تقف مصر عند مفصل تحوّلٍ بنيويٍّ يتجاوزها، هو اندماج اثنين من أكبر عناقيد الصراع في العالم، القرن الإفريقيّ والشرق الأوسط الكبير، في نظامٍ واحدٍ متّصل. ولفهم موقعها من هذا الاندماج وكُلفته على المجتمع والدولة، نقدم روايتين متكاملتين؛ تمضي الأولى في مسارٍ هيكلي، يتتبّع كيف يتشابك العنقودان، وأين تقع مصر في هذا التشابك إلى جانب دولتي الجسر الأخريين، تركيا وإسرائيل. وتمضي الثانية في مسارٍ يتتبع الأحداث الجارية، وفيها ننظر كيف تحوّلت حرب 2023–2026، التي تبدو حروبًا متفرّقة، وهي في حقيقتها حربٌ واحدةٌ ممتدّة، إلى الواقعة التي تصل العنقودين فعلًا، وما ترتّب على ذلك من أثرٍ اقتصاديٍّ، يطال معيشة المصريين، وجيو سياسيٍّ على البيئة الاستراتيجية التي تتحرّك فيها مصر كلّها.
وتكشف الروايتان معًا مفارقةً واحدة، هي أن مصر اليوم أكثر منعةً مالية مما كانت عليه عام 2022 وأشدّ انكشافًا استراتيجيا في الوقت ذاته.
الرواية الأولى: تشابك العنقودين وموقع مصر
تقتضي القراءة الأساسية، أن تتغيّر وحدة التحليل، فلا تبقى الدولة المفردة هي المعيار، بل يحلّ محلّها نظام الصراع. وتكشف بيانات مؤشر السلام العالميّ 2026 https://www.visionofhumanity.org/resources/
وملحقه “أنظمة الصراع العالمية”، الصادران عن معهد الاقتصاد والسلام، أن الحروب الحديثة نادرًا ما تبقى محتواةً داخل حدودها. فقد بلغ عدد النزاعات المسلّحة القائمة بين الدول أعلى مستوياته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ يُحصى نحو 61 نزاعًا نشطًا، أي ما يقارب ضعف ما كان قائمًا قبل خمسة عشر عامًا، وارتفعت النزاعات الداخلية المُدوّلة بأكثر من 175 في المئة منذ 2010، وتضاعفت الوفيات المرتبطة بالصراع بأكثر من 530 في المئة منذ 2008، وصعد عدد الدول المنخرطة في صراعٍ خارجيٍّ خلال السنوات الخمس السابقة من 59 إلى 103.
وهذه الكثافة من الترابط تفرض وحدة تحليلٍ مغايرة، هي نظام الصراع، ويعني به العنقود الإقليميّ من الحروب، التي تتقاسم الرعاة وسلاسل الإمداد والمقاتلين واللاجئين بكثافةٍ، تجعل تحليل كلٍّ منها بمعزلٍ عن جاراتها ضربًا من التضليل.
وتكاد كلُّ دولةٍ تخوض حربًا نشطةً اليوم، تنتمي إلى أحد ثمانية أنظمة صراعٍ كبرى، هي القرن الإفريقيّ، والساحل وحوض بحيرة تشاد، والشرق الأوسط الكبير، والبحيرات الكبرى ووسط إفريقيا، وأوروبا الشرقية، وأفغانستان وباكستان، وجنوب شرق آسيا القاريّ، وممر الإنديز في أمريكا اللاتينية، الذي يضم دولا مثل كولومبيا، وفنزويلا، والإكوادور، وبيرو، وبوليفيا.
ويربط بين حروب كلِّ نظامٍ تسعُ آليّاتٍ لانتشار العنف عبر الحدود، تنتظم في ثلاث فئات:
1- فالفئة الأولى، قنواتٌ ماديّةٌ تنقل البشر والسلاح والمال، كتدفّقات اللاجئين والنازحين وتداول السلاح والمقاتلين والاقتصادات غير المشروعة وملاذات المتمرّدين.
