بالبلدي: “زمن حاتم زهران”.. يا له من زمن طويل وممتد!

بالبلدي: “زمن حاتم زهران”.. يا له من زمن طويل وممتد!
بالبلدي: “زمن
      حاتم
      زهران”..
      يا
      له
      من
      زمن
      طويل
      وممتد!

الحقيقة الرئيسية بين يونيو (1967) وأكتوبر (1973) أن مصر كلها- لا “جمال عبد الناصر” ولا “أنور السادات”- صاحبة قرار مواصلة الحرب لإزالة آثار العدوان عليها.

في تظاهرات (٩) و(١٠) يونيو أعلن المصريون رفض التسليم بالهزيمة العسكرية، ودعوا “عبد الناصر” للتراجع عن تنحيه تحت شعار دوى في الشوارع والميادين “هنحارب”.

كان ذلك هو التأسيس الحقيقي لإعادة بناء القوات المسلحة من جديد استعدادا لتحرير سيناء المحتلة بقوة السلاح ونقد مواطن الخلل في التجربة كلها، التي أقدم عليها “عبد الناصر”، وكلها موثقة لمن يريد أن يطل عليها.

في عام (١٩٦٨) أعلنت أجيال ما بعد الهزيمة عن حضورها فوق مسارح التاريخ، تطلب المشاركة السياسية، تؤكد إرادة القتال وتدعو إلى جبهة داخلية متماسكة لا تفسح مجالا للصوص المال العام والمتسلقين على أكتاف السلطة.

لم تكن مظاهرات (١٩٦٨) مجرد احتجاج على الأحكام المخففة بحق بعض المتسببين في الهزيمة، وإلا ما امتدت حتى (١٩٧٧) بلا انقطاع تقريبا، رغم التغييرات العميقة في بنية الحكم بعد رحيل “عبد الناصر” (١٩٧٠) وأحداث مايو (١٩٧١)، التي سيطر “أنور السادات” بعدها على مقادير السلطة العليا، وتناقضت السياسات مع ما كان قبلها.

كانت صدمة الهزيمة داعية ـ بذاتها ـ إلى مراجعة شاملة للعيوب والثغرات في نظام الثورة، التي سمحت أن تقع على هذا النحو المروع.

أفضل تعريف لحركة (١٩٦٨) أنها مخاض ميلاد وليست الميلاد نفسه، الذي انتظر أربع سنوات حتى استبانت ملامحه في (١٩٧٢).

ذات مرة قال “عبد الناصر” في خطاب مفتوح: “إن هذا الجيل من شعب مصر على موعد مع القدر”.

كان ذلك صحيحا بأكثر مما قدر، لكن الأقدار اختلفت طبيعتها بعد هزيمة يونيو، وما بعد رحيله من انقلابات استراتيجية وسياسية واجتماعية.

الجيل الموعود بثمار الثورة كان هو نفسه الجيل الموجوع بالهزيمة.

تحت ظلال الهزيمة ولد جيل مصري جديد، تظاهر واحتج على الأسباب التي أدت إليها.

تبنى تعبئة موارد الدولة من أجل الحرب وناهض أوجه الخلل في الجبهة الداخلية حتى يكون رد اعتبار البلد ممكنا ومستحقا.

إنه جيل السبعينيات، الذي تبلورت شخصيته وتوجهاته بالتظاهرات الطلابية عامي (1972) و(1973) وما يزال عطاؤه ممتدا حتى اليوم.

رمزت شخصية “عادل” طالب الثانوي في المسلسل التلفزيوني الطويل “القاهرة والناس” من إخراج “محمد فاضل”، إلى بداية نشأة الجيل الجديد، جيل الثورة وجيل الهزيمة وجيل الحرب، أفكاره وأحلامه، إحباطاته ومخاوفه.

بدأ بث ذلك المسلسل بعد وقت قصير للغاية من الهزيمة العسكرية.

هذا لافت بذاته.

كاد الفنان “نور الشريف” أن يتماهى مع شخصية “عادل”.

كلاهما شاب حول العشرينات يعاني صدمة الهزيمة، ينتسب إلى ثورة يوليو ويعلن أنه “ناصري” دون تنازل عن حقه في نقد تجربتها.

