تعتبر الديمقراطية في قيمها الأصلية وإجراءاتها المحددة محكًا لاختبار مدى تأثير الاقتصاد على السياسة، بل تتعدى ذلك في بعض المجتمعات لتصل إلى النقطة التي يمكن عندها الإجابة على تساؤل مفاده: هل يصنع الاقتصاد السياسة؟ وهل هو الذي يسير دفتها ويحدد أهدافها؟ وهذا لا يعني بالطبع التسليم بأن الاقتصاد فقط هو العنصر الفعال في تركيبة الحياة السياسية ـ الاجتماعية، لكن القول بأنه العنصر الأكثر أهمية لا يجافي الحقيقة ولا يقفز على الواقع.
وعلاقة الاقتصاد بالديمقراطية تبدأ من المنشأ وتنتهي عند صناعة واتخاذ القرارات داخل المجتمع مرورًا بتوزيع الأدوار والأنصبة أو الأوزان السياسية بين القوى، التي تزاحم أو تتنافس أو تتكتل في سبيل أن تجد لها موقعا على خريطة صنع القرار.
فمن حيث المنشأ، فإن هناك من يعيد الديمقراطية إلى جذورها الرأسمالية، باعتبار أن الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية متلازمتان، إن لم يكن في لحظة الانطلاق فعلى الأقل في اللحظة الراهنة.
وهذا الربط التقليدي بين الاثنين يستند إلى برهان تاريخي، ينزع إلى المركزية الأوروبية، وهو يقوم على أن الديمقراطية نشأت في المجتمع الأوروبي إثر انهيار الإقطاع وميلاد طبقة تجارية جديدة قادت العمل الاقتصادي، ونحتت لها أدوارًا سياسية من أجل خدمة مصالحها.
فاقتصاد السوق أوجد نمطًا من العلاقات الاقتصادية الجديدة، أنتجت بدورها شكلًا مختلفًا من المجتمعات الإنسانية، يقوم على التنافس والتعدد وتوافق المصالح، الأمر الذي تمت ترجمته في الديمقراطية كنظام سياسي.
وهناك مثال واحد، لكنه معبر إلى أقصى حد، عن هذا الارتباط التاريخي، فنشأة البرلمان في إنجلترا تكاد تكون مرتبطة بتطبيق مبدأ لا ضريبة دون تمثيل نيابي، والتي تعني أن الملك ليس من حقه أن يفرض ضرائب جديدة دون موافقة ممثلي دافعي الضرائب، وهم نواب البرلمان.
ومعنى هذا أن دافع الضريبة التي تعد تعبيرًا عن أحد مظاهر تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد، يوظف الديمقراطية السياسية في خدمة مصلحة اقتصادية، خاصة أن هذه الحقبة لم تكن تعرف كلمة مواطن Citizen التي تقوم عليها الديمقراطية الحديثة، بل كانت الكلمة التقليدية ذائعة الصيت في هذا الوقت هي دافع الضرائب، الذي كان بمثابة المادة الخام للنظام الديمقراطي الوليد.
لكن من المعروف أن وجود ارتباط بين الرأسمالية والديمقراطية لم تستقر أركانه أو يتمتع بشرعية اجتماعية ملموسة خلال الثورة الصناعية في أوروبا. ففي الولايات المتحدة وهولندا فقط كان هناك شكل من أشكال الديمقراطية التمثيلية ذات الوظائف القائمة على أساس قاعدة رأسمالية تجارية وليست صناعية.
ويصل الأمر بآلان تورين في تناوله لارتباط الديمقراطية بالتحرر الاقتصادي إلى القول بأن “اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية وجهان لعملة واحدة، لأنهما يشتركان في الحد من السلطة المطلقة للدولة”.
وليس معنى ذلك أن هناك انسجامًا كاملًا بين الاثنين، لكن يوجد على الأقل اتفاق واضح المعالم حول مصالح مشتركة، فالديمقراطية ورأسمالية السوق “تشبهان شخصين مرتبطين في زواج عاصف يمزقه التنازع، ولكنه يستمر لأن كلًا من الطرفين لا يرغب في الانفصال عن الآخر”، حسب تعبير روبرت دال.
ويبني دال حجته هذه على أن كلًا من الديمقراطية واقتصاد السوق في حاجة إلى بعضهما البعض، فالأسواق الحرة لا تريد أن تخضع لتنظيم صارم، وترفض أي إجراءات تحد من انتقال العمالة ورأس المال، ولا تقبل وصايا تمنع المستهلكين من أن يختاروا السلع التي يرغبون في شرائها، أو عقبات تحول دون وصول الموارد الأساسية إلى المصانع، أو تدخلا يحد من حرية التنافس بين المنتجين، والديمقراطية السياسية تلبي كافة هذه الاحتياجات.
في المقابل، هناك من يرى أن اقتصاد السوق يساعد أكثر من غيره على تحقيق التنمية التي تتم ترجمتها في تعزيز التعليم وزيادة درجة الاتصال الاجتماعي وسهولة تبادل المعلومات، الأمر الذي يزيد من درجة الوعي السياسي والاجتماعي لدى المواطنين بكافة حقوقهم، ومن ثم يتمسكون بالديمقراطية، إذا كانت متواجدة، وينادون بها إذا كانت غائبة.
