النووي الإيراني.
كما سيتعين على قادة المنطقة إعادة النظر في الوزن النسبي الذي يمنحونه للمخاوف الأمنية مقارنة بمبادرات تنويع الاقتصادات.
منذ انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2018 خلال ولايته الأولى، من الاتفاق النووي الإيراني متعدد الأطراف لعام 2015، اعتقد عدد من قادة المنطقة أن اندلاع حرب تقودها الولايات المتحدة لإسقاط النظام الحاكم في طهران احتمال قائم بقوة.
وترسخ هذا التصور في المنطقة، رغم رفض الرأي العام الأمريكي تكرار التجربتين الأمريكية في العراق وأفغانستان، وتعهد ترامب بعدم الدخول في حرب جديدة لتغيير نظام حاكم في الشرق الأوسط.
واعتقد قادة المنطقة أن رفض إيران التفاوض على اتفاق نووي جديد، سواء مع ترامب أو إدارة الرئيس السابق جو بايدن، جعل الحرب الأمريكية ضد إيران شبه حتمية.
وكانوا يأملون وإن لم يكن ذلك بالضرورة توقعًا مؤكدًا، أن تؤدي الحرب مع الولايات المتحدة إلى انهيار النظام الإسلامي في طهران، أو استسلامه تحت وطأة الاستخدام المكثف للقوة الجوية الأمريكية.
لكن صمود إيران أمام حملة القصف الأمريكية والإسرائيلية المكثفة، إلى جانب قدرتها على التحكم في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حطم التصور السائد في المنطقة بشأن إمكانية هزيمة النظام الإيراني.
وتوضح نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التداعيات السياسية الداخلية لحرب طويلة وغير حاسمة ضد نظام إيراني مصمم على الصمود، ويتمركز عند أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة العالمية.
كما أن قدرة إيران على استهداف دول المنطقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وضعت الانتشار العسكري الأمريكي المتقدم، الذي يضم نحو 40 ألف جندي أمريكي موزعين على سلسلة من المنشآت العسكرية في دول الخليج العربي ومناطق أوسع من المنطقة، أمام مخاطر متزايدة.
تراجع الردع الأمريكي واستمرار النظام الإيراني
من غير المرجح أن تغادر الولايات المتحدة المنطقة بالكامل، سواء تقرر التخلي عن القواعد التي تعرضت لأضرار جسيمة جراء الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أو إعادة بنائها.
لكن التأثير الردعي للانتشار العسكري الأمريكي المتقدم قد تلاشى.
وأقنعت الحرب قادة المنطقة بأنه من غير المرجح أن يوافق الرئيس ترامب أو أي رئيس أمريكي مستقبلي على تنفيذ غزو بري واسع النطاق، وهو ما سيكون ضروريًا لإسقاط النظام الإيراني، ما لم تنفذ إيران هجومًا إرهابيًا يتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الأمريكيين أو يستهدف المصالح الأمريكية، أو تندفع بصورة شاملة نحو امتلاك سلاح نووي، أو تشن هجومًا يؤدي إلى إغراق سفينة حربية أمريكية رئيسية.
وقد تقبل قادة المنطقة حقيقة أنهم سيواجهون نظامًا في طهران لا يبدو أن له نهاية قريبة.
ورغم أن النظام الإيراني يعتبر الولايات المتحدة تهديدًا وجوديًا، فإن قيادته وأجهزته الأمنية، بقيادة الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، لن تقدم على الأرجح على تنفيذ عملية قد تؤدي إلى استفزاز واشنطن ودفعها إلى رد واسع النطاق.
وفي غياب تدخل خارجي، لا تبدو هناك آمال كبيرة في أن تؤدي انتفاضة شعبية داخلية جديدة، مماثلة لتلك التي جرى قمعها في يناير، إلى إسقاط النظام.
إيران قد تتبنى نموذج كوريا الشمالية
تخشى بعض الأطراف في المنطقة أن يتجه النظام الإيراني إلى تبني نموذج يشبه كوريا الشمالية، يقوم على العزلة والانكفاء مع تعزيز الطابع العسكري للدولة.
