يُعيد الجدل الذي صاحب صفقة شراء الحكومة المصرية إنتاج شركة الظاهرة الإماراتية المزروع بمصر من القمح تساؤلات حول حجم الاستثمارات الإماراتية بقطاع الزراعة، والعائد من اجتذاب رؤوس أموال منها بقطاع حيوي كالزراعة، يُفترض أن المصريين أول شعوب العالم في ممارسته منذ آلاف السنين، ولا يحتاج إلى تقنية أو توطين أو اجتذاب كفاءات من الخارج.
بحسب البيانات الرسمية لوزارة الزراعة المصرية، فإن حجم الاستثمارات الإماراتية في الإنتاج الزراعي بمصر يزيد على 7 مليارات دولار، بينما لا توجد أرقام واضحة حول حجم أراضي الشركات الخليجية، لكن تقارير مستقلة تقول، إنها 450 ألف فدان، منها 306 آلاف فدان لصالح الإمارات، والباقي أغلبه مملوك لشركات سعودية.
تنتج شركة الظاهرة القمح بجانب محاصيل أخرى ذات عوائد أعلى، مثل بنجر السكر والذرة، والأرز، والأعلاف، بالإضافة إلى الحمضيات، ويوجد منافس إماراتي لها وهو شركة “إن آر تي سي فود القابضة”، التي استحوذت على مزارع الهاشمية بوادي النطرون أكبر المجمعات الزراعية الخاصة بالمنطقة، على مساحة 10 آلاف فدان، يُزرع منها حالياً نحو 70%.
إن آر تي سي فود القابضة لا تركز على المحاصيل الاستراتيجية، ولكن محفظتها الزراعية تضم الحمضيات والزيتون والمانجو والعنب والتمور وبنجر السكر، ولديها مجمع مزارع بوادي النطرون على أكثر من مليوني شجرة مثمرة، مدعومة بأنظمة ري مركزية حديثة وبنية تحتية متقدمة لإدارة المياه، تعتمد على الطاقة الشمسية، وتصل الطاقة الإنتاجية للمزارع إلى نحو 70 ألف طن سنوياً.
اللاعب الثالث للإمارات بقطاع الزراعة هي شركة “جنان”، التي كان تركيزها على الأعلاف حتى جاء عام 2013، الذي قررت فيه تغيير سياستها للاستثمار بمصر باتجاه زراعة القمح، بدلا من علف الماشية، بعدما تعرضت لخسائر، وبناء على توجيه من أبوظبي، قبل أن تركز حاليًا على إنتاج الزيتون والتمر، وأعلاف الماشية بمناطق المنيا وشرق العوينات.
لماذا نستعين بمن يزرع لنا؟
بحسب المؤيدين لنشاط الشركات الزراعية الإماراتية بمصر، فإن تلك الشركات تنفق أموالا على الاستصلاح والتقنية، وهي أعباء كان يمكن للدولة تحملها، وهو أمر لا يتكرر في كل الحالات، ففي صفقة مزارع الهاشمية كانت الأرض جاهزة للزراعة، وتتضمن محطة طاقة شمسية، وأشجار مثمرة بالفعل.
بحسب دراسات، فإن العدو الأول للتنمية الزراعية هو معدل التضخم، وهو أمر تعاني مصر منه منذ سنوات وأحد مشكلات قطاع الزراعة بمصر، فأسعار السلع الزراعية بوجه خاص، تعتبر أحد الأسباب الحقيقيـة التـي تقـف وراء تناقص الاستثمارات الزراعية، وخاصة في السنوات الأخيرة؛ نتيجـة إحجـام المـستثمرين المحليين عـن الاستثمار بالقطاع الزراعي.
في دراسة عن القطاع الزراعي بمصر خلال الفترة (2001/ 2002-2021/ 2022)، يتبين انخفاض نصيب القطاع الزراعي من القروض الممنوحة من الجهاز المصرفي، وكذلك نسبة قيمة الاستثمار الزراعي لإجمالي قيمة الاستثمار القومي، كما تبين الأهمية النسبية لتوزيع الاستثمار الأجنبي المباشر على القطاعات الاقتصادية المختلفة ونصيب قطاع الزراعة منها.