2- والفئة الثانية، قنواتٌ علائقيّةٌ تربط الفاعلين بروابطَ سابقةٍ على الصراع بعينه، كالقرابة الإثنية العابرة للحدود والرعاية الخارجية للدول والشبكات الأيديولوجية العابرة للقوميات.
3- والفئة الثالثة، عواملُ مُهيِّئةٌ تحدّد مدى قابلية البيئة للاشتعال، حين تعمل الآليّات الأخرى عليها، كقدرة الدولة أو ضعفها، وأثرِ المحاكاة الذي يَنقل التكتيكات الناجحة في مكانٍ ليُكيِّفها في آخر.
ومتى اجتمع عدد من هذه الآليّات في إقليمٍ متّصل، تولّد منها نظام الصراع، على ألّا يقلّ عددها في أيٍّ من العناقيد الثمانية عن ثلاث. والقرن الإفريقيّ أنصع الأمثلة، إذ تعمل فيه الآليّات التسع كلّها في آنٍ واحد.
بنية الربط: كيف يتشابك العنقودان؟
يقوم تشابك القرن الإفريقيّ والشرق الأوسط على أربع عُرى بنيويّة، تجسّد كلٌّ منها آليّةً أو أكثر من آليّات الانتشار:
أولاها الرعاية الخليجية، التي تعمل في الإقليمين معًا. ففي حرب السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، التي اندلعت في إبريل/ نيسان 2023، تدعم الإمارات قوات الدعم السريع، بينما تدعم مصر وإيران الجيش السودانيّ، وتتحرّك تركيا وقطر وروسيا بين الطرفين. وتحاكي هذه الرعاية التنافسية النموذج السوريّ الذي تكثّف فيه الصراع، وتفتّتت معه عمليات السلام، حتى صار وضعًا لا يواجه فيه أيٌّ من الطرفين قيدًا في الموارد، قد يدفعه إلى التفاوض.
والرعاةُ أنفسُهم، ودول الخليج في مقدّمتهم، هم الرعاةُ المهيمنون في عنقود الشرق الأوسط أيضًا، ومن ثمّ تنتقل الديناميات من نظامٍ إلى آخر عبر الجيب الواحد نفسه.
والعروة الثانية، نقاط اختناق البحر الأحمر، حيث تلتقي شواطئ النظامين. فمضيق هرمز يمرّ عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية وما يقارب 500 مليار دولار من تجارة الطاقة سنويًّا، وباب المندب وقناة السويس شريانان لكلا الإقليمين. ومتى تحوّلت هذه الممرّات من بنيةٍ تحتيّةٍ مشتركةٍ إلى موضوع نزاعٍ، صار ضبطُها أداةَ ضغطٍ استراتيجيّ. وقد أظهرت حرب إيران 2026 ذلك في أوضح صوره حين انهار مرور الناقلات عبر هرمز بنحو 94 في المئة خلال أربعٍ وعشرين ساعة، فبات البحر الأحمر، وهو حاملٌ لحصّةٍ معتبرةٍ من التجارة العالمية، يتحوّل تدريجيًّا من ممرٍّ مشتركٍ إلى مسرحٍ عسكريٍّ واحدٍ، تُدار فيه تهديدات الحوثيين ومنافسة المواني وعسكرة باب المندب بوصفها كلًّا متّصلًا.
والعروة الثالثة، ممرّ الذهب من السودان إلى الإمارات. فبعض التقديرات تشير إلى أن ما لا يقلّ عن 400 طنٍّ من الذهب، هُرِّبت من السودان بين عامي 2012 و2024 وكانت الإمارات وجهتَها الأساسية، فيما يُقدَّر أن قوات الدعم السريع وحدها أنتجت 10 أطنانٍ من الذهب في 2024 بقيمةٍ سوقيّةٍ تناهز 860 مليون دولار. وهذا الاقتصاد غير المشروع يجعل الحرب عصيّةً على الحلّ؛ لأنه يموّلها ذاتيًّا. والأخطر أن سعر الذهب، الذي كان نحو 2000 دولارٍ للأونصة عند بدء الحرب، ارتفع بنحو 150 في المئة منذ 2024 حتى تجاوز 5000 دولارٍ للأونصة لفترةٍ وجيزةٍ في مارس/ آذار 2026، وكلُّ ارتفاعٍ في السعر يضخّ موارد أكبر للسلاح والمقاتلين، ويخلق حوافز أشدّ للسيطرة على مناطق التعدين وطرق العبور.