وفي ظل هذا النموذج، يمكن توقع أن يضاعف القادة الإيرانيون تركيزهم على تطوير الصواريخ المتقدمة والطائرات المسيّرة، وربما تعزيز قدرات القوات البرية الإيرانية للحماية من أي غزو محتمل.

ويرى خبراء دوليون أن النظام الإيراني قد يستخلص من الحرب أن نهج كوريا الشمالية هو النموذج الوحيد القادر على ضمان أمن إيران، وأن الدولة المسلحة نوويًا وحدها تستطيع الإفلات من الهجمات الأمريكية.
ويرى البعض أن إيران بدأت بالفعل السير في هذا الاتجاه؛ إذ شرعت شخصيات إيرانية متشددة في الدعوة علنًا إلى إلغاء أو تجاوز الفتوى الدينية التي أصدرها المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، والتي تحظر تطوير سلاح نووي إيراني.
ويُقال إن هذا النقاش بدأ يتسع ليشمل الأوساط الرئيسية داخل النخبة الإيرانية.
وعلى خلاف كوريا الشمالية، لا يُعتقد حاليًا أن إيران تمتلك قدرة موثوقة على غزو دول الجوار.
لكن هناك مخاوف من أن تسعى إلى تطوير قدرات عسكرية تقليدية هجومية أكبر، من خلال تعزيز قواتها البرية وقدرات الإنزال البرمائي.
تعزيز استراتيجية الدفاع المتقدم عبر الحلفاء الإقليميين
إلى جانب إعادة بناء قدراتها الأساسية وتعزيزها، من المرجح أن يضاعف النظام في طهران اعتماده على استراتيجية «الدفاع المتقدم» التي ينتهجها منذ فترة طويلة، وتتمحور حول تسليح وتمويل الفاعلين من غير الدول في المنطقة.
وقد تعرض اثنان من حلفاء إيران، هما حركة حماس وحزب الله اللبناني، لإضعاف شديد خلال السنوات الثلاث الماضية نتيجة العمليات الإسرائيلية.
أما الحليف الآخر، المتمثل في مجموعة الميليشيات المدعومة من إيران في العراق، فيواجه ضغوطًا من الحكومة العراقية في بغداد، التي تسعى إلى إعادة دمج البلاد في المحيط العربي.
ويخوض حليف إيران الآخر، حركة الحوثيين في اليمن، صراعًا مع السعودية، مستخدمًا في هذا السياق الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تزوده بها إيران لاستهداف مواقع مدنية داخل المملكة.
لكن الهجمات العنيفة التي قد يشنها حلفاء إيران ضد أهداف أمريكية أو أوروبية أو أهداف في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى وقوع هجوم يتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وهو ما قد يغير المواقف الأمريكية والأوروبية، ويدفع نحو مواجهة شاملة مع طهران.
إيران تعزز علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا والصين
في إطار سعيها إلى تحقيق الأمن المطلق، ستعمل القيادة الإيرانية أيضًا على تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا والصين.
وتتطلع إيران إلى القوتين للحصول على إمدادات مستمرة من التكنولوجيا العسكرية الحيوية، والمساعدة في الالتفاف على شبكة العقوبات الأمريكية المتداخلة.
ومن المرجح استمرار معظم العقوبات حتى إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى تسوية للصراع.
وعلى غرار الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، يُرجح أن تحاول إيران استغلال التنافس بين موسكو وبكين لتعظيم حجم الدعم الذي تحصل عليه من الطرفين.
لكن طهران لن تجد دعمًا صينيًا غير مشروط؛ فالصين بخلاف روسيا، تُعد مستوردًا رئيسيًا للنفط والغاز، وتسعى إلى تحقيق الاستقرار في الخليج العربي.
ويوم الاثنين، استضاف الرئيس الصيني شي جين بينج في بكين سلطان عُمان هيثم بن طارق آل سعيد، الذي يُعد أقرب شركاء إيران في الخليج، إلى جانب مسؤولين كبار من إيران والسعودية، لإجراء محادثات تستهدف خفض التصعيد في الخليج.
وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن مسؤولين صينيين كبارًا سيزورون سبع دول في منطقة الخليج والقرن الإفريقي، بهدف تعزيز جهود خفض التصعيد الإقليمي.
احتمالات سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط
يتمثل أحد الأسئلة الرئيسية في كيفية استجابة دول المنطقة إذا عملت إيران بجدية على تطوير سلاح نووي.
فامتلاك إيران سلاحًا نوويًا سيضع الولايات المتحدة وحلفاءها أمام أسوأ السيناريوهات المحتملة، المتمثل في اندلاع سباق تسلح إقليمي، وهو ما سعى صناع السياسة الأمريكيون إلى منعه على مدار أربعة عقود على الأقل.
وفي هذا السياق، أعاد الحاكم الفعلي للسعودية، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، التأكيد خلال مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» عام 2023 على موقف بلاده، قائلًا:
نحن قلقون من حصول أي دولة على سلاح نووي»، مضيفًا أنه إذا حصلت إيران عليه، “فسيتعين علينا الحصول عليه”.

ومن شأن اتفاق التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية، المعروف باسم اتفاق 123، والذي ظل محل نقاش طويل بين الحكومتين، أن يغير سياسة منع الانتشار النووي الأمريكية السابقة، من خلال السماح للسعودية بتخصيب اليورانيوم محليًا.
كما تتمتع السعودية بعلاقات وثيقة مع دولة نووية إقليمية أخرى، هي باكستان.
ويختلف الاتفاق الأمريكي السعودي عن اتفاق سابق أبرمته الولايات المتحدة مع الإمارات، والمعروف باسم اتفاق 123، والذي يحظر التخصيب المحلي لليورانيوم وإعادة المعالجة.
وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق لا يمنح الإمارات، من الناحية الفنية، القدرة على تطوير سلاح نووي، فإن أبو ظبي أقامت علاقات استراتيجية وثيقة مع إسرائيل، التي يُعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك ترسانة نووية كبيرة.
ومن المتوقع أيضًا أن تدرس قوى إقليمية أخرى، من بينها تركيا ومصر، إمكانية تطوير قدرات نووية عسكرية إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا.
دول المنطقة تتجه إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز التعاون الأمني
أدت الحرب أيضًا إلى إدراك قادة المنطقة أنهم سيحتاجون إلى زيادة الإنفاق على دفاعاتهم، من أجل تعزيز حماية منشآت الطاقة، وتطوير قدرات الدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتنفيذ تحديثات دفاعية أخرى.
كما سيعمل قادة دول الخليج على تعزيز جاهزية قواتهم البرية لمواجهة إيران وحلفائها، ومن بينهم الحوثيون.
ويرى كثير من الخبراء أن دول المنطقة ستواصل التوجه نحو اتفاقيات الدفاع المشترك والحلول الأمنية الإقليمية الأخرى، مع استمرار انخراطها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
وفي هذا الإطار، برز اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي أُبرم حديثًا ويلزم السعودية وتركيا وباكستان بالدفاع عن بعضها بعضًا، لكن الاتفاق أثبت محدودية فائدته للسعودية في مواجهتها البرية مع القوات الحوثية في اليمن.
وتشير التوقعات على نطاق واسع إلى احتمال انضمام مصر، وربما سوريا إلى الاتفاق، بما يمنحه وزنًا استراتيجيًا إضافيًا.
ومع ذلك، حتى إذا انضمت قيادات عربية “معتدلة” أو دول إقليمية أخرى إلى هذا الاتفاق أو إلى تكتلات مماثلة، فإن هذه التحالفات لن تكون قادرة على تعويض انسحاب أمريكي من المنطقة.
ويفسر التحليل الدقيق لموازين القوى سبب عدم اقتراح أي قائد إقليمي حتى الآن التخلي عن العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لصالح ترتيبات أمنية إقليمية بديلة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




