لا تريد أمريكا الحرب مع إيران ولا تريد انتهائها أيضًا، فبقاء حالة “اللا سلم واللا حرب” تجعل أمريكا الدولة الأكثر ربحية في العالم، وكلما طال أمد الازمة زادت مكاسبها وزاد نفوذها عالميا.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمح إلى تلك النقطة في خضم تناوله مستجدات المواجهة العسكرية مع طهران أخيرًا، وقال نصًا إن “واشنطن تملك الوقت الكافي لإدارتها”، وهذا الوقت بالطبع لا يملكه مستوردو النفط لا سيما أوروبا والصين والهند.
وفقًا لترامب، فإن الولايات المتحدة نجحت في تعويض ما أنفقته في الحرب على إيران بأكثر من 10 أضعاف، اعتماداً على العائدات الاقتصادية والنفطية القادمة من فنزويلا.
لكن مكاسب أمريكا من نفط فنزويلا مرهون ببقاء أسعار البرميل مرتفعة فوق مستوى الـ 100 دولار للبرميل، لأنه رديء وشبيه بالمازوت، ويحتاج تكاليف كبيرة لتكريره، وهو ما تعمل على تحقيقه واشنطن بإبقاء التوترات مشتعلة بأماكن إنتاج الطاقة في العالم.
شحن عسكري وتصريحات مستمرة
كلما اتسمت أسعار النفط بالهدوء، تمارس واشنطن لعبة تحريك القطع العسكرية، بنقل وسحب الطائرات في المنطقة باستمرار، وآخرها إرسال 10 طائرات شحن عسكرية إلى قاعدتيّ “عوفدا ونفاطيم” الجويتين بمنطقة النقب في إسرائيل.
بالتزامن مع ذلك، تم تسيير جسر جوي لقواعد عسكرية في الأردن والسعودية وقطر والكويت انتظارًا للقرار الذي يتخذه ترامب بشأن طبيعة التعامل مع طهران، وهي تطورات كفيلة برفع النفط حتى لو كانت تلك القطع لأغراض دفاعية.
كما نقلت واشنطن منظومة دفاع جوي من طراز “باتريوت” بجانب عزمها تحريك حاملة طائرات أمريكية خلال نوفمبر الجاري، في ظل استعدادات واشنطن لاحتمالات التصعيد مع إيران.
الخليج منافسا
الباحث الجزائري عز الدين الإدريسي يقول إن الولايات المتحدة لم تعد ترى الخليج كحليف بقدر ما تراه منافسًا يجب تحطيمه بعد سيطرتها على فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم.
أضاف أن مشكلة نفط فنزويلا أنه نفط ثقيل أشبه بالوحل وتكريره يتطلب تكلفة أكثر من باقي الأنواع الخفيفة، وبالتالي، عندما تكون أسعار النفط منخفضة، يصبح تكرير ذلك الخام بثمن بيعه تقريبًا ما يجعله استثمارا خاسرا.
من شأن دخول كمية هائلة من النفط الفنزويلي للسوق الدولية أن يخفض الأسعار أكثر، ويسبب خسائر إضافية للشركات الأمريكية المنتجة للنفط، لأن النفط الأمريكي تكاليف استخراجه باهظة أيضًا، وبالتالي، عملت واشنطن على رفع أسعار النفط بإخراج كل من الخليج وروسيا من السوق، لتصبح هي البديل، بحسب الإدريسي.
الأمر ذاته ينطبق على الغاز، ومع تأزم الوضع في مضيق هرمز، أصبحت قطر أكبر منتج في العالم مستوردة، إذ تتجه لشراء الغاز الأمريكي لسداد مستحقات زبائنها لعجزها عن التصدير، فارتفاع أسعار الغاز يزيد جدوى الاستثمار في الغاز الصخري الأمريكي عالي التكاليف، ويزيد من حصة أمريكا من سوق الغاز المسال.
تملك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة بالعالم بنسبة تتراوح بين 18% و20% من الاحتياطي العالمي، لكنها كانت تنتج أقل من 1% من الإنتاج العالمي، بسبب ضعف الاستثمار وانهيار الاقتصاد بعد فرض عقوبات أمريكية عليها.
الولايات المتحدة وضعت يدها على نفط فنزويلا بواسطة شركاتها لتملك حاليا 29% من الإنتاج العالمي (فنزويلا + الولايات المتحدة)، بينما تملك السعودية 11% من الإنتاج.
