يطرح عمرو عادلي في مقالته “سيادة الدولة ومصالح الشركة” سؤالا ًيُلح على العقل المصري كثيراً الآن، هل ينبغي أن نقلق فعلاً إزاء موجة الاستحواذات الخليجية على أصول مصرية، من رأس الحكمة إلى مراسي، مروراً بتيسير تملك الأجانب للعقارات؟
يجيب الكاتب بنعم مشروطة، إذ يميّز بعناية بين قلق تاريخي راسخ منذ تنازل الخديوي إسماعيل عن أسهم قناة السويس أواخر القرن التاسع عشر، وبين واقع معاصر يرى فيه أن الدول ما زالت تحتفظ بسيادتها الجوهرية على أراضيها، وأن المخاطر الحقيقية تكمن في تفاصيل جذب الاستثمارات ذات الطابع المالي والتنظيمي لا في السيطرة على الأرض.
هذا استنتاج متماسك من الداخل، لكنه يبدو أقل إقناعاً إذا وُضع في مواجهة مفهوم مختلف للسيادة، هو ما يمكن تسميته بالسيادة المعلّقة أو المرهونة، والذي يرصد بالضبط تلك التفاصيل المالية والتنظيمية بوصفها الآلية الفعلية لا الهامش الثانوي لتآكل السيادة.
من الملكية القانونية إلى القرار الفعلي
يستند عادلي في تحليله إلى مفهوم كلاسيكي للسيادة، قوامه الملكية القانونية للأرض والقدرة النظرية على التشريع دون قيد خارجي. وضمن هذا الإطار، يبدو استنتاجه منطقياً، فلم تصل أي شركة أو دولة مستثمرة، مهما بلغ نفوذها، إلى درجة ممارسة سلطة إقليمية فعلية على جزء من التراب المصري.
غير أن هذا التعريف يترك خارج دائرة النظر بالضبط ما يحاول مفهوم السيادة المرهونة الإمساك به، وهو الفارق بين السيادة الاسمية والسيطرة الفعلية على القرار.
فالدولة المصرية تحتفظ رسمياً وقانونياً بملكية أصولها وأراضيها، بينما تتنازل تدريجياً وعملياً عن السيطرة على التدفقات النقدية واللوجستية لصالح جهات مالية خارجية بعينها.
بعبارة أخرى، السؤال الذي يطرحه عادلي عن ملكية مصر لأرضها ليس السؤال الحاسم. السؤال الأدق- في تقديري- يتعلق بمن يقرر فعلياً في أي اتجاه تتحرك عوائد ميناء أو أصول عقارية أو احتياطي نقدي، ومن يملك القدرة على تغيير هذا الاتجاه إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.
تتجلى هذه الفجوة بوضوح في اتفاقيات الاستثمار الثنائية وآليات التحكيم الدولي التي يشير إليها عادلي نفسه عابراً، إذ يذكر أنها “كثيراً ما اشتملت على بنود تقيد من حق الدول المضيفة على استخدام سيادتها، وصولاً إلى تقييد إصدار تشريعات جديدة أو اللجوء إلى القضاء الوطني”. هذه ملاحظة دقيقة، لكنه يوردها كتفصيل عابر ثم يعود سريعاً إلى الطمأنينة العامة، بينما تمثل هذه البنود بالضبط جوهر ما يمكن أن نسميه اعتماداً مالياً غير متكافئ، إذ تتحول قنوات ظاهرها فني ومحايد، مثل التحكيم أو تسوية النزاعات، إلى أدوات ضغط فعلية يستخدمها الطرف الأقوى داخل العلاقة.
بعبارة أخرى، يرصد عادلي المكوّن التقني للانزلاق السيادي دون أن يمنحه الوزن التحليلي الذي يستحقه، فيتحول عنده إلى هامش وصفي بدل أن يصبح متغيراً مركزياً في الحجة.
والمفارقة في الحالة المصرية أن تفاصيل هذه الاتفاقات لا نعلم عنها شيئاً، وباتت محصنة بحكم القانون من الطعن عليها من المواطنين.
يعرض عادلي أيضاً خلفية تاريخية مفيدة عن حظر تملك الأجانب للعقارات حتى عام 1996، وعن استمرار المنع في مناطق حدودية حساسة مثل سيناء، ليستنتج أن هذا الإرث التشريعي ما زال يحمي جوهر السيادة رغم توسع الاستثمار الأجنبي منذ الثمانينيات.
