يعد مصطلح الضرائب الخضراء جديداً في مصر، لكنه يفرض نفسه اليوم على صادراتها، فقد بدأ الاتحاد الأوروبي تطبيق آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) التي تُحمّل المستورد كلفة الانبعاثات الناتجة عن تصنيعه، وتشمل الحديد والصلب والأسمنت والألومنيوم والأسمدة والكهرباء.
وتمثل أوروبا الوجهة الأولى لهذه الصادرات المصرية، إذ استقبل الاتحاد الأوروبي نحو ثلثي صادرات الألومنيوم وأكثر من 60% من صادرات الحديد والصلب.
في المقابل، لا يزال النظام الضريبي المصري بلا ضريبة بيئية، ويعتمد على غرامات محدودة لا تطال معظم المنشآت الملوثة، بل يمنح تسهيلات ضريبية لبعض الأنشطة التي قد تكون ملوثة.
ويأتي ذلك بينما تدرس الحكومة إصدار تشريع للضريبة، ويجري الاستعداد لعرض مشروع قانون لـ«تنظيم وحوكمة الكربون في مصر» على مجلس النواب.
أوروبا تبدأ حساب الانبعاثات
بعد أن فرض الاتحاد الأوروبي على المصدرين المصريين ومنتجاتهم المصدرة إلى الأسواق الأوروبية ضرائب بيئية، تلتزم الشركات المصرية من يناير 2024 بتقديم إقرار ربع سنوي إلى المفوضية الأوربية، ويجب أن يشير على وجه الخصوص إلى كمية ثاني أكسيد الكربون المنبعثة أثناء عملية إنتاج البضائع الخاضعة لنظام CBAM على واردات الحديد والصلب والأسمنت والألومنيوم والأسمدة والكهرباء، كجزء من استراتيجية لإزالة الكربون.
وهذه الضريبة الجديدة ستؤثر على العديد من الصناعات المصرية المصَدرة، إذا لم تعمل الشركات على إزالة الكربون من منتجاتها.
ويجري تطبيق الضريبة من العام الجاري، مع حد أدنى للإعفاء لتقليل العبء على الشركات الصغيرة، ولكن بحلول عام 2034 سيتم التطبيق بشكل شامل بنسبة 100% دون أي استثناءات.
وبحسب الاتحاد الأوروبي سيجري ضم المزيد من المنتجات تدريجياً إلى الآلية، وسيُتخذ قرار بشأن تضمين البوليمرات والمواد الكيميائية العضوية فيها.
ويهدف الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030 إلى تضمين جميع السلع التي يغطيها نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد، حيث صدرت مصر 60% من الأسمدة عام 2021 إلى دول الاتحاد، وتضاعفت الكميات على خلفية عقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على روسيا.
مصر: ضريبة غائبة ومشروع ينتظر
في مصر هناك مطالبات بأن تطبق الحكومة ضريبة الكربون كأحد عناصر الضرائب البيئية؛ كي لا تتأثر سلباً منتجاتها وصادراتها.
وعلى الرغم من أن صحيفة «البورصة» نشرت سابقاً أن الحكومة تعكف على إعداد مشروع قانون لـ«ضريبة الكربون»، وذلك لتقديمه لمجلس النواب فور الانتهاء من صياغته، فإنه لم يظهر للنور حتى الآن، ونُقل عن مصادر أن الحكومة ستدرس أشكال الضرائب الخضراء التي تزيد فاعلية تسعير الكربون وتسهم في خفض الانبعاثات.
وتسعى مصر للحصول على تمويل من صندوق الصلابة والمرونة لمكافحة التغيرات المناخية بقيمة مليار دولار. وبحسب جريدة «الشروق»، فإن النائب أحمد فايد يعتزم تقديم مشروع قانون جديد بعنوان «تنظيم وحوكمة الكربون في مصر» إلى مجلس النواب خلال دور الانعقاد الثاني المقرر في أكتوبر 2026، بعد جمع توقيع 60 نائباً.
ما هي الضريبة الخضراء؟
انتشر مصطلح الضرائب البيئية في تسعينيات القرن الماضي، ويعني أموالاً تقتطعها الحكومات إجبارياً، وتُفرض على قاعدة ملائمة ذات صلة بالبيئة، وتتضمن منتجات الطاقة والوقود الأحفوري والكربون والمركبات الآلية وتلويث المياه وإهدارها والانبعاثات والنفايات الملوثة للبيئة واستهلاك الموارد الطبيعية، وذلك وفقاً لتعريف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) وهي تشمل الإيرادات ومعدلات الضرائب والإعفاءات المرتبطة بالبيئة.
