في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر، لا يعود السؤال الحقيقي هو متى رحل الرجل، وإنما لماذا لم يرحل من الذاكرة العربية رغم مرور خمسة عقود ونصف على غيابه؟
عبد الناصر رحل في سبتمبر 1970، وهو لم يتجاوز الثانية والخمسين من عمره، لكن السنوات التي مرت بعد رحيله لم تستطع أن تضع تجربته في مكانها الطبيعي داخل كتب التاريخ فقط.
فكلما دخلت المنطقة العربية في أزمة كبرى، عاد اسمه إلى الواجهة، وكلما تصاعد الحديث عن استقلال القرار الوطني والسيادة والدور المصري والقومية العربية، ظهر عبد الناصر من جديد وكأن الرجل لم يغادر المشهد تمامًا.
وهنا تكمن المفارقة.
فالتاريخ لا يعيد الشخصيات كما كانت، لكنه يعيد إنتاج الأسئلة التي واجهتها تلك الشخصيات.
عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس حكم مصر في مرحلة محددة، وإنما ارتبط في الوعي الشعبي العربي بمجموعة من الأفكار التي تجاوزت حدود فترة حكمه.
فكرة الدولة الوطنية القادرة على اتخاذ قرارها، وفكرة العدالة الاجتماعية، وفكرة الدور الإقليمي لمصر، وفكرة أن الأمن القومي المصري لا ينفصل بصورة كاملة عن محيطه العربي.
ولهذا فإن حضوره اليوم لا يرتبط فقط بصورته أو بخطبه أو بالمناسبات التي تستعيد ذكراه، وإنما يرتبط بأسئلة ما زالت مطروحة حتى الآن.
من يملك القرار؟
كيف تحافظ الدولة على استقلالها وسط صراع القوى الكبرى؟
كيف تحمي الدولة أمنها القومي في منطقة تتغير خرائطها باستمرار؟
وما هو الدور الذي تستطيع مصر أن تلعبه في محيطها العربي والإقليمي؟
هذه الأسئلة لم تنته برحيل عبد الناصر، بل أصبحت في بعض جوانبها أكثر تعقيدًا.
كان مشروع عبد الناصر قائمًا على تصور يرى أن مصر لا تستطيع أن تنظر إلى أمنها القومي بمعزل عن العالم العربي، وأن موقعها الجغرافي في قلب المنطقة يمنحها مسؤولية ودورًا يتجاوزان حدودها السياسية.
وهذه النقطة تحديدًا تعيدنا إلى الجغرافيا السياسية.
فمصر ليست مجرد دولة تقع في شمال شرق إفريقيا، وإنما دولة تلتقي عندها دوائر عربية وإفريقية ومتوسطية وبحرية.
قناة السويس تربط الشرق بالغرب، والبحر الأحمر يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن المصري، والحدود الغربية والجنوبية والشرقية تجعل ما يحدث في ليبيا والسودان وفلسطين والبحر الأحمر جزءًا من حسابات الأمن القومي المصري.
ولذلك فإن الحديث عن عبد الناصر يعود في كل مرة يعود فيها الحديث عن الدور المصري.
قناة السويس واحدة من أهم الأمثلة.
فتأميم القناة لم يكن في الذاكرة المصرية مجرد قرار اقتصادي، وإنما ارتبط بفكرة السيادة الوطنية واستعادة السيطرة على أحد أهم المواقع الجغرافية والاستراتيجية في العالم.
ثم جاء السد العالي ليصبح رمزًا آخر للدولة التي تريد أن تمتلك أدوات التنمية والتحكم في مواردها.
كما ارتبطت تجربة الإصلاح الزراعي والقطاع العام والعدالة الاجتماعية بصورة دولة حاولت إعادة توزيع جانب من الثروة والسلطة الاقتصادية والاجتماعية.
لكن التعامل مع تجربة عبد الناصر يحتاج أيضًا إلى قدر من الموضوعية التاريخية.
فالرجل لم يكن فوق النقد، وتجربته لم تكن خالية من الأخطاء، كما أن سياساته الداخلية والخارجية وقراراته الاقتصادية والعسكرية والسياسية ما زالت موضع نقاش بين المؤرخين والباحثين.
لكن تقييم التجربة التاريخية شيء، وفهم استمرار حضور صاحبها في الذاكرة الشعبية شيء آخر.
وهنا تظهر جنازة عبد الناصر باعتبارها لحظة كاشفة.
فالملايين الذين خرجوا إلى الشوارع في سبتمبر 1970 لم يكونوا جميعًا يخرجون لتوديع رئيس جمهورية بالمعنى السياسي الضيق، وإنما كانوا يودعون مرحلة كاملة ارتبطت عند قطاعات واسعة منهم بفكرة الدولة القوية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية والحضور العربي لمصر.
ومن هنا جاءت العبارة التي ظلت تتردد بعد رحيله عن الهرم الرابع.
سواء اتفقنا مع التعبير أو اختلفنا معه، فإن دلالته تكشف شيئًا مهمًا.
عبد الناصر تحول من شخص إلى رمز.
والرمز يعيش أحيانًا أطول من صاحبه.
لكن السؤال الأهم اليوم ليس هل كان عبد الناصر ناجحًا في كل ما فعل أم أخطأ في بعض قراراته، وإنما لماذا ما زالت القضايا التي ارتبط بها حاضرة؟
عندما تتعرض المنطقة العربية لأزمات متلاحقة، من فلسطين إلى البحر الأحمر، ومن اليمن إلى السودان وليبيا، ومن أمن الخليج إلى التنافس الدولي على الممرات البحرية ومصادر الطاقة، يعود النقاش حول معنى الأمن القومي العربي.
