يميّز الفيلسوف أفيشاي مارجاليت بين “المجتمع العادل” و”المجتمع المحترم”. الأول، طموح مركب، يلاحق توزيع الثروة والموارد بمعايير العدالة. أما الثاني، فيكتفي بشرط أخلاقي تأسيسي وأكثر مباشرة: ألا تُذِلّ مؤسسات الدولة أفرادها والواقعين تحت سلطتها، وألا تجرّدهم من فاعليتهم الإنسانية. والإذلال هنا ليس القمع الفج وحده، بل كل ممارسة رسمية، تمنح المواطن سبباً وجيهاً؛ ليشعر أنه عاجز، أو بلا قيمة، أو مجرد رقم إداري تُمارَس عليه القرارات من فوق.
ومع تطبيق هذا المعيار على الواقع المصري، تتكشف الأزمة الحقيقية بعيداً عن المؤشرات الاقتصادية الصماء. فما يجري هو تحول مركّب، يربط بين الهندسة العمرانية والتراجع عن الخدمات العامة، وتآكل الطبقتين الوسطى والدنيا، وسلب الأهلية السياسية والقانونية، والتخلي عن أصول الدولة.. إلى آخره، في متتالية واحدة، تعيد صياغة علاقة الفرد بمؤسسات الدولة من جذورها.
اقتلاع بيئات العيش بدعوى التطوير
العمران في مصر تحول إلى آلية لإعادة التشكيل القسري للمجتمع. فتحت شعارات “التطوير” والقضاء على “العشوائيات”، جرت وتجري عمليات إخلاء ونزع ملكيات، انتزعت معها الذاكرة والأمان المكاني عن مجتمعات تاريخية بأكملها.
من مثلث ماسبيرو، ونزلة السمان، والوراق وعزبة الصفيح والجيارة، إلى إزالة أكثر من 2600 مدفن وقبر تاريخي في قرافات القاهرة لصالح المحاور الخرسانية، وصولاً إلى تهجير 100 ألف مواطن في سيناء. يتجاوز عدد المخلين قسرياً بشكل مباشر ربع مليون مواطن. والصورة الأشمل، بحسب تقديرات أبحاث عمران مستقلة كأبحاث الباحثة أمينة خليل، تشير إلى أن الحزام السكني المتأثر والمهدد بنزع الملكية وتغيير نمط العيش يتجاوز مليوني مواطن.
واللافت أخلاقياً هو المنطق المؤسسي الحاكم لهذا المسار؛ حيث يُعامل الفرد بوصفه عائقاً عمرانياً، وتُلغى فاعليته بقرارات تحكمية حاسمة. حين تصرح السلطة بأن “المنطقة دي هتتنسف وتتعمل من أول وجديد”، فإنها تمارس ما سماه مارجاليت-الفيلسوف اليساري- سلب الأهلية المكانية، حيث يتعين على المواطن، أن يستسلم لرؤية رسمية، تجرده من حق التفاوض أو المشاركة في تشكيل فضاء عيشه.
من المواطنة إلى الاستجداء
يتعمق هذا المسار مع التخلي المؤسسي للدولة عن أصولها وخدماتها الحيوية. يتجلى ذلك في التراجع الفعلي للإنفاق على الصحة والتعليم إلى ما دون نصف النسب الدستورية الملزمة، لتسجل فعلياً نحو 1.5% للصحة و2% للتعليم من الناتج المحلي الإجمالي، وفي استبعاد الملايين آلياً من بطاقات التموين والدعم، بناءً على محددات بيروقراطية جافة (بلغ عدد الذين تم استبعادهم من بطاقات التموين نحو 10 ملايين إلى 12 مليون مواطن عبر مراحل تنقية وحذف متتالية، بدأت منذ عام 2018 وحتى السنوات الأخيرة)، وفي ترك المرضى يقاسون في قوائم انتظار جراحات “العلاج على نفقة الدولة”. (وفقاً للإحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة والسكان، سجلت قوائم الانتظار الخاصة بالتدخلات الجراحية والطبية الحرجة تراكمات سابقة وحالية تجاوزت 2.1 مليون إلى 2.4 مليون حالة تم استقبالها وتسجيلها عبر المنظومة منذ إطلاق مبادرة إنهاء قوائم الانتظار 2018).