لكن الإشارة ذاتها تكشف نقطة ضعف في حجته أكثر مما تدعمها، فالتراجع التدريجي عن هذا الحظر منذ منتصف التسعينيات لم يترافق مع تراجع مواز في اعتماد الدولة على السيولة الخارجية، إنما تصاعد الاثنان معاً حتى بلغا ذروتهما في العقد الأخير.
أي أن اتساع هامش الملكية الأجنبية القانونية وتَعمُق الرهن التشغيلي ليسا مسارين منفصلين يمكن الاطمئنان لأحدهما بمعزل عن الآخر؛ هما وجهان لعملية واحدة تتقدم بخطى متزامنة.
جيبوتي: المثال ذاته قراءة معكوسة
يستدعي عادلي واقعة جيبوتي ومواني دبي العالمية ليستخلص أن مصر تملك من أوراق الضغط أكثر بكثير، مما امتلكته دولة صغيرة وفقيرة استطاعت رغم ذلك أن تُلغي امتيازاً رأته مجحفاً.
هذا استنتاج معقول من زاوية القياس النسبي للثقل الجغرافي والسكاني والعسكري.
غير أن المقارنة تُفَوّت بعداً أكثر أهمية من حجم الدولة، وهو موقعها داخل دورة الاعتماد المالي.
واجهت جيبوتي نزاعاً محدوداً حول تشغيل ميناء واحد، ولم تكن غارقة في برنامج تكيف هيكلي متتابع يفرض عليها استقدام سيولة دولارية عاجلة كل بضعة أشهر.
أما مصر فقد دخلت منذ 2013 في دورة متصاعدة من الودائع الخليجية ثم برامج صندوق النقد الدولي ثم إعادة هيكلة الديون طويلة الأجل، بلغت خلالها الديون الخارجية نحو 155 مليار دولار بحلول 2021، وواجهت البلاد جدولاً صارماً لسداد أصل وفوائد قاربت وحدها 56 مليار دولار مستحقة لصندوق النقد وحملة سندات اليوروبوند.
في هذا السياق، لا تُقاس القدرة على إلغاء امتياز مجحف بعدد الأوراق التي تملكها الدولة نظرياً، ولكن بمدى احتياجها الفوري إلى السيولة التي يوفرها الطرف نفسه الذي قد ترغب في مساءلته، ومن هنا فإن قدرة القاهرة النظرية على التصرف كجيبوتي تصطدم عملياً بأن الطرف الدائن والمستثمر هو ذاته مصدر الإنقاذ الأساسي المتاح.
وثمة أيضاً مفارقة يذكرها عادلي في سياق حديثه عن جيبوتي، لكن دون أن يناقش تداعياتها، وهي أن حكم التحكيم الدولي صدر لصالح مواني دبي ضد الحكومة الجيبوتية، ولم تعترف جيبوتي بهذا الحكم حتى اليوم، بما يعني أن الأزمة القضائية لا تزال مفتوحة قضائياً ودبلوماسياً، أي أن النموذج ذاته الذي يستشهد به الكاتب كدليل على إمكانية استعادة السيادة، انتهى إلى وضعية مقيدة طويلة الأمد، حين تفقد الدولة ثقة المستثمرين، ولم ينته إلى استعادة ناجزة وسريعة للسيادة- كما يوحي السرد.
ويعزز هذا فرضية الرهن دون إكراه مباشر، فالقدرة الشكلية على اتخاذ قرار سيادي موجودة، لكن كلفتها اللاحقة تجعلها أداة أخيرة نادرة الاستخدام، لا خياراً عملياً متاحاً بيسر كما يفترض القياس المقارن.
رهن السيادة لا يبدأ ولا ينتهي عند الاستثمار الخليجي
يحصر عادلي نقاشه، وهو حق مشروع لمقال محدد الموضوع، في الاستحواذات الخليجية على الأراضي والعقارات والمواني.
غير أن تضييق دائرة النظر بهذا الشكل يخفي أن رهن السيادة، إذا صح المفهوم، ظاهرة متعددة المسارب لا تنحصر في صفقة عقارية أو ميناء بعينه.
فالسياسة النقدية نفسها باتت تُدار جزئياً وفق شروط برامج صندوق النقد الدولي المتعاقبة، من حيث سعر الفائدة وسعر الصرف وسقوف الإنفاق العام، بما يجعل هامش القرار الوطني في أهم أدوات السياسة الاقتصادية مقيداً بمراجعات دورية من مؤسسة خارجية، ومربوطاً بمواعيد صرف الشرائح التمويلية التي قد تُؤجَّل أو تُعلَّق إذا تعثر تنفيذ بند من بنود البرنامج.