وعندما تتحول المنطقة إلى ساحة تنافس بين القوى الدولية والإقليمية، يعود السؤال عن استقلال القرار الوطني.
وعندما تصبح الممرات البحرية والموانئ والمواقع الاستراتيجية جزءًا من الصراع الدولي، تعود أهمية الموقع الجغرافي لمصر، وتعود معه أسئلة الدور المصري التي ارتبطت تاريخيًا بمرحلة عبد الناصر.
وهنا لا ينبغي أن نفهم الحضور الناصري باعتباره دعوة إلى استعادة الماضي بحذافيره.
فالعالم تغير.
النظام الدولي تغير.
طبيعة الاقتصاد تغيرت.
وسائل الحرب تغيرت.
القوى الدولية والإقليمية تغيرت.
حتى مفهوم القوة نفسه لم يعد قائمًا فقط على الجيوش والسلاح، وإنما أصبح مرتبطًا بالتكنولوجيا والاقتصاد والطاقة والموانئ والممرات البحرية والقدرة على التأثير السياسي والإعلامي.
لكن بعض المبادئ الكبرى لا تزال مطروحة.
السيادة.
استقلال القرار.
حماية الأمن القومي.
امتلاك عناصر القوة.
والحفاظ على الدور الإقليمي للدولة.
وهذه هي النقطة التي تفسر لماذا يظل عبد الناصر حاضرًا في النقاش العام بعد 56 عامًا من رحيله.
فالرجل لم يعد موجودًا لكي يدافع عن تجربته، لكن القضايا التي ارتبط بها ما زالت موجودة.
ولهذا فإن عبد الناصر بالنسبة إلى قطاع من المصريين والعرب ليس مجرد ذكرى تاريخية، وإنما مرآة يقيسون من خلالها بعض التحولات التي شهدتها المنطقة.
هناك من يرى في تجربته نموذجًا للسيادة والاستقلال والعدالة الاجتماعية، وهناك من ينتقد جوانب أخرى من التجربة، وبين الرؤيتين تبقى الحقيقة الأهم أن تأثيره التاريخي لم ينته بوفاته.
وربما لهذا السبب تحديدًا يعود اسمه كلما اشتعلت المنطقة.
فحين تُطرح قضية فلسطين، يُستدعى الدور المصري.
وحين تتصاعد أزمات البحر الأحمر، يُستدعى الموقع المصري.
وحين تصبح قناة السويس في قلب التوترات الدولية، تعود إلى الذاكرة لحظة تأميمها.
وحين يعود الحديث عن الأمن القومي العربي، يظهر اسم الرجل الذي حاول طوال سنوات حكمه أن يجعل من مصر مركزًا سياسيًا في محيطها العربي.
إنها ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي عودة إلى الأسئلة.
وهذه هي قوة التاريخ الحقيقية.
فالشخصيات التاريخية لا تبقى حاضرة لأن صورها معلقة على الجدران، وإنما لأنها تركت وراءها أسئلة لم تجد الأجيال اللاحقة إجابات نهائية عنها.
عبد الناصر غاب عن الدنيا منذ 56 عامًا.
لكن سؤال استقلال القرار لم يغب.
وسؤال العدالة الاجتماعية لم يغب.
وسؤال الدور المصري لم يغب.
وسؤال الأمن القومي العربي لم يغب.
وسؤال العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والقوة لم يغب.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة عبد الناصر بعيدًا عن التقديس أو الرفض.
فهو جزء من التاريخ المصري والعربي، وتجربته بكل ما لها وما عليها أصبحت إحدى محطات تشكيل الوعي السياسي في المنطقة.
والأهم أن قراءة عبد الناصر اليوم لا ينبغي أن تكون مجرد حنين إلى الماضي، وإنما محاولة لفهم الحاضر.
فالدول لا تحمي مصالحها بالشعارات، ولا تحافظ على استقلال قرارها بالأماني، وإنما بامتلاك عناصر القوة وفهم الجغرافيا وتحديد المصالح وبناء المؤسسات والقدرة على الحركة داخل نظام دولي شديد التعقيد.
وهذه ربما تكون إحدى أهم الرسائل التي يمكن أن نستخلصها من ذكرى رحيل عبد الناصر.
أن التاريخ لا يطلب منا أن نعيش في الماضي، وإنما أن نفهم لماذا بقي الماضي حاضرًا في أسئلتنا.
رحل جمال عبد الناصر وهو في الثانية والخمسين.
لكن الرجل الذي عاش نصف قرن تقريبًا ترك تجربة امتد تأثيرها إلى أجيال بعده.
ولهذا، وبعد 56 عامًا من الرحيل، لا يزال السؤال قائمًا:
لماذا يظل عبد الناصر حاضرًا؟
ربما لأن الرجل رحل، لكن الأسئلة التي عاش من أجلها لم ترحل معه.
وهنا يصبح عبد الناصر هو الحاضر الغائب في كثير من أزمات المنطقة، ليس لأنه يمكن استعادة زمنه، وإنما لأن التاريخ ما زال يضع أمامنا الأسئلة نفسها، وإن تغيرت الوجوه والخرائط وأدوات الصراع.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية..
اقرأ أيضاً
الحرب الحوثية على السعودية.. من اليمن إلى قلب الجزيرة العربية
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "






