عرفَ الغربُ التحديثَ أولاً خلال ثلاثة قرون على الأقل- القرون الـ16 والـ17 والـ18- وخلالها كذلك عرف الثورة بما هي لحظة احتشاد جمعي تنتفض فيه روحُ الأمة في لحظ بعث وميلاد وإحياء جديدة عاصفة تقطع بين ماضيها وحاضرها وتؤسس لمستقبلها، الثورة لا تقطع الزمن عن بعضه ولا عن جريانه في مساره، لكنها تعيد توجيه بوصلته نحو منظومات مختلفة من المصالح والقيم والمبادئ والانحيازات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لا يوجد مجتمع ينخلع من جذوره ولا ينسلخ من ماضيه لكن ما يحصل هو إعادة ترتيب للطبقات والمصالح والقيم في شكل تعاقد اجتماعي جديد، يتم فضه ببعض من القسر كما ببعض من الفكر كما ببعض من التوافق والتراضي دون إغلاق نهائي لملفات الصراع الاجتماعي، الذي هو بطبيعته لا يتوقف أبدًا عن صيغة نهائية قاطعة مانعة.
هنا يلزم استدراك ما ننساه أو نغفله أو نجهله هنا في الشرق، وهو أن الثورات في أوروبا كانت من ثمرات ثلاثة قرون من التحديث متعدد الاتجاهات كلها تصب في إثراء الناس مادياً، بما يترتب عليه من الارتقاء بهم معيشياً بما يعنيه من إتاحة مقادير غير مسبوقة من التعليم والتثقيف والتنوير والتحضر والتوسع في بناء المدن وتفوق الطبقة الوسطى من التجار والمهنيين والصناع وبناء الجيوش النظامية الحديثة وتأسيس البيروقراطيات الإدارية الحكومية، لم تعرف أوروبا الثورات لأنها كانت غاضبة ولا لأن الحكومات كانت طاغية، لكن عرفتها لأن شروطها توفرت ونضجت، توفرت البنية التحتية للأفكار الجديدة: فكرة العدل، فكرة الحرية، فكرة المساواة، فكرة دولة القانون، فكرة الدستور الذي ينظم حريات الناس كما ينظم صلاحيات الحكام، ويقيم الدولة والمجتمع على قواعد متينة عمادها توازن السلطة والحرية بحيث لا تبغي السلطة على الحرية ولا تبغي الحرية على السلطة، ذلك أن جور السلطة على الحريات يخنق المجتمع ويقتل في الناس فضائل المبادرة والشجاعة والإقدام، كما أن جور الحريات على السلطة يدشن الطريق إلى الفوضى ثم يقوض الدولة ثم يترك المجتمع في مهب الانقسام ثم الانهيار .
في القرون الثلاثة الـ16 والـ17 والـ18 كانت أوروبا تعيد خلق نفسها خلقاً جديداً، خرجت من عصورها الوسيطة، وعصورها الوسيطة ذاتها كانت في أواخرها- القرون الـ12 والـ13 والـ14 والـ15 جهاداً لا يتوقف بحثاً عن مخرج من ظلام عصورها الوسيطة الباكرة- القرون الـ6 والـ7 والـ8 والـ9 والـ10 والـ11، العصور الوسيطة المتأخرة طهرت أوروبا وغسلت دماغها وضميرها من ظلمات عصورها الوسيطة المبكرة ، وخلالها شنت أوروبا حروبها الوسيطة على المشرق العربي الإسلامي، فيما عُرِف بالحروب الصليبية التي استهدفت استرداد بيت المقدس بالدرجة الأولى، كما شنت أوروبا حروب الاسترداد في جنوب غرب أوروبا الذي عُرِف باسم الأندلس ونجحت في استئصال الإسلام وطرد المسلمين من إسبانيا والبرتغال بعد تسعة قرون من 711 ميلادية إلى 1614 ميلادية.
ثم بعد الحربين في الشرق والغرب ضد الإسلام استشعرت أوروبا في نفسها دبيب الروح والفتوة والقوة والإقدام والمبادرة، فذهبت تواجه عيوبها الداخلية وتتحرر من قيودها الذهنية والفكرية والدينية وتتحرر من أقفاصها الاجتماعية، وتنفك من قيودها السياسية، فنهضت حركات الإصلاح الديني والسياسي والعلمي لتحرير الإنسان الأوروبي من سطوة الكنيسة والسلطة والخرافة في وقت واحد، ذهبت أوروبا تحتشد بكل ما فيها من رغبة عارمة في السمو والرقي تقاتل على كل الجبهات: علوم وأفكار وفلسفات وأشعار وتكنولوجيات جديدة، نظم حكم وسياسة وإدارة جديدة، وترافق مع ذلك رغبتان عارمتان: رغبة عنيفة في الثراء، رغبة أعنف في اكتشاف العالم وتطويقه، ومن الرغبتين معاً نشأت الرأسمالية ومعها الاستعمار، الرأسمالية صنعت أوروبا الغنية التي تراكم الأموال كما لم يحدث من قبل في التاريخ، والاستعمار يخلق أوروبا السيدة المتحكمة، وقد تعززت أخلاق الرأسمالية والاستعمار مع ركنهما الثالث: الثورة الصناعية التي أخذت الرأسمالية والاستعمار إلى كل شبر في العالم ووضعت أيادي أوروبا على مقدرات الكون كله.
الثلاثة: الرأسمالية والاستعمار والثورة الصناعية صنعت البنية التحتية للديمقراطية من زاوية تمكين الفرد والفرد هو الصوت الانتخابي، والصوت الانتخابي هو من يمثل إرادة الأمة وإرادة الأمة هي السيادة العليا والسيادة العليا هي المشروعية السياسية والمشروعية السياسية هي من تمكن المواطن الفرد من المشاركة في بناء نظام سياسي في خدمة المواطنين، وليس برمجة المواطنين في خدمة النظام السياسي.
الديمقراطية بدأت من هنا، من نتاج التحديث والثورات والتصنيع، أي هي حصاد وثمرة كفاح اجتماعي طويل على عدة جبهات في وقت واحد
أما في العالم العربي فقد عرف كل ذلك بصورة شائهة، تحديث مشوه، ثورات ناقصة، تصنيع لم يبدأ بعد، كل ذلك يجعل سؤال الديمقراطية في العالم العربي نوعاً من القفز في الفراغ.
وهذا هو موضوع مقال الأربعاء المقبل إن شاء الله.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



