لا أحد يختلف على ضرورة تطوير المناهج التعليمية ومواكبة متطلبات العصر، لكن الخلاف يبدأ عندما يتحول التطوير إلى تغييرات متلاحقة لا تمنح الطالب أو المعلم أو ولي الأمر فرصة كافية لفهم التجربة وتقييم نتائجها.
وبين تأكيد خبراء التربية أن تحديث المناهج ضرورة بشرط أن يكون مدروسًا ومتدرجًا، وتحذيرات أولياء الأمور من حالة التشتت المتكررة، يبرز سؤال جوهري: هل تحتاج منظومة التعليم إلى مزيد من التغيير، أم إلى رؤية طويلة المدى تضمن استقرار ما يتم تطويره؟
الدكتور تامر شوقي: تطوير المناهج لا خلاف عليه.. لكن التغيير يحتاج إلى حذر
قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، إن تطوير المناهج التعليمية أمر لا خلاف عليه بين المتخصصين وغير المتخصصين، والطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، وحتى رجل الشارع العادي، مؤكدًا أن الجميع يؤيد التطوير، لكن التطوير في مجال التعليم والتربية، وبخاصة في المناهج، يجب أن يتم بحذر.
وأوضح شوقي أن المناهج الدراسية يجب أن تتميز بالاستقرار النسبي عبر سنوات، وألا يتم تغييرها إلا في أضيق الحدود، وفي ضوء وجود مبررات حقيقية وواقعية تستدعي هذا التغيير.
وأشار إلى أن التغيير يصبح مطلوبًا عندما تطرأ تطورات حقيقية على مجال علمي معين، مثل اكتشافات جديدة أو ظهور توجهات علمية حديثة تستدعي تضمينها في المادة الدراسية، أو عند حدوث تغيرات جذرية في المجتمع تستوجب إدخالها سريعًا في مواد مثل التاريخ، أو ظهور تغيرات وظواهر جغرافية جديدة تستدعي تحديث المناهج.
وأكد أن ما دون ذلك، وفي ظل استقرار الأوضاع، لا يكون التغيير المستمر مطلوبًا، لأنه قد يؤدي إلى آثار سلبية أكبر من تأثيراته الإيجابية.
المعلم أول المتضررين من تغيير المناهج بشكل مستمر
وأوضح الدكتور تامر شوقي أن أولى التأثيرات السلبية للتغيير المستمر تتمثل في أن المعلم يحتاج إلى تدريس المنهج لعدة سنوات متتالية حتى يتقنه ويكتسب خبرة أكبر بتفاصيله.
وقال إن المعلم، مع التغيير المستمر، قد لا يتمكن من إتقان تفاصيل المنهج أو اكتساب الخبرة اللازمة لتصحيحه وتطوير طريقة تدريسه، موضحًا: بمجرد أن يبدأ المعلم في فهم المنهج بعد سنة أو سنتين، يجد أن المنهج قد تغير.
وأضاف أن ذلك ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المعلم على نقل المعلومات والخبرات الخاصة بالمادة إلى الطلاب، قائلًا إن المعلم عندما يجد نفسه أمام منهج جديد باستمرار، ويحتاج في كل مرة إلى فهمه وإعداده من جديد، فإن قدرته على نقل المعرفة إلى الطلاب قد تضعف، وهو ما ينعكس في النهاية على انخفاض المستوى التحصيلي للطلاب.
التغيير المستمر يفتح الباب أمام الدروس الخصوصية
وأشار شوقي إلى أن تغيير المناهج بصورة مستمرة يفتح المجال أيضًا أمام انتشار الدروس الخصوصية، موضحًا أن ولي الأمر قد يكون لديه طفلان أو أكثر في سنوات دراسية متتالية، وبعد أن يفهم المنهج ويتمكن من مساعدة ابنه الأكبر، يجد أن المنهج قد تغير عندما يصل الابن الأصغر إلى المرحلة نفسها.
وأوضح أن ولي الأمر في هذه الحالة لا يكون قادرًا على التعامل مع المنهج الجديد، فيلجأ إلى مدرس خصوصي، وبالتالي فإن عدم استقرار المناهج يفتح الباب أمام الدروس الخصوصية بصورة مستمرة، في ظل عدم إتقان أولياء الأمور للمناهج الجديدة.
الكتب الخارجية.. أعباء جديدة على الأسرة المصرية
ولفت أستاذ علم النفس التربوي إلى أن تغيير المناهج كل عام يفرض أعباء مالية إضافية على الأسرة المصرية، لأن ولي الأمر يضطر إلى شراء كتب جديدة وكتب خارجية جديدة مع كل تغيير.
وأوضح أنه في حالة استقرار المنهج كان من الممكن أن يستفيد الابن الأصغر من كتاب شقيقه الأكبر الذي درسه في العام السابق، لكن تغيير المنهج يعني شراء كتب جديدة كل عام، وهو ما يزيد الأعباء الاقتصادية على الأسرة.
شوقي: استقرار المنهج 5 سنوات قبل تقييمه ضرورة
وأكد الدكتور تامر شوقي أن التربويين يوصون باستقرار أي منهج لمدة لا تقل عن خمس سنوات، مع إجراء التغييرات فقط في حالات الضرورة القصوى التي تستدعي ذلك.
وشدد على أن العملية التعليمية تحتاج إلى الاستقرار، ليس فقط في المناهج، وإنما في عناصر المنظومة التعليمية المختلفة، حتى تتمكن من تحقيق أهدافها.
وأوضح أن الحكم على مدى التأثير الإيجابي أو السلبي لأي منهج يحتاج إلى أن يستمر تطبيقه لعدة سنوات، مشيرًا إلى أن الفترة المناسبة يمكن أن تتراوح بين 3 و5 سنوات، وبعدها يتم تقييم المنهج لمعرفة جوانب القوة والإيجابيات وأوجه القصور والسلبيات والعمل على علاجها.
هل يتم تقييم المناهج قبل تطويرها من جديد؟
طرح شوقي تساؤلًا حول مدى إجراء تقييم حقيقي للمناهج قبل الانتقال إلى تطويرها أو تغييرها، قائلًا إن الأمر يحتاج إلى معرفة آراء الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين في الأجزاء الصعبة أو التي تثير علامات استفهام داخل المنهج، حتى يتم تعديلها بصورة تستند إلى نتائج واقعية.
وأكد أن التطوير يجب أن يكون قائمًا على تقييم المناهج السابقة ومعرفة ما حققته من إيجابيات وما أفرزته من سلبيات، وليس مجرد الانتقال من منهج إلى آخر دون تقييم حقيقي للتجربة السابقة.
وأشار إلى أن هذه العملية تحتاج إلى الحذر في التطوير والتغيير حتى لا تحدث التأثيرات السلبية التي تنعكس على مستوى التحصيل، وتؤثر بصورة سلبية على الطالب وولي الأمر والمعلم.
لماذا نستورد تجارب التعليم من الخارج؟
وحول الاتجاه إلى الاستعانة بتجارب دول أخرى في تطوير المناهج وطرق التدريس، أوضح الدكتور تامر شوقي أن هذا الأمر يرتبط بالتأثر بالدول المتقدمة وتجاربها التعليمية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن نقل تجربة تعليمية من دولة إلى أخرى ليس عملية خالية من المخاطر.
وأكد أن اختلاف السياقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدان يجعل نقل التجارب التعليمية بصورة مباشرة أمرًا يحتاج إلى دراسة دقيقة.
شوقي: لسنا بحاجة إلى استنساخ التجربة اليابانية
وقال شوقي إن المجتمع المصري يمتلك خبراء في التعليم، كما أن أساتذة علم النفس والمناهج لديهم طرق تدريس معروفة يمكن أن تسهم في تنمية قدرة الطالب على التفكير، مؤكدًا أنه ليس من الضروري استيراد الطرق اليابانية أو الصينية أو غيرها بصورة مباشرة.
وأوضح أنه يمكن استهداف طرق تدريس محددة، مثل العصف الذهني وحل المشكلات، وتطبيقها على المحتوى التعليمي المصري الموجود بالفعل، بما يساعد على تنمية قدرة الطلاب على التفكير والوصول إلى المعلومة بأنفسهم.
وأشار إلى أن كثرة التجارب والاستعانة المتكررة بتجارب الدول الأجنبية ليست بالضرورة أمرًا مرغوبًا فيه، إلا إذا كانت هناك ضرورات محددة تراها الوزارة، وفي هذه الحالة يجب توضيح أسباب الاستعانة بهذه التجارب للمجتمع حتى يفهم الجميع دوافع التغيير.
مناهج مصرية مستقلة.. وطرق تدريس تحقق أهداف التعلم
وأكد شوقي أن التربويين يوصون بوجود مناهج مصرية مستقلة، مع تطوير طرق تدريس وتعليمها بما يحقق الأهداف العليا للتعلم.
وأوضح أن هذه الأهداف تشمل تنمية قدرة الطالب على التفكير، والبحث عن المعلومة، والإبداع، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والاستنتاج والتحليل.
وأشار إلى أن المناهج اليابانية نفسها لا تخرج عن هذه الأهداف، لكن المشكلة تكمن في إمكانية استيراد طرق يابانية لا تتناسب مع طبيعة الطفل المصري والطالب المصري، متسائلًا: ماذا نكون قد حققنا في هذه الحالة؟
أولياء الأمور: التطوير المستمر تحول إلى حالة من التخابط
وفي السياق نفسه، أوضحت إحدى أولياء الأمور، خلال حديثها عن تجربتها مع التغييرات المتلاحقة في المناهج، أن التطوير في خلال عام واحد لا يمكن اعتباره تجربة مكتملة، لأن المعلم يحتاج إلى وقت لاكتشاف مهاراته، والطالب يحتاج إلى معرفة إمكانياته، بينما يحاول ولي الأمر مساعدة ابنه والتكيف مع النظام الجديد.
وقالت إن المشكلة تظهر بصورة أكبر في المواد الأساسية مثل الرياضيات، التي تتضمن أفكارًا علمية وعملية ومبتكرة، مشيرة إلى أن النظام القديم كان يعتمد على أساليب مباشرة في التعلم، قبل الانتقال إلى أفكار وطرق جديدة، سواء الطريقة اليابانية أو تعليم 2.0 أو غيرها من الأفكار.
وأكدت أن عدم منح أي نظام وقتًا كافيًا للاستمرار، حتى يكتسب المعلم خبرته وتظهر مهاراته ويتمكن الطالب من التعامل معه، يؤدي إلى حالة من التخابط بين الطالب والمعلم، بينما يجد ولي الأمر نفسه تائهًا لأنه لا يعرف كيف يسير النظام الجديد أو كيف يساعد ابنه في المنزل.
«حقل تجارب» أم تطوير حقيقي؟
وأضافت ولية الأمر أن المنظومة تحتاج إلى منح أي تطوير فترة لا تقل عن سنتين أو ثلاث سنوات، أو تطبيقه على دفعة كاملة، حتى يمكن معرفة إيجابياته وسلبياته بصورة واقعية.
وضربت مثالًا على ذلك بالقول إن التطوير يحتاج إلى أن يبدأ مع دفعة من الصف الأول الابتدائي، ويستمر معها حتى الصف السادس، وبعد ذلك يمكن تقييم التجربة بالكامل قبل الانتقال إلى تطوير جديد.