والعروة الرابعة، وهي الأعمق، ثلاثُ دولِ جسرٍ مغروسةٍ في النظامين في آنٍ واحد هي: مصر وتركيا وإسرائيل. وبها يتبيّن أن التشابك لا يُختزل في النفوذ المالي الخليجيّ، بل تحمله دولٌ راسخةٌ هيكليا في الإقليمين، تسعى عبرهما إلى أهدافٍ، تمتدّ فيهما معًا، من أمن النيل إلى النفوذ الإقليميّ والوصول إلى البحر الأحمر واحتواء إيران، ولكلٍّ منها شأنٌ يستحقّ التفصيل.
دول الجسر الثلاث: مصر وتركيا وإسرائيل
مصر أوضح هذه الدول الثلاث. يحرّك موقفها في القرن الإفريقيّ سدُّ النهضة الإثيوبيّ، الذي تعدّه تهديدًا وجوديًّا لأمنها المائيّ، فبنت محورًا للاحتواء، وقّعت في إطاره اتفاق دفاعٍ مع الصومال في أغسطس 2024، ونشرت قوّاتٍ في مقديشو، والتزمت بما يصل إلى 5000 جنديٍّ في بعثة الاتحاد الإفريقيّ، وعمّقت تعاونها مع إريتريا، والجيش السودانيّ تزوّده بحسب تقارير بمقاتلاتٍ وتدريبٍ وطائراتٍ مسيّرة. وهي في الوقت ذاته تحرس قناة السويس، وتدير حدود غزّة على الجانب المشرقيّ.
أما تركيا فتعمل عبر مزيجٍ من الوساطة وبيع السلاح والحضور العسكريّ. لها قوّاتٌ ووكلاءُ في سوريا والعراق، وتدخّلٌ في ليبيا، وتصديرٌ لطائرات بيرقدار، وإمدادٌ للجيش السودانيّ بالسلاح والمسيّرات، وقواعدُ وتدريبٌ في الصومال، ووساطةٌ أنتجت “إعلان أنقرة” في ديسمبر 2024 الذي خفّف توتّر إثيوبيا والصومال. فهي تؤجّج الصراع في موضعٍ وتُطفأه في آخر، وهذا التذبذب نفسه آليّةُ ربطٍ بين النظامين.
وإسرائيل أحدث الوافدين إلى القرن الإفريقي. مشروعها المركزيّ إنهاك إيران ومحورها، وهو الحدث المنظِّم لعنقود الشرق الأوسط، غير أنها مدّت يدها إلى الضفّة الإفريقية حين اعترفت بأرض الصومال في 26 ديسمبر 2025، في أوّل اعترافٍ من دولةٍ عضوٍ في الأمم المتحدة، وأطّرت خطوتها بوصفها تأمينًا لممرّ البحر الأحمر ضدّ الحوثيين، وصولًا إلى ميناء بربرة، معزّزةً بذلك اصطفافًا صاعدًا، يجمع الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا.
لماذا مصر أشدّ دول الجسر انكشافًا؟
تتقاسم الدول الثلاث صفة الجسر بين النظامين، لكنها تختلف في طبيعة فاعليتها. فتركيا تراوغ بين المحاور، وتُسقط نفوذها هجوميًّا في مسارح متعدّدة، وإسرائيل تعيد رسم رقعة الإقليم بمبادرةٍ تأسيسية، يطلق عليها “الشرق الأوسط الجديد”. أما مصر فموقعها دفاعيٌّ في جوهره، فهي تحتوي إثيوبيا وتحرس السويس وتدير غزّة، وتمتصّ نحو مليون لاجئٍ سودانيّ، وتعتمد على المال الخليجيّ.