البنية التحتية للخليج لا تتحمل
في خضم الحشد الأمريكي الحالي، فإن البنية التحتية للطاقة في الخليج العربي ليست مستعدة لتجديد حرب إيران، حيث يُعد استمرار تدفق النفط تشوبه مشكلات، بالنظر إلى حجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنشآت والمرافئ المحورية.
تسببت الهجمات الإيرانية وهجمات الحوثيين في تضرر مصافي نفط سعودية، ومجمع “راس لفان” للغاز الطبيعي المسال في قطر، ومنافذ التصدير في الفجيرة، وخط الأنبوب السعودي (شرق- غرب).
ورغم أداء الدفاعات الجوية، إلا أن عدم قدرتها على منع كافة المقذوفات واستنزاف المخزون من صواريخ الاعتراض يترك المنشآت الحساسة عرضة لأعطال يستغرق إصلاحها سنوات وتكاليف باهظة.
تسبب هذا التصعيد في تراجع ثقة الأسواق العالمية بقدرة المنطقة على تأمين الإمدادات، ولا سيما في دول آسيا وأوروبا التي واجهت نقصاً في الوقود وانقطاعات في الكهرباء.
حال اندلاع جولة جديدة، ستتعرض البنية التحتية المتبقية ومراكز البيانات ومسارات التصدير البديلة لضربات إضافية، تدفع المستوردين نحو حلول دائمة بعيدة عن المنطقة مثل الغاز الأمريكي.
تحذير أمريكي للخليج
حذّرت الولايات المتحدة عدداً من دول الخليج العربي من الاستعداد لحملة عسكرية قصيرة، لكنها مكثفة، محتملة ضد إيران عقب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي هذا الأسبوع.
في نفس الوقت، حددت إسرائيل أهدافًا وأعدت خططًا لهجوم عسكري آخر على إيران، فإسرائيل لا يعتمد على نفط الخليج وتستورد من أذربيجان وغربي إفريقيا، خاصة نيجيريا.
في المقابل، حذّرت إيران من أن أي هجمات أمريكية أو إسرائيلية أخرى ستؤدي إلى شنّ هجمات على أهداف اقتصادية وعسكرية بجميع أنحاء المنطقة.
ورغم القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثّف، لا تزال إيران تحتفظ بقدرات صاروخية كبيرة، وتشير التقارير إلى أنها تعمل على إعادة بناء ترسانتها العسكرية ودفاعاتها الجوية.
وتسعى حكومات الخليج لمنع نشوب حرب إقليمية أخرى، في ظلّ مواجهة احتمال ردّ إيراني على أراضيها، خاصة بعد الخسائر التي تعرضت لها منذ اندلاع الأزمة، وقام وزير الدفاع السعودي بزيارة إيران بمشاركة وفد يضم المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، وإبراهيم قالن رئيس الاستخبارات التركية لمحاولة احتواء الأزمة أو على الأقل تداعياتها على بلاده.
خسائر الخليج
خسرت السعودية 33.6 مليار دولار مع وجود كميات نفط غير مباعة تُقدّر بنحو 308 ملايين برميل، والكويت ما يقارب 22 مليار دولار (مع وجود كميات نفط تزيد عن 200 مليون برميل). أما قطر، فقد خسرت ما يقارب 20 مليار دولار.
في حين بلغت خسارة إيران (2.4 مليار دولار) والبحرين (1.9 مليار دولار).
بينما تتمتع الإمارات العربية المتحدة بوضع أفضل، فبعض إمداداتها تمرّ بالفجيرة بدلاً من هرمز. مع ذلك، تكبدت الدولة خسائر تُقدر بنحو 16 مليار دولار أمريكي خلال مئة يوم من الصراع، إضافة إلى خسائر فادحة نتيجة انخفاض تدفق السياح والقيود المفروضة على المطارات.
أما البحرين فسجلت المركز الثالث عشر بين أعلى نسبة للدين العام مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وحال استمرار الحرب لفترة أطول دون حصول البحرين على دعم إضافي، فإنها ستتعثر في سداد ديونها، لأنها لا تمتلك سوى القليل من الأصول التي يمكن تسييلها في وقت قصير.
فالحرب حاليا مصلحة أمريكية اقتصادية مباشرة، وفي ظل رئيس أمريكي كترامب، يعتمد على إشعال التوترات كمحرك اقتصادي، سيظل الاقتصاد الخليجي يدفع الثمن باستمرار.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