وأكدت أن هناك فرقًا بين «حقل التجارب» و«حقل التطوير»، موضحة أن التجربة تحتاج إلى مدة عملية حتى يتمكن الجميع من الحكم عليها ومعرفة ما إذا كانت إيجابية أو سلبية.
تطوير المنهج لا يعني زيادته.. والمشكلة في كثافة المحتوى
وشددت ولية الأمر على أن التطوير الحقيقي في المناهج يجب أن يركز على تخفيف المحتوى مع الحفاظ على قيمته العلمية، وليس مجرد تعديله أو زيادته.
وأوضحت أن المنهج قد يكون قائمًا على أفكار جيدة جدًا، لكنه في الوقت نفسه يكون مكثفًا بصورة تجعل الطالب يشعر بثقله، حتى لو كان المحتوى من وجهة نظر المتخصص سهلًا.
وقالت إن الأفضل هو أن تكون المعلومة «دسمة ولكن خفيفة وسهلة للطالب»، وليس أن تكون خفيفة من حيث القيمة ودسمة من حيث الكمية، مؤكدة أن نجاح التطوير يرتبط بقدرة الطالب على استيعاب المحتوى وليس بحجم المعلومات التي يتم حشوها داخل المنهج.
أميرة يونس: التطوير زاد أعباء أولياء الأمور
وقالت أميرة يونس، مؤسس جروب «مصر والتعليم»، إنها عاصرت مختلف مراحل تطوير المناهج، مؤكدة أن تأثير هذه التغييرات لم يعد مقتصرًا على الطلاب والمعلمين، وإنما امتد بصورة مباشرة إلى أولياء الأمور.
وأوضحت أنها كانت ترى أن النظام القديم، الذي كان يوصف بأنه صعب، كان بالنسبة لها أسهل نظام مر عليها؛ إذ كانت تعتمد على كتاب المدرسة في الشرح، وتستعين بكتب خارجية، ولم تكن تلجأ إلى الدروس الخصوصية في المرحلة الابتدائية، حتى الصف الثالث الإعدادي تقريبًا.
وأضافت أنه منذ تطبيق منهج «تعليم 2.0» أصبحت تواجه صعوبة في مساعدة أبنائها، لأنها تجد في كتاب المدرسة إرشادات يفترض أن يقدمها المعلم داخل الفصل، وبالتالي لا تستطيع كولي أمر أن تشرح المحتوى لابنها بسهولة.
وأكدت أن هذا الأمر أدى، من وجهة نظرها، إلى زيادة الاعتماد على الدروس الخصوصية حتى في المرحلة الابتدائية.
«أول مرة حد في رابعة ياخد درس».. تغييرات المناهج تضغط الأسر
وأشارت أميرة يونس إلى أن ابنتها التي تدرس حاليًا في الصف السادس الابتدائي بدأت الحصول على دروس منذ الصف الرابع، وهو أمر أثار دهشة إخوتها الأكبر سنًا، لأنهم لم يكونوا يلجأون إلى الدروس الخصوصية في هذه السن.
وقالت إن السبب في ذلك هو عدم قدرتها على فهم المنهج الجديد بالشكل الذي يمكنها من شرحه لابنتها، موضحة أن الأسرة التي كانت قادرة في السابق على متابعة أبنائها في المنزل أصبحت الآن أكثر اعتمادًا على المدرسين الخارجيين.
الطالب في «تخابط».. والمدرس فقد دوره داخل الفصل
وأكدت أميرة يونس أن الطالب نفسه يعيش حالة من «التخابط»، لأن مدرس الفصل لا يمتلك الوقت الكافي للشرح، فيصبح تركيزه منصبًا بصورة أكبر على التقييمات والأرصدة والدرجات.
وأوضحت أن هذا الأمر يؤدي إلى فقدان الطالب ثقته في مدرس الفصل، ويدفع الأسرة إلى البحث عن مدرس خارجي، مشيرة إلى أن الطالب عندما يعرف أن زميلًا أو طالبًا آخر يحصل على درس خارج المدرسة قد تتغير علاقته بالمدرس.
