اثارت ظاهرة عزوف أوائل الخريجين عن التعيين في وظيفة معيد بالجامعات المصرية مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم الجامعي والبحث العلمي، بعدما وصل الأمر في كلية الأعمال بجامعة الإسكندرية إلى رفض عدد من أوائل الخريجين التكليف بالوظيفة، قبل الوصول إلى الطالب صاحب الترتيب الرابع عشر، وبينما يرجع أكاديميون هذه الظاهرة إلى ضعف الرواتب مقارنة بفرص العمل في القطاع الخاص، يحذر آخرون من خطورة تجريف الجامعات من الكوادر الشابة، مؤكدين أن الجامعة هي مصنع العقول وصانعة الأجيال، وأن إنقاذ مستقبلها يبدأ بالاهتمام بأعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم وتوفير حياة كريمة لهم
من الأول إلى الرابع عشر.. أوائل الخريجين يرفضون وظيفة معيد بجامعة الإسكندرية
كشف الدكتور وجيه عبد الوهاب عن واقعة لافتة بكلية الأعمال جامعة الإسكندرية، موضحًا أنه للمرة الأولى يتم تكليف الطالب الأول على الدفعة بشعبة اللغة الفرنسية، فيرفض الوظيفة، ثم يتم التواصل مع الثاني فيرفض، ثم الثالث والرابع، حتى وصل الأمر إلى الطالب صاحب الترتيب الرابع عشر، مع احتمال رفضه هو الآخر، رغم أن عدد طلاب الدفعة بالكامل 30 طالبًا فقط.
وأضاف أن الوضع لم يختلف كثيرًا في شعبة اللغة الإنجليزية، حيث وافق على التكليف الطالب الخامس فقط، فضلًا عن وجود حالات أخرى لمعيدين تم تعيينهم بالفعل ثم تقدموا باستقالاتهم.
وطرح تساؤلًا مهمًا: إذا كانت فئة المعيدين تعزف عن العمل بـ الجامعات المصرية ، فمن سيتولى تعليم الأجيال القادمة وإعداد الكوادر العلمية التي تحتاج إليها الدولة؟
الدكتور وجيه عبد الوهاب: الجامعة أكبر مصنع للعقول.. فمن يحمي مستقبلها؟
أكد الدكتور وجيه عبد الوهاب أن تصنيف الجامعة باعتبارها منشأة خدمية وليس منشأة إنتاجية ينعكس على طبيعة مواردها وقدرتها على تحسين دخول العاملين بها، موضحًا أن الجامعات لا تحصل على توزيعات أرباح أو أسهم في منشآت إنتاجية مملوكة لها، كما يحدث في بعض الشركات.
وأشار إلى أن هذا التصنيف لا يعكس القيمة الحقيقية للجامعة، فهي أكبر مؤسسة تنتج العقول والكوادر التي تتولى مختلف مواقع العمل بالدولة، من أطباء ومهندسين وضباط ومديري بنوك وقيادات بالمؤسسات المالية وغيرها.
وأضاف أن الجامعة ظلت تؤدي رسالتها وتخرج الأجيال رغم الحروب والأزمات وجائحة كورونا، ولم يتوقف تدفق الخريجين إلى المجتمع.
ووجه رسالة إلى الطلاب الذين قد يعتقدون أنهم لم يستفيدوا كثيرًا من الجامعة، مؤكدًا أن مجرد دخول الطالب الجامعة وخروجه منها يجعله شخصًا مختلفًا، لأن الجامعة تسهم في تشكيل شخصيته وفكره وقدراته.
وشدد على أن الجامعة أكبر مصنع للعقول، ولذلك يجب الاهتمام بها وبأساتذتها وموظفيها وطلابها، معربًا عن استغرابه من أن يصبح راتب عضو هيئة التدريس مشكلة لا يمكن التعامل معها.
خدمة الدين تلتهم الموازنة.. هل حان وقت إعادة ترتيب أولويات الإنفاق؟
وأوضح الدكتور وجيه عبد الوهاب أنه يدرك حجم العجز الذي تعاني منه الدولة، وأن الظروف الاقتصادية الحالية تفرض قدرًا من المسؤولية في التعامل مع المطالب الفئوية، لكنه يرى أن أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم ليسوا المسؤولين عن عجز الموازنة.
وتطرق إلى أعباء خدمة الدين، مشيرًا إلى أن فوائد وأقساط القروض تمثل أعباء ضخمة على الموازنة العامة للدولة، وتستحوذ على جانب كبير من الإنفاق العام، بما يستدعي إعادة النظر في هيكل المصروفات وأولويات الإنفاق.
وأضاف أن زيادة أسعار الفائدة تنعكس على تكلفة خدمة الدين، مستشهدًا بما ذكره بشأن أن زيادة الفائدة بنسبة 1% قد تكلف الموازنة نحو 85 مليار جنيه.
