بالبلدي: رد الاعتبار لفكرة الشعب

بالبلدي: رد الاعتبار لفكرة الشعب
بالبلدي: رد
      الاعتبار
      لفكرة
      الشعب

مِصْرُ قديمُها وحديثُها بناها المصريون. والمصريون قديمُهم وحديثُهم تَحَمَّلُوا وما زالوا يَتَحَمَّلُون تمويل دولاب الدولة ونفقاتها، وتمويل رفاهية طبقات الحكام، تمويل بَغْدَدَة ذوي الحظوة والامتيازات من الطبقات القريبة أو المقربة من الحكام. المصري- بطبيعته- مُمَوِّلٌ لِرَغَد العيش الذي يحظى به سادَتُه من الحكام لهذا كانت المعادلة الاجتماعية المستقرة يمكن إيجازُها في كلمتين: شعبٌ فقيرٌ وحُكَّامٌ أغنياء، مساكن الشعب من كهوف أو جُحور أو قبور، بينما مَقارُّ الحُكم قُصورٌ فارهة فخيمة.

لو قَرَأت روايات توفيق الحكيم مثل عودة الروح الصادرة 1933 ثم يوميات نائب في الأرياف فسوف تقف على الحقيقة وقد رسمها بدقة ومصداقية وأمانة رفيعة المستوى. هذا معناه أنه حتى وقت قريب- أقل من مائة عام- كانت أغلبية المصريين تسكن الريف، وتعمل بالزراعة، وكانت هذه الأغلبية تشقى طول النهار في الحقول، ثم تبيت آخر الليل مع بهائمها وحميرها تحت سقوف واهية بين جدران من طين أوهى وأضعف من سقوفها.

ثم كان عَرَق وكدح هذه الأغلبية يذهب إلى طبقتين: طبقة الحكام، طبقة المحظوظين من كبار الملاك ورجال الدولة. وفي النهاية كانت هذه الأغلبية تعيش على الكفاف، فقط ما يقيم صُلبَها حتى تستمر محنية الظهر الليل والنهار تشقى وتزرع وتحصد، ثم تسلم محاصيلها لدولاب الدولة الذي تحركه غريزة امتصاص أكبر قدر ممكن من أموال الشعب. يتغير القائمون على دولاب الدولة، وكذلك يتغير السادة الحكام، وكذلك تتغير طبقات المحظوظين والمُمَيَّزين، لكن تبقى المعادلة قائمة: شعب يشقى ليمول رفاهية حكامه والذين معهم والذين من حولهم.

فإذا رأيتَ مصر من قُصور الحكام فهي جَنَّةُ نعيم وارفة الظلال، وإذا رأيتَها من زاوية الشعب فهي دار شقاء موصول ومعاناة دائمة وبؤس مستقر وتعاسة متوطنة.

حاول الشعب أن ينفض عن نفسه هذه المعادلة الظالمة ثلاث مرات في: 1919، 1952، 2011.

  1. في ثورة 1919 حاول الشعب أن يخلق لنفسه هوية وطنية تتم ترجمتها في استقلال وطني وحكم دستوري، ثم الاستقلال الوطني والحكم الدستوري تتم ترجمتهما في حقوق مدنية وحريات عامة وعدالة اجتماعية، أنجز المصريون في العقود الثلاثة ما استطاعته النخبة القائدة من أصحاب المصالح من كبار الملاك، لكن الثورة ودستورها وطبقتها وأحزابها وصلت بعد ثلاثة عقود إلى طريق مسدود، فقدت الطبقة جدارتها للقيادة سواء الملك أو الوفد أو أحزاب الأقلية. ظلت النخبة- أغلبية وأقلية- تتفاوض مع الاحتلال على الجلاء واستكمال الاستقلال ثلاثين عامًا أو أكثر دون جدوى، كانت حكومة الوفد الأخيرة من يناير 1950 إلى يناير 1952 ذروة الحقبة ونهايتها معًا، بلغ الوفد قمة تطوره النضالي بإلغاء معاهدة 1936 فأزاح الغطاء الشرعي عن وجود قوات الاحتلال، فاندلعت حركةُ الكفاح المسلح إعلانًا أكيدًا عن انتهاء ثورة 1919 ومنهجها التفاوضي في السعي للاستقلال.

لم يكن الوفد فقط- كقائد للحركة الوطنية هو من وصل إلى طريق مسدود، كانت طبقة الحكم بكل أطيافها تواجه المصير ذاته إذ تناوبت خمس حكومات في ستة أشهر، واحدة منها حكمت ثمانية عشر ساعة، النظام الممثل لثورة 1919 كان يتحطم على مرأى ومسمع من التاريخ، كان النظام من الهوان والضعف والاهتزاز بحيث ينتظر اثنى عشر ضابطًا من صغار الرتب في الجيش المصري لإزاحته بأيسر ما يكون دون ممانعة منه ولا مقاومة، إذ كان قد اضمحل اضمحلالًا كاملًا بالمعنى الفلسفي التاريخي لكلمة الاضمحلال: عاجز عجزًا تامًا عن القيام بمهماته والاستجابة لما يواجهه من تحديات.

  • ثورة 23 يوليو 1952 كانت في- لحظتها- في موقعها الصحيح تمامًا من حركة التاريخ، كانت عُصارة الفكر الوطني المصري في ذاك الوقت، لهذا حظيت بترحيب كل المصريين على اختلافهم، وهذا ما أمكنها من أن تُزيح النظام القديم بكل مكوناته وتوابعه في سهولة ويسر، ثم مَهَّد لها الطريق لبناء نظامها السياسي الذي هو: هراوة غليظة، مُعَلَّق بها فكرة، والفكرة تترجم نفسها في وعود منها الكاذب ومنها الصادق.

الثابت في نظام يوليو منذ ذاك التاريخ حتى يومنا هذا هو الهراوة الغليظة، أما الفكرة وما يُبْنَى عليها من وعود فقد تغيرت عدة مرات من النقيض إلى النقيض ذات اليمين وذات اليسار.

وما زال هذا هو الحال تتغير أفكار الأنظمة المتعاقبة على مسار يوليو، كما تتغير الانحيازات الاقتصادية والاجتماعية، كما تتغير واجهات ودهانات وأشكال الأنظمة، لكن تبقى الهراوة ثابتة تكبر ولا تصغر وتشتد ولا تضعف وتغلظ ولا تهزل وتضرب فلا ترحم.

ما يجمع بين الثورتين في 1919 ثم 1952 أن: العقود الثلاثة التي أعقبت الأولى كانت الأعظم من حيث أنها استخرجت من المصريين أحسن ما فيهم، ثم العشرين عامًا التي أعقبت الثانية كانت الأعظم من حيث تمكين فقراء المصريين من ركوب مصاعد الحراك الاجتماعي بدفع من الدولة لأول مرة في تاريخهم.

3- ثم جاءت لحظة 25 يناير 2011 كومضة فارقة في تاريخ الشعب المصري، لكنها ما أومضت ثم أبرقت ثم أضاءت حتى اهتزت في يد الريح ثم همدت ثم خمدت ثم انطفأت، صعدت معها مطامح الشعب سريعًا في عنان السماء ثم هوت بأسرع مما توقع الجميع حتى نزلت في قاع سحيق.

وهذا هو موضوع مقال الأربعاء المقبل.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أسعار الفاكهة اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026 في الأسواق.. الموز بكام
التالى الفضة الآن.. اعرف سعر الجرام والأوقية في مصر اليوم 25 سبتمبر 2026

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay
إعلان 1
إعلان 2