وأضافت أن بعض الطلاب يبدأون في كراهية المدرس والمدرسة، ويصبحون أكثر ارتياحًا في السنتر أو خارج المدرسة، لأنهم يرون أن احتياجاتهم التعليمية تتحقق هناك بصورة أفضل، وهو ما يعني، من وجهة نظرها، أن المدرسة لم تعد توفر للطالب جميع المزايا التي يحتاج إليها.
مجموعات التقوية لا تنهي الأزمة
ولفتت أميرة يونس إلى أن طلب مجموعات مدرسية داخل المدرسة قد يفرض في بعض الأحيان تكلفة أعلى من السناتر، بفارق يصل إلى 20 أو 30 جنيهًا في الحصة، وهو ما يدفع ولي الأمر في النهاية إلى العودة للمدرس الخصوصي خارج المدرسة.
وقالت إن الأمر قد ينتهي في بعض الحالات إلى وجود المدرس نفسه الذي لا يملك وقتًا كافيًا للشرح داخل الفصل، ثم يقدم المحتوى نفسه في مجموعة مدفوعة خارج إطار الحصة المدرسية، وهو ما يزيد من أعباء الأسرة دون أن يحل أصل المشكلة.
«ضيعت دور المدرس والمدرسة».. أزمة الثقة داخل الفصل
وأكدت أميرة يونس أن استمرار هذه الأوضاع يؤدي، من وجهة نظرها، إلى إضعاف دور المدرس والمدرسة، وفقدان الطالب الثقة في مدرسه، لأن المعلم قد لا يجد الوقت الكافي للشرح حتى لو كان مدرسًا شاطرًا.
وأوضحت أن تركيز المعلم يصبح في بعض الأحيان منصبًا على رصد الدرجات والتقييم والحضور والسلوك، حتى لا تحدث له مشكلات أثناء المتابعة، وهو ما ينعكس في النهاية على الدور الأساسي للمعلم داخل الفصل.
عاصم حجازي: تحديث المناهج ضرورة.. لكن بنسبة متوازنة
وفي رؤية أخرى، أكد الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أن تحديث المناهج الدراسية بشكل مستمر يعد أمرًا طبيعيًا وضروريًا لمواكبة المتغيرات المتسارعة.
وأوضح أن نسب التحديث المعتادة تتراوح بين 20% و30%، مع الحفاظ على الأساسيات الثابتة التي يقوم عليها كل مقرر دراسي.
وأشار حجازي إلى أن تطوير المناهج ينبغي أن يتم وفق مجموعة من الضوابط، أبرزها تحقيق الاتساق والتناغم بين المراحل التعليمية المختلفة، مع تجنب التحولات الجذرية التي تؤدي إلى انفصال المناهج الجديدة بشكل كامل عن القديمة.
التغيير المتدرج يهيئ الطالب للتعلم
وأوضح حجازي أن التغيير المتدرج يساعد على تهيئة الطالب ذهنيًا، كما يمنحه قدرًا مناسبًا من التحدي ويحفز فضوله نحو التعلم، خاصة مع إدخال عناصر جديدة داخل المنهج.
وأضاف أن التغييرات المستمرة في المناهج يمكن أن تسهم أيضًا في الحد من اعتماد بعض الجهات على المحتوى التقليدي الموجود في الكتب الخارجية والدروس الخصوصية.
حجازي يحذر من «الصدمة المعرفية»
وحذر أستاذ علم النفس التربوي من أن التغيير الجذري غير الممهد له قد يؤدي إلى إصابة الطلاب بما وصفه بـ«الصدمة المعرفية»، نتيجة شعورهم بالعجز أمام المحتوى الجديد.