وتمتد الظاهرة إلى الأمن الغذائي والطاقة، حيث يجعل الاعتماد المتصاعد على استيراد القمح والغاز المسال والمشتقات البترولية القرار الوطني في هذين الملفين الحيويين رهينة تقلبات الأسواق العالمية وعلاقات الحلفاء الإقليميين، إذ تكفي أزمة شحن عابرة في البحر الأحمر أو اضطراب في سوق الطاقة العالمي- كما جرى مع إسرائيل وقت الحرب على إيران- لتكشف هشاشة هذا الاعتماد وتأثيره المباشر على حياة الناس اليومية.
كما تتشكل طبقة أحدث من الرهن في البنية التحتية الرقمية واللوجستية، إذ تتزايد سيطرة شركات ومشغلين أجانب على مرافق حيوية كالمواني والمناطق اللوجستية الخاصة ومنظومات الدفع والاتصالات، بما يمنحهم موقعاً تشغيلياً مؤثراً في قطاعات تُصنَّف عادة ضمن البنية التحتية الاستراتيجية للدولة.
النظر إلى الاستثمار الخليجي بمعزل عن هذه المسارب الأخرى يجعل الصورة أضيق مما ينبغي، فالسؤال الأدق ليس فقط من يملك الأرض؟ وإنما من يملك مفاتيح القرار في الغذاء والطاقة والدين والبنية الرقمية مجتمعة، وهو ما أتمنى أن أتناوله في سلسلة من المقالات.
من يدفع فاتورة الرهن؟
يظل تحليل عادلي، رغم دقته، محصوراً في العلاقة الخارجية بين الدولة المصرية ككتلة واحدة والمستثمر الأجنبي، وكأن مصر فاعل موحد له مصلحة سيادية واحدة تُقاس بمعزل عن توزيع أعبائها داخلياً. لكن رهن السيادة، إذا نظرنا إليه من زاوية اقتصادية- اجتماعية، لا يُوزَّع أثره بالتساوي على الجميع.
فمنذ 2016 توالت برامج التكيف الهيكلي، بدءاً من التعويم الأول للجنيه ورفع الدعم عن الوقود، مروراً بموجة تعويم ثانية عام 2022 وثالثة لاحقة، وصولاً إلى توسع مطرد في الضرائب غير المباشرة كضريبة القيمة المضافة.
هذه البرامج، وإن كانت ضرورة اقتصادية من زاوية ضبط ميزان المدفوعات، إلا أن كلفتها المباشرة وقعت على الأجور الحقيقية والقوة الشرائية لعموم المواطنين وعلى هوامش ربح قطاع خاص محلي، يعاني أصلاً من ضيق السيولة ومنافسة غير متكافئة.
وكل موجة تكيف جديدة تأتي بعد أن تكون الموجة السابقة قد استُنفِدت مفاعيلها المُسَكِّنة خلال عام أو عامين على الأكثر، بما يجعل المواطن يعيش دورة متكررة من التعويم والتضخم وتآكل الدخل، دون أن تتحول هذه التضحيات المتراكمة إلى استقرار اقتصادي دائم يبرر استمرارها.
بعبارة أخرى، إن عائد بيع الأصول الاستراتيجية لتوفير سيولة دولارية عاجلة يذهب لسد فجوة التمويل الخارجي واستقرار سعر الصرف، بينما يتحمل المواطن العادي في الوقت نفسه فاتورة أخرى منفصلة عبر التضخم وتراجع الدعم وارتفاع الأسعار.
المواطن يدفع مرتين، مرة عبر التنازل عن أصول وطنية طويلة الأجل قد لا يستفيد من عائدها بشكل مباشر، ومرة عبر أعباء التكيف القصيرة الأجل التي تفرضها استمرارية برامج الإنقاذ ذاتها.
وهذا هو بالضبط ما يجعل السؤال عن السيادة سؤالاً عن توزيع الكلفة بقدر ما هو سؤال عن الملكية القانونية.
رأس الحكمة: الواقعة ذاتها، قراءتان متعاكستان
ربما يتجلى الخلاف الجوهري في التعامل مع صفقة رأس الحكمة نفسها.
يستحضرها عادلي ضمنياً بوصفها دليلاً على أن مصر ما زالت قادرة على إبرام صفقات ضخمة، أي مؤشراً على وزن تفاوضي باقٍ رغم الضغوط.
يمكن قراءة الواقعة ذاتها من زاوية معاكسة تماماً. فالصفقة، بقيمتها البالغة نحو 35 مليار دولار، لم تأتِ من موقع قوة تفاوضية، إنما جاءت استجابة قسرية لأزمة سيولة دولارية حادة، تحوّلت بموجبها ودائع خليجية قصيرة الأجل إلى ملكية مباشرة ودائمة لحصص في أراضٍ استراتيجية على البحر المتوسط.
هذا التحول من دين إلى أصل هو بالضبط الميكانيزم الذي يمكن تسميته رهناً دون إكراه مباشر، فلم يجبر أحد مصر ببندقية على توقيع الاتفاق، لكن حدة أزمة ميزان المدفوعات وضغوط برامج التكيف المتتالية جعلت البديل الوحيد المتاح هو تسييل أصول ثابتة استراتيجية- كما جرى مع شركات هامة للاقتصاد، وليس للأراضي فقط.
الوقائع التي يستشهد بها عادلي كدليل على استمرار الوزن المصري تصلح، من زاوية أخرى، لأن تُقرأ كدليل على انزلاق السيطرة الفعلية على قرارات كانت حتى وقت قريب حكراً على الدولة وحدها.
أين يفترق التحليلان؟
لا يخطئ عادلي في رفضه المبالغة في تصوير الاستثمار الأجنبي كتهديد شامل يعيد إنتاج سيناريو قناة السويس بحذافيره، فالمقارنة التاريخية المباشرة مضللة فعلاً، ولم تصل مصر إلى وضعية احتلال أو انتقال ملكية إقليمية رسمية.
لكن رفض المبالغة التاريخية لا يبرر الانتقال إلى طمأنينة مقابلة تختزل المسألة في تفاصيل مالية وتنظيمية هامشية، أو تحصرها في قطاع الاستثمار الخليجي وحده دون سواه.
فالسيادة اليوم لا تُختبر بسؤال من يملك الأرض شكلياً فقط، بل بسؤال أوسع يشمل من يقرر فعلياً في الدَين والطاقة والغذاء والبنية الرقمية، ومن يتحمل كُلفة هذا القرار عند ضيق الخيارات.
وعلى هذا الأساس، تبدو مصر أقرب إلى حالة رهن متصاعد، نجحت فيها في تأمين استقرارها القصير الأجل عبر سيولة ضخمة متكررة وبرامج إنقاذ متتالية، بينما يتآكل تدريجياً وبشكل يصعب عكسه هامش القرار الوطني المستقل في ملفات حيوية متعددة، ويقع عبء هذا التآكل في جزء كبير منه على كاهل من لا ناقة لهم ولا جمل في تفاصيل الصفقات الكبرى.
وهذا هو بالضبط ما تعنيه عبارة السيادة المعلّقة أو المرهونة، إذ لا تعني غياباً كاملاً للسيادة، إنما حالة معلقة بين الملكية الاسمية والاستحقاق العملي، تتيح استمرار الشكل القانوني للدولة، بينما يُعاد توزيع جوهرها التشغيلي بهدوء، ودون ضجيج دستوري يستدعي الانتباه الذي استدعته قناة السويس قبل قرن ونصف.
ويبقى فضل مقالة عادلي أنها تفتح الباب أمام نقاش أكثر رشداً من الصراخ حول بيع البلد، وأنها تذكّرنا بضرورة التمييز بين الخطاب الشعبوي والتحليل الرصين.
لكن- في تقديري- لا ينبغي الاكتفاء بمقارنة تاريخية محدودة بحالة قناة السويس أو بحالة جيبوتي، ولا بحصر النظر في استثمار محدد يتعلق بفاعل واحد مهما كان بارزاً، بل تستدعي النظر إلى مجمل الملفات التي تُدار اليوم عبر دفاتر الودائع وشروط برامج الإنقاذ وعقود الامتياز، أكثر مما تُدار عبر مقاييس السيادة التقليدية وحدها.
والفارق بين القراءتين في النهاية، ليس فارقاً في درجة التفاؤل أو التشاؤم، لكنه فارق في تعريف السيادة ذاتها، وفي تحديد أين ينبغي أن نبحث عنها، إذا أردنا أن نطمئن أو نقلق بشأنها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


