عندما سقط نظام البعث في العراق بقيادة صدام حسين 2003 لم يكن يدور في بال أكثر الأذكياء أو الأولياء قدرة على التخيل أن العالم العربي يحتاج فقط إلى عشرين عاماً حتى تكون أقوى نظم الحكم الجمهورية فيه قد تساقطت واحداً تلو الآخر.
لكن ما كان يعجز عنه الخيال قد حدث في الواقع، حدث بالفعل، فتساقطت النظم الحاكمة في تونس ثم مصر ثم ليبيا ثم اليمن ثم السودان ثم سوريا، أي تساقطت ست جمهوريات كل منها لها تاريخ، وكلها تنتمي لفصيلة الدولة الوطنية المستقلة التي أعقبت الاستقلال عن الاستعمار، وهم مع العراق يشكلون سبعة أنظمة وسبعة دول وسبعة شعوب.
ثلاثة آسيوية حيث اليمن في جنوب غرب آسيا، وحيث العراق بين النهرين، وحيث سوريا شمال غرب آسيا أو شرق المتوسط، والثلاثة في مواقع جغرافية حساسة تجعل العالم العربي في الجزيرة والخليج فوق عاصفة لا تهدأ، خاصة في وجود إيران التي تمددت في البلدان الثلاثة؛ تمددت في العراق بعدما تفكك عقب سقوط صدام حسين، ثم تمددت في سوريا من ثغرة الحرب الأهلية، ثم تمددت في اليمن من ثغرة الحرب الأهلية كذلك، مع ملاحظة أن البلدان الثلاثة لم تكن فقط مسرحاً للانقسام ولا الحرب الأهلية، لكن أيضاً كانت مسرحاً للتدخلات الإقليمية والدولية معاً، فقدت البلدان مناعتها وسقطت حصانتها فتمت استباحتها من كل الجهات سواء عربية أو إقليمية أو دولية، وسوف تظل البلدان الثلاثة قابلة للانتهاكات، ما دام بقي الانقسام في السلطة وما يترتب عليه من استقطاب اجتماعي، ثم ما يترتب على الاستقطاب من عنف مسلح أقل ما يوصف به أنه حروب أهلية منظمة يدس الخارج فيها يده وأنفه سواء بالمصالح أو التمويل أو التسليح أو الانحياز لهذا الطرف أو ذاك .
هذه الحالة في الشق الآسيوي من العالم العربي ليست بعيدة عن التناقض غير العقلاني بين: تورط باقي عرب آسيا أي عرب الخليج في صناعة المحنة التي انتهى إليها مصير كل من العراق وسوريا واليمن، عرب الخليج تنافسوا فيما بينهم في انتهاك شرف الدولة وشرف الشعب وشرف الأخوة العربية في البلدان الثلاث بالترتيب: العراق ثم اليمن ثم سوريا، تدخل عرب الخليج- بغرور المال وغشم القيادة وسطوة الإعلام والتسليح الخفي والمعلن- تدخلوا دون مراعاة لأي قيمة عربية أو إنسانية أو أخلافية، تصرفوا وفق مكيافيللية عبثية صبيانية دون أن يحذروا أو يتحسبوا لأن يكون من الوارد أن تنقلب عواقب كل تلك التدخلات عليهم وفي عقر دار كل منهم بل وفي أعز ما يملكون من عواصم ومدن ومطارات ومرافق، بل وفي جدع أنف أو خشم السيادة الجريحة في كل عاصمة خليجية. لم يضع حكام الخليج في حسبانهم أن تخريبهم الأوضاع في العراق واليمن وسوريا سوف تتسلل منه إيران ثم ينقلب التسلل إلى تطويق ثم حصار تطوقهم وتحاصرهم به إيران في البر والبحر والجو، بل كما قلت وفي عقر بيت كل منهم.
هذه وضع عربي مأساوي صنعه العرب بأنفسهم: فسقوط العراق ثم اليمن ثم سوريا هو- بالدرجة الأولى- خلاصة سياسات حكم خاطئة منذ دخلت البلدان الثلاث دوامات الانقلابات العسكرية تحت مسمى الثورات.