د. نادر نور الدين، الخبير الزراعي، يقول إن شركة الظاهرة الإماراتية دفعت قيمة الأرض كاملة للحكومة المصرية، وتدفع ثمن المياه التي قامت وزارة الري بمضاعفة ثمن استهلاكها، بحيث يغطي تكاليف التشغيل، التي تتحملها الوزارة وتتماشى مع الأسعار المحلية وفي المنطقة.
أضاف أن الشركة الإماراتية وتجاورها أيضًا شركة سعودية تعملان في منطقة توشكى بمناخها الصعب كشركات استثمارية، تعمل في مجال الزراعة والأمن الغذائي، مضيفًا أنها منطقة حارة عالية استهلاك المياه، وينبغي أن نقدر ذلك، موضحا أنه أوصى بحتمية قيام الشركات الاستثمارية الزراعية ببيع نصف إنتاجها في السوق المصري، وأن تزرع حاصلات تهم بلدهم وتهم بلدنا أيضًاـ وألا تورد المحصول لبلدها فقط، وهو ما التزمت به الشركة الإماراتية، بل وأكثر حيث وردت كامل محصول القمح للحكومة المصرية، رغم أن دولة الإمارات تستورد القمح مثلنا.
أوضح أن أي توريد للقمح من داخل مصر، يورد للدولة بالجنيه المصري فقط، سواء من شركات استثمارية تعمل في مصر أو حتى من مستوردين للقمح استوردوه بالعملات الأجنبية.
الفكرة ذاتها، يؤكدها عبد العزيز السيد، وكيل أول بالجهاز المركزي للمحاسبات سابقا، والذي يقول إن مشاريع الإمارات الزراعية تًدار بغرفة شركة الظاهرة الإماراتية المشهرة في ٢٠٠٧ وتقع أراضيها في منطقتي توشكى وشرق العوينات، وقامت الشركة في هذا العام بتوريد ٣٠٠ ألف إردب قمح لحساب وزارة التموين.
أضاف أن الشركة دفعت مئات ملايين الدولارات لشراء المعدات الثقيلة والخفيفة المستخدمة في الاستصلاح والري والصرف والضم والدرس والتشوين والتوريد ودفع رواتب عشرات الآلاف من العمالة المصرية، وإعاشتهم وذويهم والتأمين عليهم وعلى أسرهم بصحراء توشكى التي تبعد مئات الكيلو مترات عن الدلتا والصعيد.
يضيف أن التجارب الدولية أثبتت ذلك، فإندونيسيا قامت بإصلاحات هيكلية؛ لتخفيف القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر، مما سهل دخول المستثمرين الأجانب لتطوير الأراضي الزراعية، ومنحت إعفاءات ضريبية وتسهيلات جمركية للمشاريع بقطاعات الزراعة ومصايد الأسماك، الأمر الذي أدى إلى تدفق نحو ٢٢ مليار دولار في قطاع الزراعة، وزادت الصادرات الزراعية بصورة كبيرة، مما أدى لتشغيل نحو ٨ ملايين مواطن.
لماذا الجدل بشأن استثمارات الإمارات؟
رغم تأييد الاقتصاديين للاستثمار الزراعي الإماراتي بمصر، لكن مركز حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية في القاهرة- يقول إن المالية المصرية تحملت مصروفات لصالح تلك المشروعات كترفيق وتجهيز الأراضي، ما يعني أنها حصلت على دعم واسع تصل حصيلته مليارات الجنيهات سواء في سعر الأرض أو في تجهيزها للزراعة.
تشير بعض التقديرات، إلى أن شركات مثل “الظاهرة” و”جنان” توظف أعدادا محدودة من المصريين والأجانب- في مواقعها بمصر، وهو عدد أقل بكثير من العمالة المطلوبة لزراعة مساحات مماثلة بالوادي والدلتا. كما أنه رقم يبتعد كثيرًا عن أحد أهم أهداف مشروع توشكى، وهو خلق 450 ألف وظيفة سنويًّا.
كانت الأسعار التي تم منح الأراضي بها لتلك الشركات مثار جدل في أعقاب ثورة 25 يناير، ففي يونيو 2011، إذ وضعت حكومة عصام شرف اتفاقية جديدة بالتراضي مع شركة المملكة للتنمية الزراعية السعودية بعد إلغاء العقد القديم الذي وقع في ظل نظام مبارك.