وليست عُرى التشابك تجريدًا نظريًّا في حالة مصر، بل تصل إليها عبر قنواتٍ ماديّةٍ ملموسة. فحرب السودان دفعت إليها أكبر تجمّعٍ للاجئين السودانيين في العالم، وفائض السلاح المتدفّق في الإقليم منذ ليبيا يغذّي شبكات التهريب على حدودها، والبحر الأحمر الذي يربط العنقودين، هو نفسه شريان قناتها. فمصر ليست مراقِبًا خارجيًّا للتشابك، بل إحدى نقاطه الحاملة، تمرّ بها قنوات الانتشار الماديّة من لاجئين وسلاحٍ وممرٍّ بحريّ، والعلائقية من رعايةٍ واصطفافات، في آنٍ واحد.
وهذا الفارق حاسم. فحين يتشابك العنقودان، تملك تركيا وإسرائيل هامشًا للمناورة، لا تملكه مصر، التي تجد مواقع نفوذها كلّها، من النيل إلى السويس إلى غزّة إلى البحر الأحمر، وقد تحوّلت دفعةً واحدةً إلى قنوات انكشاف. إنها الدولة الوحيدة بين الثلاث التي تقف على خطّ التماسّ بين النظامين بكامل ثقلها السكانيّ والاقتصاديّ، عاجزةً عن إعادة تشكيل اللعبة أو الانسحاب منها.
الرواية الثانية: حرب 2023–2026 بوصفها حدث الوصل
الخطأ الشائع أن يُقرأ ما جرى منذ أكتوبر/ تشرين أول 2023 بوصفه حروبًا متفرّقة، حرب غزّة، فجبهة لبنان، فاضطراب البحر الأحمر، فالحرب على إيران. والأصحّ أنها حربٌ إقليميّةٌ واحدةٌ ممتدّة.
سلسلةُ تصعيدٍ متّصلة الحلقات. فهجوم حماس أكتوبر/ تشرين أول 2023 فتح جبهاتٍ متعدّدةً عبر محور المقاومة من فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله إلى الحوثيين إلى الميليشيات العراقية، ثم جاءت “حرب الاثني عشر يومًا» بين إسرائيل وإيران في يونيو/ حزيران 2025، فالحملة الأمريكية الإسرائيلية الكبرى على إيران في 2026 التي بلغت ذروتها بضرباتٍ واسعةٍ مطلع العام. ومتى قُرأت حربًا واحدةً، تكشّف دورها الحقيقيّ، فلم تكن سلسلةَ أزماتٍ منفصلة، بل المُحرّك الذي حوّل تشابك العنقودين من احتمالٍ بنيويٍّ إلى واقعٍ متحقّق.
والمهمّ لمصر تحديدًا، أن نقطة البداية في هذه الحرب الواحدة، وهي غزّة، هي نفسها نقطة بداية صدمتها الاقتصادية. فحملة الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر، التي أطلقوها تضامنًا مع غزّة منذ أواخر 2023، هي ما انهار به عبور قناة السويس قبل أن تبلغ الحربُ إيران بعامين. والخيط الذي يصل غزّة بانكشاف مصر الاقتصاديّ خيطٌ مباشر إذن، فلم تكن أزمة القناة أثرًا جانبيًّا لحربٍ بعيدة بل الوجه البحريّ للحرب نفسها، وهي تمتدّ من القطاع إلى الممرّ ثم إلى هرمز.
وقد وصلت هذه الحرب الواحدة بين النظامين عبر ثلاث آليّاتٍ في آنٍ معًا: 1- عطّلت ممرّات البحر الأحمر من هرمز إلى باب المندب إلى مدخل السويس، فحوّلتها من بنيةٍ تحتيّةٍ مشتركةٍ إلى مسرحٍ واحد متنازَعٍ عليه، 2- وأعادت ترتيب أولويات الرعاة الخليجيين العاملين في الإقليمين معًا، 3- وبثّت صدماتِ أسعار الغذاء والطاقة في الدول المعتمدة على الاستيراد.