وأوضح أن هذا الشعور قد يقود إلى الإحباط والاستسلام للكسل الأكاديمي، وهو ما يجعل التغيير المتدرج والمخطط أكثر ملاءمة للطالب من الانتقال المفاجئ إلى أنظمة ومناهج مختلفة بصورة كاملة.
نجاح التعليم الياباني مرتبط بخصوصية المجتمع المصري
وفيما يتعلق بتدريس اللغة اليابانية والمناهج اليابانية داخل المدارس المصرية، أكد حجازي أن المناهج التعليمية لا تنفصل عن طبيعة المجتمع وثقافته.
وأشار إلى أن نجاح التجربة التعليمية في اليابان لا يعني بالضرورة تحقيق النتائج نفسها عند تطبيقها داخل البيئة المصرية، لأن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وهي عوامل يجب وضعها في الاعتبار عند تصميم المناهج وطرق التدريس.
استيراد المحتوى وحده لا يصنع تجربة تعليمية ناجحة
وأوضح حجازي أن النظم التعليمية الناجحة تعتمد على منظومة متكاملة تشمل المحتوى الدراسي، وطرق التدريس، والمعلم المؤهل، والمناخ التعليمي، وآليات التقييم.
وأضاف أن الاكتفاء باستيراد المحتوى التعليمي فقط دون تطوير بقية عناصر المنظومة لن يحقق الفائدة المرجوة، لأن نجاح أي تجربة تعليمية يرتبط بتكامل عناصرها وليس بمكون واحد فقط.
وأشار أستاذ علم النفس التربوي المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة إلى أن «الخلطة السحرية» للتعليم الجيد تعتمد على محتوى متطور ومحفز للتفكير، ومعلم مدرب ومؤهل، وطرق تدريس حديثة، وبيئة تعليمية مشجعة، ونظام تقييم يساعد على التعلم.
بين التطوير والاستقرار.. أين تقف منظومة التعليم؟
تكشف الآراء المختلفة حول تطوير المناهج أن الخلاف الحقيقي ليس على مبدأ التطوير نفسه، وإنما على طريقة إدارة هذا التطوير ومدى استمراره والوقت الممنوح لتقييم نتائجه.
فبينما يرى الدكتور تامر شوقي أن استقرار المناهج لعدة سنوات، مع إجراء تغييرات محدودة عند الضرورة، يمثل عنصرًا أساسيًا لنجاح العملية التعليمية، يؤكد الدكتور عاصم حجازي أن التحديث المستمر أمر ضروري، لكن بشرط أن يكون تدريجيًا ومتكاملًا ويحافظ على الأساسيات.
أما أولياء الأمور، فتتركز مخاوفهم في الأثر المباشر لهذه التغييرات على قدرتهم على متابعة أبنائهم، وعلى زيادة الاعتماد على الدروس الخصوصية والكتب الخارجية، فضلًا عن حالة التشتت التي قد يشعر بها الطالب والمعلم مع كل انتقال إلى نظام جديد.
وفي النهاية، يبدو أن التحدي الأكبر لا يتمثل في الاختيار بين «التطوير» و«الاستقرار»، وإنما في الوصول إلى معادلة تحقق الاثنين معًا: مناهج حديثة تواكب العصر، لكنها مستقرة بما يكفي لمنح المعلم والطالب وولي الأمر فرصة حقيقية لفهمها وتطبيقها وتقييمها، قبل الانتقال إلى تجربة جديدة.
فالتعليم ليس حقلًا للتجارب المتلاحقة، كما أن التطوير الحقيقي لا يقاس بعدد مرات تغيير المناهج، وإنما بقدرته على تحسين مستوى الطالب، وتنمية التفكير والإبداع والتحليل وحل المشكلات، وتخفيف الأعباء عن الأسرة، ودعم المعلم، وبناء منظومة تعليمية تمتلك رؤية واضحة تمتد لسنوات.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" كشكول "