وأشارت العديد من الاتفاقيات الدولية إلى أهمية دور الضرائب الخضراء كأفضل وسيلة معاصرة لحماية البيئة والحد من التلوث، وهي من أقوى الأدوات التي تؤثر على سلوك الملوثين وأصحاب الأعمال والاستثمارات ذات الأثر البيئي الضار، من خلال فرض رسوم ضريبية بنسبة أعلى من المعدلات الطبيعية على الصناعات أو الاستخدامات الفردية لإحدى المواد الملوثة للبيئة، وذلك للحد من الاستخدامات الملوثة.
وتعمل الضرائب الخضراء على تحميل المتسبب في التلوث فاتورة تلويثه للبيئة وتسببه في التغير المناخي.
على جانب آخر، تمثل الضريبة البيئية أداة اقتصادية فعالة لخلق اقتصاد أخضر على المدى المتوسط والطويل، من خلال استثمار عائداتها في مشاريع تنموية في مجالات الطاقة المتجددة والمشاريع المتنوعة الصديقة للبيئة، وهو ما ساهم في تطوير اقتصاديات العديد من الدول من خلال ضمان حماية الموارد الطبيعية بشكل مستدام.
ومع طرح مفهوم الضرائب البيئية يمكن تحقيق نمو اقتصادي وبيئي إيجابي يعود على المواطن وموارد الدولة الاقتصادية بفوائد كبيرة، عن طريق إعادة هيكلة المنظومة الضريبية.
وبحسب دراسة نشرها المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، فإن ضرائب الكربون تتحدد بواسطة الحكومات أو الأسواق، وتغطي تلك الضرائب جزءاً محدداً من إجمالي انبعاثات الدولة، مع تركيز الرسوم على المرافق التي تنتج الانبعاثات، إذ تتخذ بعض الأسعار شكل ضريبة، أو رسم يُفرض على كل طن من ثاني أكسيد الكربون المنبعث.
وقد تُستخدم الإيرادات المجمعة من الضرائب على الكربون لأغراض محددة مسبقاً، ففي كولومبيا البريطانية تُستخدم عوائد ضريبة الكربون لدعم الأسر، والحفاظ على تنافسية الصناعة، وتشجيع الاستثمارات الخضراء.
كما يستخدم الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 40 مليار يورو (43 مليار دولار أمريكي) من عوائد الضريبة الكربونية لصندوق الابتكار لتمويل تطوير التقنيات الجديدة والمشاريع الكبرى.
تكلفة التلوث
احتلت القاهرة المركز الثاني بين 48 مدينة في تلوث الهواء المحيط ضمن دراسة لمنظمة الصحة العالمية في 2016.
وحسب تقرير للبنك الدولي، شهدت القاهرة الكبرى عام 2017 ما يصل إلى 12.6 ألف حالة وفاة مبكرة؛ بسبب تلوث الهواء، ووفقاً لتقديرات البنك تبلغ تكلفة تلوث الهواء نحو 5% من الناتج القومي الإجمالي، ما يعادل 2.42 مليار دولار سنوياً.
وهناك قطاعات تشكل خطورة بالغة على الصحة، بسبب التعرض للمواد الكيميائية السامة والكيماويات الزراعية والمبيدات.
ووفقاً لوزارة البيئة، فإن لدى مصر 40 مليون طن سنوياً من المخلفات الزراعية، وتشكل الملوثات العضوية الثابتة خطورة، خاصة على الصحة والبيئة.
وتشكل هذه الملوثات نحو 2250 إلى 4600 طن من مبيدات الآفات المتقادمة، كما تمثل حوالي 40% من الملوثات الناتجة عن تشغيل 100 ألف محول كهربائي في البلاد.
ويبلغ إجمالي عدد الشركات العاملة في صناعة الأسمنت في مصر 19 شركة، بحجم استثمارات أكثر من 225 مليار جنيه، وتبلغ الطاقة الإنتاجية 82.5 مليون طن في عام 2020، كما يوجد 33 مصنعاً لصناعة السيراميك، حسب البنك الدولي، وهذه الصناعات من الأشد خطورة وتلويثاً للبيئة والهواء المحيط.
وتحاول العديد من الدول المتقدمة نقل هذه الصناعات، خاصة الأسمنت والسيراميك، إلى الدول النامية التي تدفع فاتورة باهظة لملوثات تلك الصناعات دون تحصيل عائدات ضريبية لمعالجة تلك الآثار، بل إن بعضها يحصل على إعفاءات ضريبية تحت مسمى تشجيع الاستثمار.