وهذه المنفعة المتبادلة جعلت دال يقول إن الدول التي تديرها حكومات ديمقراطية تتجه إلى أن تكون أكثر رخاءً من الدول التي تقودها حكومات مستبدة، وإن خبرة القرن التاسع عشر تبين أن الأولى كانت ثرية، والثانية كانت فقيرة في الغالب الأعم.
وقد تكرست هذه الصورة في النصف الثاني من القرن العشرين، بشكل يشد الانتباه.
وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من الباحثين إلى التساؤل عما بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية من ارتباط. فتورين يرى أن “الديمقراطية والتنمية تسميتان لمسمى واحد”، ثم يعود ويوضح أن “التنمية ليست سبب الديمقراطية إنما هي نتيجة لها”.
لكن محاولة دمج المفهومين أو توحيدهما لم تلق قبولًا عامًا، بل انقسمت الآراء حولها، لدرجة اعتبار البعض أن هناك علاقة تنافر وتضارب بين الديمقراطية والتنمية، لأسباب اقتصادية وسياسية. فاقتصاديًا يرى هؤلاء أن النمو يحتاج إلى وفورات مالية تتاح للمستثمرين بما يمكنهم من إقامة مشروعات تنهض بعملية التنمية.
لكن هذه الوفورات من الممكن أن تذهب إلى الاستهلاك وليس إلى الاستثمار.
وهنا يصبح الطريق الوحيد أمام زيادة الفوائض المالية هو تقليل الإنفاق الاستهلاكي.
وتعجز الأنظمة الديمقراطية عن فرض خطوة من هذا القبيل، لأن المستهلكين في النهاية ناخبون وبإمكانهم أن يعاقبوا الساسة، الذين طالبوهم بضغط الإنفاق، في أقرب فرصة تتاح لهم من خلال صناديق الانتخابات. ومن ثم يهتم القائمون على الأمر في الأنظمة الديمقراطية بتلبية الاحتياجات قصيرة الأمد والملحة للمواطنين، وهذا توجه يضر بالاستثمار.
وسياسيًا فإن التنمية من وجهة نظر هذا الفريق، في حاجة ماسة إلى الاستقرار.
وفي ظل الدولة الديمقراطية يكون الباب مفتوحًا أمام المؤسسات والجماعات الصغيرة لتسبب إزعاجًا أو تنغيصًا دائمًا للسلطة من خلال الضغوط التي تمارسها لتحقيق مصالحها، الأمر الذي يشيع جوًا من البلبلة الاجتماعية، بما يضر بالتنمية الاقتصادية.
أما في ظل التسلطية فإن المجتمعات تستقر، ومن ثم تتفاعل عملية التنمية في هدوء وثقة.
وعلى النقيض من ذلك، هناك من يؤكد أن التسلطية تضر بعملية التنمية، لأنها تعطي الدولة صلاحيات كبيرة للتدخل في شؤون الأفراد، بما يمنع من قيام اقتصاد حر، يبني أساسًا قويًا لتنمية مستدامة.
وإذا كان التذرع بأن الإنفاق على الاستهلاك يعوق التنمية كما تقدم، فإن جزءًا كبيرًا من النفقات يذهب إلى قطاعات التعليم والصحة، وهي ضرورية لعملية التنمية، أو بمعنى أكثر تحديدًا فإنها تشكل “استثمارًا في البشر”، أي توفر الدعائم الرئيسية للتنمية، بوصف الإنسان هو صانع التنمية وهدفها في الوقت ذاته.
وفي إطار تبادل المنافع، هناك من يؤكد أن التنمية الاقتصادية عامل مسهل لقيام نظم ديمقراطية، وذلك استنادًا إلى عدة اعتبارات، منها أن التنمية الاقتصادية تقود إلى تغير في القيم المجتمعية يخدم التوجهات الديمقراطية.
فالتنمية توفر قدرة على قيام عملية تعليمية شاملة، وتعميق التعليم يُجذِر في عقول المواطنين ونفوسهم قيم التسامح والاعتدال والعقلانية واحترام الآخر.
كما أن التنمية الاقتصادية تؤدي إلى انتعاش الدخل القومي بما يحقق “الأمن الاقتصادي” للمواطنين، ويحد من “الصراع الطبقي” بينهم، بما يمكنهم من تكريس وقت أطول لبلورة رؤية سياسية ذاتية. وتبرهن تجربة بعض دول العالم الثالث على صحة هذا الرأي إلى حد كبير، فانشغال الناس بتحصيل ما يقيم أودهم، في الدول التي تحقق معدلات نمو منخفضة، يجعل العمل العام بالنسبة إليهم ترفًا لا يقدرون عليه، واحتكار السلطة الحاكمة في بعض الدول لمقدرات الثروة وتوزيعها حسب أهوائها يجعل مواطنيها يتحولون إلى مجرد رعايا لا مواطنين. وغياب المواطنة يعني في النهاية غياب الرافد الأساسي، الذي يغذي الديمقراطية ويحافظ عليها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