وبهذه الآليّات الثلاث، وصلت همومَ مصر في جنوبها، حيث النيل والقرن، بانكشافها في شمالها، حيث السويس وغزّة بشرقها، حيث المال الخليجيّ، في سلسلةٍ واحدةٍ مترابطة.
ومن هنا يأتي الأثر المزدوج، الذي تتحمّله مصر، فهو اقتصاديٌّ على الدولة والمجتمع وجيو سياسيٌّ على البيئة الاستراتيجية بأسرها.
الأثر الاقتصاديّ على الدولة
كانت قناة السويس أوّل ناقلٍ للصدمة. فقد انهارت إيراداتها من مستوًى قياسيٍّ بلغ 10.25 مليارات دولارٍ في 2023 إلى 3.99 مليارات في 2024، بتراجعٍ نسبته 61 في المئة، وفق رئيس الهيئة أسامة ربيع، وسجّل البنك المركزيّ المصريّ إيرادات السنة المالية 2024/2025 عند 3.6 مليارات بانخفاضٍ نسبته 45.5 في المئة. وكان تعافٍ قد بدأ قُبيل حرب 2026، إذ ارتفعت الإيرادات بنسبة 18.5 في المئة في النصف الأول من السنة المالية 2025/2026 بعد هدنة غزّة في أكتوبر/ تشرين أول 2025، غير أنه انقطع حين أُغلق هرمز أواخر فبراير/ شباط 2026، فأعادت كبرى شركات الشحن تعليق عبورها، وقُدّر تراجع الحركة بنحو النصف في مارس/ آذار، حتى أعلن الرئيس السيسي في مايو/ أيار 2026 خسائر تراكميةً ناهزت 10 مليارات دولار.
ثم تلتها صدمة الطاقة. فقد قفز خام برنت من نحو 72 دولارًا إلى نحو 119 و120 دولارًا للبرميل في مارس/ آذار 2026 بينما موازنة مصر مبنيّةٌ على ما بين 80 و85 دولارًا، وعلّقت إسرائيل تصدير الغاز إليها بذريعة “القوة القاهرة”، فاضطرّت إلى شراءٍ طارئٍ، بعد أن صارت مستوردًا صافيًا للغاز بوارداتٍ قياسيّةٍ من الغاز المسال بلغت 9.01 ملايين طنٍّ في 2025.
وبوصفها من كبار مستوردي القمح في العالم، تتحمّل مصر دعمَ خبزٍ يناهز 3 مليارات دولارٍ سنويًّا لإطعام نحو 110 ملايين نسمة، فتتحوّل كلُّ صدمةٍ في الممرّ أو السعر عجزًا في الموازنة.
الأثر الاقتصاديّ على المجتمع
على مستوى الأسر، تُرجِمت الصدمة تضخّمًا. فقد ارتفع التضخّم الحضريّ من نحو 10.1 في المئة في يناير/ كانون أول 2026 إلى 15.2 في المئة في مارس/ آذار بفعل رفع أسعار الوقود بين 14 و17 في المئة، حتى بلغ تضخّم النقل 39.4 في المئة وتضخّم السكن والمرافق 40.4 في المئة، ورفع البنك المركزيّ توقّعه إلى ما بين 16 و17 في المئة.
غير أن لمصر هذه المرّة وسائدَ لم تكن متاحةً في 2022. فلديها احتياطيٌّ قياسيٌّ بلغ 52.59 مليار دولارٍ نهاية يناير 2026 يغطّي نحو سبعة أشهرٍ من الواردات، وجنيهٌ مرنٌ تجاوز سعرُه 52 جنيهًا للدولار، ثم بلغ نحو 54.7 في إبريل/ نيسان وتعافى إلى نحو 50 في يونيو، وبدأ في التراجع بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا، وتحويلاتٌ قياسيّةٌ من المصريين في الخارج بلغت 41.5 مليار دولارٍ في 2025. ومن المفارقات، أن صدمة النفط التي أضرّت بمصر المستورِدة عزّزت اقتصادات الخليج المصدِّرة، فدعمت تشغيل عمالتها المصرية.