ثم الدور التخريبي الذي لعبته القوى الدولية والإقليمية والجوار الخليجي الذي لم يتورع عن ارتكاب كل عمل منكر سواء في العلن أو في الخفاء.
وفي الشق الإفريقي من العالم العربي تساقطت الأنظمة بالترتيب مع الطلعة الأولى لموجات الربيع العربي في تونس ثم في مصر ثم في ليبيا.
تونس ومصر فيهما تحديث قديم يعود الى القرن التاسع عشر، خديوية مصر كان يقابلهم بايات تونس وهؤلاء وأولئك وضعوا البلدين على طريق الحداثة المبكرة، من حيث تزويد جهاز الدولة ببيروقراطية فعالة قادرة على كفالة وضمان تماسك دولاب الدولة في أشد اللحظات تعرضاً لزلازل السياسة وتقلباتها، فبقيت الدولة في تونس رغم سقوط النظام، كما بقيت الدولة في مصر رغم سقوط النظام كذلك.
العكس حدث في ليبيا حيث كانت قبضة الحكم الفردي المطلق هي الأداة التي توحد ليبيا وتحفظ تماسكها، فلما اختفت هذه الأداة تجلى الانقسام الذي ربما يستغرق عقوداً من الزمن حتى يُعاد خلق ليبيا جديدة موحدة مستقرة.
أما السودان فقد تأخر في السقوط حيث استطاع الإسلاميون أن يحتفظوا بقبضتهم على مقاليد الأمور ثلاثة عقود كاملة 1989 – 2019 ثم أخيراً سقطوا بفعل ثورة شعبية، كانت أعجز من أن توفر بديل حكم ناجح لبلد صعب حقن الإسلاميون مفاصله بكل أسباب الانهيار طوال حكمهم الذي دام ثلاثين عاماً.
بين هذين الشقين المنهارين: انهيار ثلاث دول عربية في آسيا، وانهيار دولتين عربيتين في إفريقيا تقف تونس ومصر مثالين استثنائيين.
لكن بينما تونس تتنفس- بقدر من الارتياح- بين ماء المتوسط في الشمال وصحراء الجنوب، لا ينال منها كثيرا ولا يزعجها كثيرا جوراها الليبي فإن الوضع في مصر مختلف.
ليس من البلاغة اللفظية القول بأن مصر قلب العالم العربي، لكنها حقيقة سواء بالجغرافيا أو الديموجرافيا أو السياسة أو التاريخ أو التحديث أو التأثير والتأثر.
مصر تمتاز ليس فقط بأن سقوط النظام لم يترتب عليه سقوط الدولة، لكنها تمتاز بحقيقة أن الدولة فيها قديمة تستقل بوجودها عن حكامها، هي ثوابت التاريخ وهم عابرون، هي حقائق السياسة وهم طارئون، هي من الخبرة بحيث- ساعة الجد- تغمض عينيها وتتركهم يتدحرجون من فوقها الى القاع أو الهاوية دون أن يطرف لها جفن أو يهتز لها رمش أو تتحرك منها شعرة، دولة عتيدة.
لكن هذه الدولة العتيدة الآن هي اليابس الوحيد والصخرة الوحيدة والنقطة الصلبة الوحيدة بين كل جوارها العربي من شمالها وجنوبها وشرقها وغربها.
ثم هذه الدولة العتيدة لا تستطيع- بحكم الأمن والمصالح- أن تنعزل بنفسها عن هذا الانهيار الشامل منة حولها.
كما لا تملك- في الوقت ذاته- ترف أن تزج بنفسها في متاهات لا أول لها ولا آخر، فليس ثمة مخرج سهل ولا قريب لأي بلد عربي من تلك البلدان التي تغوص حتى رؤوسها في الأوحال والمستنقعات.
هذه الدولة العتيدة يلزمها أمران: تصون نفسها من أن تنزلق الى هذه الحالة العامة، تملك زمام أمرها وتستقل في قرارها وهو ما يستلزم أن تملك رغيفها وتستغني عن غيرها، فهذا هو ملاذ الأمان الأول والأخير.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