“نور” من أبناء أكثر الأحياء المصرية شعبية وعراقة “السيدة زينب” من أسرة بسيطة لم يتنكر لأصوله ولا ادعى غير حقيقته.

و”عادل” من أبناء “العباسية”، أحد أحياء الطبقة الوسطى في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي.

هناك فارق جوهري على المستوى الوجداني بين جيلين متعاقبين.

الذين عاشوا الحلم الناصري بعضهم لم يستطع أن يتحمل وطأة انكساره.

كان “صلاح جاهين” مثالا تراجيديا، فقد أصيب باكتئاب حاد.

والذين اكتسبوا وعيهم السياسي بعد الهزيمة رفضوها ونقدوا أسبابها ودفعوا فواتير الدم على جبهات القتال قبل أن يعودوا ليجدوا ثمارها قد ذهبت لغير أصحابها.

لم تكن مصادفة أن أغلب الأعمال السينمائية، التي قدمت نقدا مباشرا لنتائج الانفتاح الاقتصادي وإهدار تضحيات المقاتلين في حرب أكتوبر، تصدرها “نور الشريف”.

بقدر الموهبة الاستثنائية لـ”نجيب محفوظ” في التقاط الشخصية الدرامية من قلب التحولات الاجتماعية بدا “زعتر النوري” في “أهل القمة” تمثيلا من لحم ودم لبداية “عصر اللصوص”.

بصورة أكثر تأثيرا أدى “نور” دور “حسن سلطان” في “سواق الأتوبيس”.

كان ذلك الشريط السينمائي وثيقة إدانة بلغة فنية لا ادعاء فيها لعصر كامل انقلبت فيه موازين القيم، وبدت الحالة الأخلاقية والاجتماعية في انكشاف غير مسبوق.

بالقرب من هذه المنطقة المهجورة عرت أعمال سينمائية أخرى خيانة المثقفين، الذين تواطأوا على أية قيمة للعدل الاجتماعي مثل “البحث عن سيد مرزوق” من إخراج “داود عبد السيد”.

كان “يوسف كمال” هو هذا الخائن.

بالقدر نفسه أدان فيلم “زمن حاتم زهران” من تأليف “عبد الرحمن محسن” وإخراج “محمد النجار” ما جرى لمصر بعد الحرب.

ضاعت معاني التضحية بالدم على جبهات القتال وانتصر الزاحفون بسطوة المال.

فيلم “كتيبة الإعدام” من تأليف” أسامة أنور عكاشة” وإخراج “عاطف الطيب”، تعبير مباشر عن زواج الرأسمال الطفيلي مع خيانة دم الشهداء.

كان ذلك الفيلم بالذات هو الصياغة الدرامية لسردية الربط بين لصوص الانفتاح الاقتصادي وخونة الدم، الذي بُذل على جبهات القتال.

وفيلم “ناجي العلي”، الذي جلب حملة صحفية غير منصفة وغير أخلاقية فرضت ما يشبه الحصار الكامل على أعمال “نور الشريف” ترجمة فنية لعمق التزامه بالقضية الفلسطينية. 

بالتعبير الفني فإن التناقض وصل مداه.

وبالتعبير التاريخي فقد ولد جيل جديد من قلب تجربة الحرب والانقلاب على مشروع “عبد الناصر”.

شابت تجربة السبعينيات مرارات لا شك في عمقها الوجداني، لكنها لم تكسر إرادته.

المفارقة الكبرى في القصة كلها أن زمن “حاتم زهران”، رغم كل المواجهات والانتفاضات التي جرت، ما يزال حاضرا وممتدا، بخياراته وسياساته وتنكره لكل معنى حلم به وقاتل من أجله المصريون ذات يوم.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: جامعة عين شمس في قلب حوار الذكاء الاصطناعي بمنتدى تحديث دول الجنوب العالمي 2026
التالى المركز الإعلامي لمجلس الوزراء: معدلات الإصابة بـ ”سوسة الطماطم” تقع ضمن الحدود الطبيعية.. ولا صحة لانتشارها بنسبة ٧٠٪ في المحصول

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay
إعلان 1
إعلان 2