وفي المقابل خرج نحو 8 مليارات دولارٍ من “الأموال الساخنة” خلال النزاع بحسب تقدير وكالة موديز، وصمدت السياحة نسبيًّا، إذ بلغ عدد السيّاح نحو 19 مليونًا في 2025 بإيراداتٍ ناهزت 24 مليار دولارٍ ونموٍّ يقارب 15.6 في المئة في الربع الأول من 2026 رغم تراجع الإشغال الفندقيّ بين 20 و25 في المئة.
ويبقى المتغيّر الأخطر متوسّط المدى هو المال الخليجيّ. فبعد صفقة “رأس الحكمة” الإماراتية البالغة 35 مليار دولارٍ في 2024 وصفقةٍ قطريةٍ بنحو 29.7 مليارات في 2025، يُتوقّع أن تتّجه صناديق الخليج السيادية، التي تناهز ستة تريليونات دولار، إلى تمويل إعادة الإعمار وتعزيز الدفاعات بعد الحرب. وقد حُذِّر من أن مصر تدخل فترةً لا تستطيع فيها التعويل على المال الخليجيّ، وهو ما يجفّف مصدرًا، اعتمدت عليه طويلًا لتعويض بطء الإصلاح البنيويّ.
ويُضاف إلى ضغط الأسعار عبءٌ اجتماعيٌّ صامت، هو استضافة اللاجئين. فمصر تؤوي أكبر عددٍ من اللاجئين السودانيين في العالم، إذ يتجاوز المسجّلون لدى المفوضية 800 ألفٍ ضمن نحو 1.5 مليون سودانيٍّ، يُقدَّر وجودهم فعليًّا، في وقتٍ انهار فيه تمويل الإغاثة الدوليّ، حتى تراجع نصيب اللاجئ الواحد من نحو 11 دولارًا شهريًّا في 2022 إلى نحو 4 دولاراتٍ في 2025. وهذا العبء يثقل الخدمات في القاهرة الكبرى والإسكندرية وأسوان، ويغذّي توتّرًا مجتمعيًّا، يتقاطع مع ضائقة المصريين أنفسهم، فيغدو الوجه الإنسانيّ المباشر لكون مصر دولةَ استقبالٍ في نظام صراعٍ، يطرد سكّانه عبر الحدود.
الأثر على البيئة الاستراتيجية
وأبعد من الأرقام، أعادت الحربُ الواحدة تشكيل البيئة الاستراتيجية كلّها، التي تتحرّك فيها مصر. فعلى جبهة القرن افتتحت إثيوبيا سدّ النهضة في سبتمبر/ أيلول 2025، فخسرت القاهرة، المعتمدة على النيل في نحو 97 في المئة من مياهها العذبة، ورقةَ التفاوض، بينما بات الخيار العسكريّ شبه مستحيلٍ في ظلّ انشغالها بغزّة. واعتراف إسرائيل بأرض الصومال بلور اصطفاف الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا في مقابل ردّة فعلٍ، تضمّ السعودية ومصر وتركيا، فاشتدّت ديناميّةُ التطويق على البحر الأحمر.
والأخطر أن الحرب حوّلت البحر الأحمر من ممرٍّ مشتركٍ إلى مسرحٍ عسكريٍّ واحدٍ ممتدٍّ من هرمز إلى باب المندب، وهي بالضبط عتبة اندماج العنقودين، ومصر جالسةٌ على مفصله عند السويس. وهكذا يضيق هامش استقلالها الاستراتيجيّ، فيصير داخلُها أكثر تحدّدًا بخارجها، وتُشدّ إلى طرفي النظام المندمج معًا، إذ تبقى المُدير الأماميّ لحدود غزّة وحاضنةَ خطة إعمارها في الشمال، بينما يضغط النيل في الجنوب، ويزداد البحر الأحمر اشتعالا.