هذا الانسحاب الخدمي يتقاطع مع انحراف طبقي حاد؛ إذ يستحوذ الـ1% الأغنى على نحو 50% من الثروة القومية، بينما يحصل الـ50% الأدنى دخلاً على نحو 13% فقط من الدخل. ومع قفزات تضخم قياسية وتآكل القيمة الحقيقية للأجور بنسب ناهزت 40%، سقطت الطبقتان الوسطى والدنيا في مستنقع العجز. لم تعد القضية فقراً رقمياً، يطال أكثر من ثلث السكان رسمياً، ونحو 60% بتقديرات البنك الدولي، بل تجريد هذه الطبقات من القدرة على تأمين متطلبات العيش الكريم إلا بصعوبة بالغة ومضنية.
وحين يُترك أكثر من 60% من القوى العاملة في مهب القطاع غير الرسمي بلا تأمين أو حماية، وحين يعجز الأب عن توفير دواء طفله أو مصاريف مدرسته إلا بالمرور عبر إجراءات إثبات العجز والفقر، تتحول الخدمة من حق مواطنة إلى استجداء وإحسان. والخطاب الرسمي الذي يذكّر المواطن يومياً، بأنه “يأكل بأقل من التكلفة والدولة بتدفع من جيبها” ينقل العقد الاجتماعي إلى ثقافة المنّ المقترن بالأذى، وهي النواة الصلبة للإذلال البيروقراطي.
سلب الأهلية القانونية
تكتمل أركان هذه المتتالية بالسيطرة على جسد المواطن وحريته وأهليته السياسية. يتجسد الإذلال المؤسسي في تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة بديلة، تطال- في بعض التقديرات- أكثر من 60 ألف محتجز، وفي ممارسة “التدوير” لمنع إخلاء السبيل، وفي إحالة أكثر من 15 ألف مدني إلى المحاكمات العسكرية بموجب قوانين حماية المنشآت الرسمية.
ويرافق هذا التغول التشريعي تجريف كامل للمجال العام؛ بتعديل قوانين الجمعيات الأهلية وإغلاق أو التضييق على كثير من المبادرات الحقوقية والمدنية، وتهميش النقابات والأحزاب، وتراجع المشاركة الانتخابية إلى مستويات شكلية، تنكمش معها الفاعلية الشعبية.
الوصاية وإلقاء اللوم على الضحية
في مواجهة هذا الاختلال البنيوي، حيث تلتهم خدمة الديون الإجمالية (بما فيها فوائد وأقساط دين خارجي تجاوز 160 مليار دولار) ما يقرب من ثلاثة أرباع الإيرادات العامة للدولة، وتستحوذ الفوائد وحدها على أكثر من نصف المصروفات، وتتهرب السلطة من مسئولية السياسات عبر استراتيجية “إلقاء اللوم على الضحية”.
عبارات رسمية علنية من قبيل “أنتوا بتخلفوا وترموا للدولة”، أو “بلاش تاكلوا وأمّنوا بلدكم”، لا تعبر عن تشخيص اقتصادي بقدر ما تعبر عن نبرة وصائية إذلالية، تعامل الشعب كقاصر دائما لا يملك حق المعرفة أو الفهم، ومطالب بالصمت وتحمل تكلفة قرارات لم يُستشر فيها.
شرط الاحترام لبناء الدولة
البحث عن “المجتمع المحترم” في مصر ليس ترفاً نظرياً ولا استدعاءً لمفاهيم غريبة عن واقعنا، بل استعادة للمعيار الأخلاقي والسياسي الأول لشرعية أي دولة وحوكمتها. فالاستقرار الحقيقي لا تُشيده المباني العملاقة، ولا تعوضه المواكب والاستعراضات، إذا كانت كلفة هذه المشاريع سحق كبرياء المواطن اليومي، وتآكل طبقاته الحية، وإشعاره الدائم، بأنه عبء على وطنه.
الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تتوقف المؤسسات عن التعامل مع المجتمع بوصفه كتلة صماء، يُعاد تشكيلها وإفقارها قسراً، وتعود إلى دورها الأصلي: بيئة تُصان فيها حقوق الأفراد، ويُعترف فيها بفاعليتهم، ويُرفع عن كاهل الطبقات الإجهاد المعيشي، لتكون المواطنة حقيقة، تُعاش لا استجداءً يُمارَس عند أبواب الخدمة والسلطة.
إن المؤشر الرئيسي والوحيد المحدد للمجتمع المحترم هو غياب الإذلال الممنهج الصادر عن مؤسسات الدولة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