ومن أهم القطاعات التي تحتاج لتطبيق الضرائب البيئية قطاع الكيماويات، فوفقاً لوزارة التجارة والصناعة المصرية بلغ عدد الشركات العاملة في هذا المجال 9463 شركة ومصنعاً باستثمارات 32 مليار دولار سنة 2022، وبلغ عدد المسجلين بقطاع البناء والصناعات المعدنية 3907 باستثمار 114 مليار جنيه، ودباغة الجلود 200 ألف مدبغة، الأمر الذي يتطلب رقابة بيئية صارمة على ملوثات تلك الصناعات وحجم الانبعاثات، سواء الكربونية أو الغازات، وطرق الصرف الصناعي، وبالأساس أن تفرض الحكومة ضريبة على الملوث ليدفع ثمن تلويثه للبيئة والصحة العامة.
في هذا السياق، تعد الضرائب البيئية أداة فعالة للسيطرة على أزمة البلاستيك، حيث تعتبر مصر أكبر ملوث بالبلاستيك في الشرق الأوسط وإفريقيا، وفق دراسة نشرت بمجلة «ساينس» العلمية وتناولها موقع فرانس 24.
وتُصرف نفايات البلاستيك، التي تصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين طن سنوياً في مصر، في مكبات غير قانونية منها النيل والبحر المتوسط، وتحوي ثلاثة أرباع الأسماك التي يتم اصطيادها في القاهرة جزيئات صغيرة جداً من البلاستيك.
وتصل تكلفة التقاعس المتوقعة بحلول عام 2040 عن إزالة آثار هذا التلوث إلى 43 مليار دولار حسب منظمة جرينبيس الشرق الأوسط وإفريقيا، ما يتطلب إجراءات صارمة، وفرض عقوبات مالية وضريبية على تلك الصناعات.
كيف تنجح الضريبة البيئية؟
يرى الدكتور حمدي الهنداوي في بحثه «الضرائب البيئية كمدخل معاصر لتطوير النظام الضريبي المصري» أن الإصلاحات الضريبية جاءت دون المرجو منها، خاصة فيما يتعلق باعتبارات العدالة ووفرة الحصيلة وتوسيع القاعدة الضريبية، وتعتبر الضرائب الخضراء مدخلاً لتطوير النظام الضريبي وزيادة كفاءته من حيث العدالة والكفاءة والنمو وتقليل سلبياته.
ومن أهم شروط تطبيق تلك الضريبة أن تحل محل الضرائب على دخل العمل ورأس المال لتخلق حافزاً أمام العمل والاستثمار، وأن تُطبق بعد إعلانها مباشرة، وتكون شاملة تغطي كافة مصادر التلوث في كل الصناعات، ويكون سعرها مرتفعاً ليعطي مؤشراً للملوثين لتغيير سلوكهم.
كما يجب أن تتناسب مع مقدار الضرر الذي يسببونه.
ومن الممكن أن تسترشد مصر بتجارب دول عديدة حققت نتائج كبيرة، مثل دول الاتحاد الأوروبي التي حققت ضرائب بيئية قدرها 330.06 مليار يورو خلال عام 2019، مثلت 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما حققت الهند 18% وأوغندا 15% وتركيا 16%، وحققت إستونيا ولاتفيا وكوريا 11% من الإجمالي الضريبي.
وقد أوصى محمد دياب، الباحث بمصلحة الضرائب المصرية، في دراسته حول نظام مقترح للضرائب البيئية بهدف تقليل التلوث والمساهمة في التنمية المستدامة، بضرورة تنظيم تشريع ضريبي بيئي يضمن فرض ضريبة بيئية على المصانع والشركات الصناعية الملوثة التي لا تلتزم بالمعايير والاشتراطات البيئية، مع إلزام هذه الشركات بقواعد الحفاظ على البيئة وإنشاء وحدات معالجة للنفايات وقياس نسب التلوث دورياً لتجنب تحمل ضريبة بيئية تصاعدية.
وأشار إلى أهمية التوسع في إقرار حوافز ضريبية بيئية للمنشآت الصناعية غير الملوثة لحث باقي المنشآت على الالتزام، واستخدام حصيلة الضريبة البيئية في الإنفاق على البنية التحتية المستدامة والمشروعات القائمة على حماية البيئة، مع ضرورة التوعية بهذا النوع من الضريبة وتهيئة الرأي العام وإجراء مناقشات واسعة حولها، والتنسيق المستمر، خاصة بين مصلحة الضرائب ووزارة البيئة.
وأخيرا فلا تقتصر أهمية تفعيل الضرائب الخضراء على المنفعة الاقتصادية، بل تمتد إلى تقليل كلفة التلوث، وقد باتت مناقشة إقرار قوانين للضرائب البيئية أمراً ملحاً لما تمثله من تطور للنظام الضريبي ومصدر تمويل لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، لتحسين معيشة المصريين وتوفير بيئة صحية والحد من التلوث وتعزيز الاقتصاد.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