وتضع هذه البيئة المتبدّلة مصر أمام معادلةٍ صعبة. فهي مضطرّةٌ إلى موازنةٍ دقيقةٍ بين رعاتها الخليجيين وحرصها على ألّا تُجرّ إلى حربٍ مع إيران أو إلى اصطفافٍ يكلّفها، وقد دفعت في أوائل الحرب ثمن حيادها امتعاضًا خليجيًّا عبّر عنه أنور قرقاش-مستشار رئيس الإمارات- علنًا حين تساءل عن “أين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟” وفي الوقت نفسه، يتقلّص خيارها في القرن الإفريقيّ بعد إحاطتها بإثيوبيا وإسرائيل، ويتعاظم عبؤها في غزّة بوصفها الوسيط الإجباريّ وحاضن الإعمار. والنتيجة أن مصر تُدفع إلى موقعٍ ردّ فعل على جبهاتٍ متعدّدةٍ في آن، بما يستنزف رأسمالها الدبلوماسيّ والماليّ، ويضيّق قدرتها على المبادرة، كلّما ازداد العنقودان تشابكًا.
خلاصة: منعةٌ وانكشافٌ في آنٍ
تلتقي الروايتان عند خلاصةٍ واحدة. فمصر بنيويًّا أشدّ دول الجسر الثلاث انكشافًا، لأنها الوحيدة التي تقف على خطّ التماسّ بكامل ثقلها من غير هامش مناورةٍ تركيٍّ أو مبادرةٍ إسرائيلية، وهي وفق وقائع الإقليم، تجلس على مفصل العنقودين اللذين تَلحُمهما حرب 2023–2026. والنتيجة مفارقةٌ لا تبسيط فيها، فمصر أكثر منعةً مالية مما كانت عليه في 2022 باحتياطيها القياسيّ وتحويلاتها المتزايدة وسياحتها الصامدة وانضباطها النقديّ، وأشدّ انكشافًا في الوقت ذاته، لأن وسائدها تلك تمتصّ الصدمة، ولا تشفى من الاعتماد الذي يولّدها. فإن طال اضطراب هرمز، وعاد خلل باب المندب أُعيد تشغيل السلسلة كاملةً دفعةً واحدة، من النفط إلى القناة إلى التضخّم إلى العملة إلى خروج الأموال. وتبقى الكلفة الأثقل على كاهل المصريّ العاديّ، الذي يدفع فاتورة موقعٍ جغرافيٍّ له أثقاله كما له فوائده، في لحظةٍ يُعاد فيها رسم خرائط الإقليم من حوله.
إن مصير مصر في هذا كلّه لا تصنعه وحدها؛ فإن جنح الإقليم إلى التهدئة، فُكّت بعض العُرى وعاد للقناة وللسياحة وللمال الخليجيّ بعضُ عافيتها، وإن ترسّخ الاندماج، صار انكشافها بنيةً دائمةً لا أزمةً عابرة.
وهذا التأرجح بين مسارين مفتوحين، لا حتميّة فيه، هو ما يجعل اللحظة الراهنة لحظةَ اختبارٍ لمصر أكثر مما هي لحظةَ قدَر.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع مصر أن تعيد تحويل مركزيتها من عبءٍ إلى رافعة، قبل أن ينصهر النظامان في عنقود واحد؟
تستند المعطيات إلى مؤشر السلام العالمي 2026 وملحقيه “أنظمة الصراع العالمية” و”حرب إيران وتهديد الإرهاب العالمي” الصادرة عن معهد الاقتصاد والسلام، وإلى بيانات البنك المركزي المصري وهيئة قناة السويس وصندوق النقد الدولي ووكالة موديز ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومعهد واشنطن، وفق أحدث ما تيسّر حتى منتصف 2026. وبعض أرقام ما بعد الحرب تقديريّةٌ لعدم اكتمال البيانات الرسمية بعد، وأبرزها إيرادات القناة لشهور مارس إلى يونيو 2026.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "











0 تعليق