سادت موجة من الابتهاج والاحتفاء كافة أنحاء العالم، خاصة في مصر وعالمها العربي.
بإعادة انتخاب الرئيس البرازيلي اليساري “لولا دا سيلفا” في الجولة الثانية الحاسمة.
في مواجهة مرشح ترامبي فاشي تدفق البرازيليون على صناديق الاقتراع لمنع سقوط بلادهم مجددا تحت شبكات الهيمنة الأمريكية.
كانت ردة الفعل تاريخية بأي معنى وكل اعتبار.
أكدت صناديق الاقتراع أن هزيمة الفاشية ممكنة مهما تغولت ومولت وراهنت على كسر إرادة الشعوب.
في الجولة الأولى، جاء “لولا” ثانيًا خلف المرشح اليميني “فيلافيو بولسونارو” الموالي لـ”ترامب”.
بدا مرجحا أن يخسر جولة الإعادة الحاسمة، وهو ما لم يحدث.
كان ذلك انتصارا للقوى الاجتماعية والفئات الفقيرة في أكبر وأهم دول أمريكا اللاتينية، التي وجدت في تجربته الطويلة انتصافا حقيقيا لحقها في الحياة والعدل الاجتماعي واستقلال القرار الوطني.
بقوة التجربة انتشل “لولا” ملايين المعوزين والفقراء من وهدة الفقر المدقع.
تحدى المؤسسات المالية الدولية وأخذت البرازيل حجمها الحقيقي كقوة إقليمية عظمى كلمتها مسموعة في حسابات القارة والعالم بمواجهة السياسات الأمريكية.
إثر اختطاف الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو” انتهجت السياسات الأمريكية منحى أكثر توحشا لفرض هيمنتها الكاملة على القارة اللاتينية.
في أولويات إدارة “ترامب” الآن إسقاط النظام الكوبي وتصفية حسابات التاريخ معه.
رغم اعتزال الرئيس الكوبي السابق “راؤول كاسترو”، الرجل الثاني في الثورة الكوبية بعد شقيقه “فيدل”، منصبه اختيارا لتقدمه في العمر، إلا أنها تعمل على جلبه للمحاكمة في فلوريدا بمذكرة توقيف!
رغم الأهمية التاريخية والرمزية لكوبا، إلا أن البرازيل بحجمها وأدوارها هي الجائزة الكبرى في الصراع على القارة.. والعين مفتوحة طوال الوقت على ما يحدث فيها.
بذريعة محاكمة وسجن الرئيس السابق “جايير بولسونارو”، الأب، الموالي لـ “ترامب” بتهم الضلوع بالفساد فرضت تعريفات جمركية عقابية على البرازيل بنسبة (50%).
الأفدح أنها عاقبت القضاة الذين حاكموه، بقيود مشددة على التأشيرات، التي تسمح لهم بدخول الولايات المتحدة.
عندما تعرض “فلافيو” لاتهامات مماثلة من أعلى سلطة قضائية سارع الأمريكيون بتهريبه خارج البلاد حتى لا يلقى مصير والده.
حاول “لولا” تخفيف التوتر بزيارة البيت الأبيض، لكن دون جدوى.
كان المطلوب تغيير البوصلة السياسية كاملة وإزاحة الرجل نفسه من المشهد السياسي، أو أن تحتذي البرازيل المسارين الأرجنتيني والكولومبي في التطبيع الكامل مع إسرائيل، دون اعتبار لجرائم الإبادة الجماعية، التي ترتكبها بحق الفلسطينيين.
افتتحت- أخيرا- كولومبيا سفارة في القدس المحتلة، وبدا الرئيس الأرجنتيني إسرائيلي أكثر من “بنيامين نتانياهو”.
دعا “فلافيو” أثناء حملته الانتخابية إلى نقل السفارة البرازيلية إلى القدس، وعقد اتفاقات استراتيجية مع دولة الاحتلال في مواجهة خيارات “لولا”، التي تدعم القضية الفلسطينية وتصم الحرب على غزة بالإبادة الجماعية.
الصراع على القارة اللاتينية هو العنوان الرئيسي للانتخابات البرازيلية.
الموقف من القضية الفلسطينية عنوان رئيسي آخر.
أين نحن من ذلك كله؟!
لا شيء على الإطلاق.
لسنوات طويلة تلخصت القصة اللاتينية في الثورة الكوبية، وتصدرتها صورة “تشي جيفارا”.
لماذا عاش “جيفارا” طويلا في الذاكرة الإنسانية؟
ربما لأنه لخص في شخصه وتجربته “قوة النموذج الإنساني”، فهو أرجنتيني دعته فكرة الثورة إلى الحرب في كوبا، وعندما انتصرت غادر السلطة سريعًا.
حاول أن ينظم حروب عصابات في أكثر من بلد لاتيني، حتى استقرت به مقاديره في أحراش بوليفيا، التي لقي مصرعه فيها.
تماهت صورته الأخيرة مع فكرة “المسيح يصلب من جديد”، التي تَمثلها الروائي اليوناني “نيكوس كازنتزاكيس”، وألهمت أجيالًا متعاقبة.
أسطورته استندت على قوة النموذج الإنساني- قبل أي شيء آخر- لرجل آمن بقضيته لم يساوم عليها، وترك السلطة بمغانمها المفترضة إلى أحراش الغابات حتى مات في سبيلها.
تكاد أن تلخص صورة “لولا” الآن قضية القارة في طلب استقلال قرارها الوطني والخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية.
عمل بمقتبل عمره كـ “ماسح أحذية”، علم نفسه بنفسه، وأسس حزبًا عماليًا للدفاع عن فقراء بلاده- عن ذات القوى الاجتماعية، التي قاتل من أجلها “كاسترو” و”جيفارا” و”راؤول”.
ألهمت التجربة الكوبية حرب العصابات الثورية، وبدت نموذجًا في لحظات أخرى للتطور التقني والعلمي والطبي، غير أن التطورات التي لحقتها تجاوزت فعل السلاح إلى طلب الديمقراطية ومازجتها مع العدالة الاجتماعية ووحدة القارة وتحررها.
الخروج من التبعية الأمريكية أكثر الأفكار هيمنة على الفكرين السياسي والاقتصادي اللاتيني.
لم تكن مصادفة أن تعود أغلب إسهامات “نظريات التبعية”، التي سادت الجامعات الغربية لسنوات طويلة إلى اقتصاديين لاتينيين، كانوا كبلدانهم وأدبائهم مسكونين بوطأة الانقلابات العسكرية، التي ترعاها الاستخبارات الأمريكية، وما ترتكبه من مجازر دموية كالتي حدثت في “تشيلي” على يد الجنرال “أوجستو بينوشيه” ضد أنصار الرئيس “سلفادور الليندي”، أو بالنهب المنظم الذي ترتكبه الشركات الدولية بالتعاون مع شبكة فساد تتحكم في مقاليد السلطة.
إنه إذن التحول التدريجي البطيء الراسخ من حرب العصابات إلى الدولة الديمقراطية الحديثة.
حرب العصابات استدعتها الأنظمة الفاشية والوسائل الديمقراطية تهيأت لها ظروف استجدت مكنت اليسار اللاتيني من الوصول إلى السلطة في دول عديدة، غير أن شبح العودة إلى عصور الهيمنة والنهب ما زال ماثلا في السياسات الترامبية.
على عكس مصر، التي تراجعت أدوارها بفداحة في القارة اللاتينية، تبدو إيران متيقظة لما يحدث فيها من حوادث وتطورات، حيث دأبت خلال السنوات العشر الأخيرة على بناء شبكة علاقات واسعة وممتدة مع التجارب التحررية بالقارة.
يستلفت الانتباه في القصة اللاتينية، أن التأثير الناصري بدا عميقا في قوى اليسار التي عانت طويلًا ومريرًا من الانقلابات العسكرية، دون أن تستشعر تناقضًا، فهي تدرك أن الدور الذي لعبه الجيش المصري في “يوليو” يناقض أدوار الجيوش اللاتينية في انقلاباتها العسكرية، التي جرت باتفاقات وصفقات مع الإدارات الأمريكية لقمع شعوبها ونهب مواردها.
“لولا” تجربة فريدة في تاريخ القارة، اكتسب رمزيته من مواقفه الاجتماعية والتحررية معا.
لم يولد الاحتفاء بفوزه الصعب من فراغ تاريخ.
إنها القضية الفلسطينية.. ووحدة المصير الإنساني.
هذه هي الحقيقة، التي يجب ألا ننساها أبدا.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



