بالبلدي: إشكالية القيادة

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

مشكلة القيادة في مصر تكمُن في ميزة وعيب: الميزة أن لديها جهاز بيروقراطي حديث خبير بكافة ملفات الإدارة العامة وقادر على تسيير كافة المؤسسات والمرافق من مخابز العيش حتى جباية الضرائب، ولا يُنقِص من هذه الميزة ما فيه من فساد لا سبيل لإنكاره، كما لا ينقص منها ما فيه من ترهل مُزمن. أما العيب فهو أن هذا الجهاز البيروقراطي لديه مرونة سلبية عالية جداً، وهي سرعة التقلب والتكيف مع سياسات رسمية عليا، تُلقى إليه ويؤمر بها فينفذها بطاعة ونفاق معاً، حتى لو كان على يقين أنها سياسات خاطئة. الميزة لها جذور قديمة ترتبط بمشاريع التحديث الإداري التي أنجزها محمد علي باشا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ثم حفيده إسماعيل في ربعه الثالث، ثم الإدارة البريطانية في ثلاثة أرباع قرن هي عمر الاحتلال، ثم الحكم الوطني بعد ثورة 23 يوليو 1952، فمصر من أولى الدول- خارج أوروبا الغربية وأمريكا- التي سارعت إلى تبني نظم إدارة حديثة عزز منها الحكم البريطاني على مدار ثلاثة أرباع قرن. أما العيب فيكمن في بعض من ميراث السياسة المصرية منذ الفراعنة حيث كل فرعون جديد، يهمه بالدرجة الأولى أن يمحو ميراث من سبقه، ثم يبدأ من جديد كأنه فاتحة التاريخ من أول سطر فيه، كأنه جاء من عدم، جاء ولم يكن من قبله أحد، فكل من قبله هواء أو هباء.

هذا التقليد لم يتغير حتى في عهد سلالة محمد علي باشا، كأنهم تمصروا ثم تفرعنوا فهم- بالغريزة السياسية- فراعنة أصلاء مثلهم في ذلك مثل من خلعوهم ثم ورثوهم من ضباط القوات المسلحة الذين يتناوبون على منصب الرئيس منذ ثلاثة أرباع قرن، فكل رئيس يأتي ينقلب على ميراث من سبقه، ثم يبدأ التاريخ من نقطة وأول السطر، ومع كل رئيس تكون البيروقراطية المصرية جاهزة لتغير جلدها بكل أريحية وتسير خلف الرئيس الجديد سواء أخطأ وأصاب، فهي تؤمن أن الرؤساء دائماً على حق، وأن الصواب يقف دائماً في جانبهم.

هذه الإشكالية الرئاسية وتجاوب البيروقراطية معها من شأنها أن تسير مصر فترة معينة في اتجاه ما، ثم فجأة وبرحيل الرئيس ومجيء رئيس جديد تخرج مصر عن المسار القديم، وتبدأ السير في مسار جديد حتى لو كان غير محدد الوجهة أو غير واضح المعالم يغطيه الضباب ويلفه الغموض. هذا العيب يفسر لك الكم المرعب من التناقضات الجذرية في عموم الحياة المصرية: تناقضات سياسية، تناقضات تشريعية وقانونية، تناقضات عمرانية وحضرية وريفية، تناقضات طبقية، فرئيس يرفع أناساً ثم يأتي رئيس جديد، فيخسف بهم الأرض ويرفع مكانهم آخرين، وهكذا، بحيث أصبحت مصر وأهلها ومصالحهم ومرافقهم العامة معامل تجارب ومختبرات ميدانية، يجرب فيها الرؤساء أحلامهم وطموحاتهم المدروس منها وغير المدروس والموزون منها، وما هو خارج نطاق العقل والرشد والحكمة. هذا العيب يحرم مصر من أن تتقدم إلى الأمام، هي تتحرك في الاتجاه وعكسه أكثر من مرة، تتحرك في كل الاتجاهات، حركة مرهقة ومنهكة ومتعبة لأعصاب الشعب والدولة.

الاتجاهات الوحيدة الثابتة التي لا تتغير ولا تلتفت ذات اليمين أو ذات الشمال هي: استمرار الفقر ويكفي التدليل على ذلك بنصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي فهو يكاد يكون ثابتاً على مدار نصف القرن الأخير، ثم استمرار القهر وهذا شيء طبيعي؛ لأن كل رئيس جديد يُحِب أن يُملي سياسته من طرف واحد، وهذا من شأنه استدعاء بعض القوة أو العنف مع تمريره في ثوب القانون، وتمرير العنف في ثوب القانون، يحتاج أن يسيطر الرئيس الجديد على البرلمان، والسيطرة على البرلمان تستدعي السيطرة على الانتخابات، والسيطرة على الانتخابات تعني السيطرة على قوانين مباشرة الحقوق السياسية، وهذا بشأنه يستدعي السيطرة على الأحزاب والقوى الاجتماعية ثم المجتمع بكامله، وهذا يستدعي الإمساك بكل زمام ولجام، زمام الإعلام والصحافة وكافة منابر التوجيه، والإمساك بلجام الاقتصاد والأرزاق والمغانم والمغارم والمنافع والامتيازات، وكل ما سبق يستدعي القبض بيد من حديد، يعلوها قفاز من حرير على كافة السلطات والمؤسسات، ثم تكون النتيجة أن مصر تكرر نفسها وتعيد إنتاج نفسها مع كل رئيس جديد، هو يبدو جديداً فقط عند البداية، يبدو جديداً فقط في الشكل واللغة والرموز ونوعية رجال البطانة، لكن عملياً وبمرور الزمن يكون كل الرؤساء متشابهين من زاويتين: الاستحواذ قدر الإمكان على أكبر قدر من السلطة المطلقة، البقاء أطول فترة ممكنة في السلطة، عدم التفكير في مغادرة السلطة، وهو على قيد الحياة.

هذه باختصار ووضوح شديدين هي إشكالية القيادة في مصر.

أما كيف الخروج منها فهذا موضوع مقال الأربعاء المقبل بمشيئة الله تعالى.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??