الاتفاق القديم خصص 100 ألف فدان للشركة السعودية، وأبدى مجلس الدولة العديد من الملاحظات عليه لتضمنه شروطا مجحفة بحق مصر. وفي الاتفاقية الجديدة، حينها ــ تم تخصيص 25 ألف فدان فقط للشركة من المساحة السابقة مع استرداد الدولة 75 ألف فدان.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق، كان من معارضي ذلك التوجه، مؤكدًا أن ذلك القمح الذي ندفع ثمنه للإمارات مُزروع في أرض مصر وبمياهها وفلاحيها، متسائلاً: ماذا قدمت الإمارات ولا نستطيع نحن تقديمه مقابل هذا القمح؟ مشددا على أن جميع المدخلات من مصر التي تزرع قمحها بنفسها منذ بدء الخليقة.
لكن شركة الظاهرة قالت في المقابل، إن القمح مجرد محصول واحد ضمن دورة زراعية متكاملة، تتضمن القمح، والقمح الديورم (المستخدم في زراعة المكرونة)، وبنجر السكر، والبطاطس، والبصل، والذرة، وذرة التقاوي، والبرسيم، بالإضافة إلى مزارع النخيل، مؤكدة أن القمح أقل محاصيل الشركة من حيث الربحية، ومع ذلك تستمر في زراعته؛ لأنه محصول استراتيجي مهم ضمن الدورة الزراعية، وإيمانًا منها بأهمية المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي.
هل يوجد بديل؟
شراء القمح من شركة الظاهرة الإماراتية لا يرتبط أساسًا بفكرة التنمية الزراعية أو دعمها السوق المحلية، ففي أكتوبر 2023، أعلنت الحكومة المصرية توقيع اتفاق مع الإمارات للحصول على قرض بقيمة 500 مليون دولار لمدة 5 سنوات؛ للمساعدة في شراء القمح، وتشترط الاتفاقية، أن يكون الشراء من شركة الظاهرة الإماراتية.
لكن د رشاد حامد، الخبير الاقتصادي، يقول إن الـ 45 ألف طن، التي حصلت عليهم مصر، تمثل حوالي 0.5% فقط من إنتاج مصر السنوي من القمح، وهي تمثل نحو 0.36% فقط من واردات القمح السنوية، كما أنها تمثل نحو 1% تقريبًا من مشتريات الحكومة.
أضاف أن الرقم، وحده ليس ضخمًا على المستوى القومي، لكنه مُهم؛ لأنه إنتاج جاء من أراضٍ مستصلحة، لا من أرض قديمة، كانت تنتج محصولًا آخر. وهذه نقطة جوهرية. فالقيمة هنا ليست فقط في 45 ألف طن قمح، بل في إضافة طاقة إنتاجية جديدة للاقتصاد الزراعي المصري، موضحًا أن تلك الكمية كانت ستُستورد من الخارج، لولا إنتاجها محليًا، وإذا توسع النموذج إلى عدة ملايين من الأطنان، فإن الأثر ينتقل من هامش صغير إلى بند مؤثر في ميزان الغذاء والنقد الأجنبي.
يطالب خبراء بالتمييز بين الحساب المالي والحساب الاستراتيجي، فمن الناحية المالية الضيقة، قد يكون سعر توريد القمح المحلي للحكومة أعلى من سعر الاستيراد العالمي في بعض الفترات، لكن من ناحية النقد الأجنبي، الدولة تدفع للمورد المحلي بالجنيه، بينما الاستيراد يتطلب دولارًا.
من ناحية الأمن الغذائي، القمح المنتج داخل الحدود المصرية ليس معرضًا بنفس الدرجة لمخاطر الحرب في البحر الأسود، أو ارتفاع تكلفة الشحن، أو اضطراب سلاسل الإمداد، أو قرارات حظر التصدير، التي قد تتخذها دول منتجة في أوقات الأزمات، بحسب رشاد.
المعضلة
معضلة الزراعة المصرية في تأثير التضخم وضعف التمويل، وعدم مراعاة الحكومـة تلك الأسباب بعين الاعتبار عند رسم السياسات الزراعية والاقتصادية المتعلقة بالاستثمار فـي الـسنوات المقبلة، كذلك عدم تحفيز القطاع الزراعي بشكل خاص، يراعى أهمية هذا القطاع عن غيره من القطاعات الأخرى في الاقتصاد المصري.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "













0 تعليق