واختتم رؤيته بالتأكيد على أن مواجهة عجز الموازنة تحتاج إلى حلول اقتصادية تعالج جذور المشكلة، وليس الاكتفاء بتأجيل تحسين دخول العاملين، خاصة أن التضخم التهم جانبًا كبيرًا من دخول مختلف الفئات، مطالبًا بالرفق بالجميع وإعادة النظر في أوضاعهم المالية.
الدكتور طارق يوسف: ضعف الرواتب يدفع المتفوقين إلى القطاع الخاص
من جانبه، أكد الدكتور طارق يوسف أن ظاهرة عزوف أوائل الخريجين عن التعيين بالجامعات تمثل خطرًا حقيقيًا على مستقبل التعليم والبحث العلمي، وتهدد أحد الأركان الأساسية للنهوض بالوطن والجامعات المصرية.
وأوضح أن المقابل المادي يأتي في مقدمة أسباب عزوف أوائل الكليات عن العمل معيدين، خاصة أن الشركات الخاصة، سواء الدولية أو المحلية، تقدم رواتب أكبر بكثير مما يحصل عليه المعيد في الجامعة.
وأشار إلى أن العمل في القطاع الخاص قد يوفر للخريج أيضًا فرصًا أفضل للمشاركة في الأبحاث والحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، وهو ما يجعل المقارنة بين المسارين أكثر صعوبة بالنسبة للمتفوقين.
زيادة مخصصات الجامعات والبحث العلمي.. ضرورة لإنقاذ الكوادر الشابة
وطالب الدكتور طارق يوسف بزيادة الميزانية المخصصة للجامعات بما يسمح برفع دخول المعيدين وتوفير حياة كريمة لهم، وتعزيز مكانتهم في المجتمع باعتبارهم صناع المستقبل.
كما دعا وزارة التعليم العالي إلى زيادة الميزانية المخصصة للبحث العلمي، وإتاحة المزيد من المنح والبعثات الممولة للخارج، بما يمنح المعيدين فرصًا حقيقية للارتقاء بمستواهم العلمي والحصول على الدرجات العلمية في أسرع وقت.
وشدد على ضرورة تبسيط إجراءات التعيين وتقليل الوقت المستغرق فيها، حتى تتمكن الجامعات من الاستفادة من الكوادر المؤهلة دون تأخير.
الدكتور علاء الغرباوي: الجامعات مهددة بتجريف الكوادر الشابة والصف الثاني
وفي السياق نفسه، أوضح الدكتور علاء الغرباوي أن المشكلة لا تقتصر على عزوف أوائل الخريجين عن التعيين في وظيفة معيد، بل تمتد إلى وجود عدد من المعيدين والمدرسين المساعدين الذين يبحثون عن فرص عمل خارج الجامعة ويرغبون في تغيير مسارهم الوظيفي.
وحذر من أن استمرار هذه الظاهرة سيؤدي إلى تجريف الجامعات من الكوادر الشابة والصف الثاني، وهو ما يمثل تهديدًا لقدرتها على الاستمرار في أداء رسالتها التعليمية والبحثية.
وأشار إلى أن الوزارة تفخر بزيادة عدد الجامعات المصرية إلى نحو 130 جامعة، لكن السؤال الأهم، بحسب رؤيته، هو: أين العنصر البشري الذي ستعتمد عليه هذه الجامعات؟
وأكد أن العنصر البشري هو أهم مقومات نجاح أي مؤسسة خدمية، وأن التوسع في إنشاء الجامعات يجب أن يصاحبه اهتمام حقيقي بتوفير الكوادر الأكاديمية المؤهلة والحفاظ عليها.
الدكتور يوسف علاء الدين: المعيد ليس مجرد وظيفة.. بل أمانة ورسالة
وعلى الجانب الآخر، أشار الدكتور يوسف علاء الدين إلى أن عزوف بعض الأوائل عن التعيين يمثل واقعًا يحتاج إلى معالجة، لكنه أكد أن هذا الواقع لا يعني غياب النماذج التي تؤمن برسالة الجامعة وقيمة العلم.
وقال إن هناك جيلًا لا يزال يؤمن بأن عليه دينًا لوطنه، وأن العلم الذي تلقاه أمانة لا تكتمل إلا بنقله إلى الأجيال التالية، مشيرًا إلى أن الطالبة سهيلة واحدة من هذه النماذج التي تؤمن بهذه الرسالة.
وأضاف أن المعيد ليس مجرد صاحب وظيفة، بل هو حلقة الوصل بين ما تعلمه الجيل الحالي وما ستتعلمه الأجيال القادمة، كما يسهم في إعداد الأبحاث التي تفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد، وإعداد الكوادر التي تعتمد عليها الدولة في مختلف المجالات.
وشدد على أن الأمم لا تقوم على الموارد وحدها، وإنما تحتاج إلى عقول قادرة على توظيف هذه الموارد وتحويلها إلى فرص حقيقية للتقدم.
من سيعلم الأجيال القادمة إذا عزف الأوائل عن العمل الجامعي؟
تكشف هذه الشهادات عن مشكلة تتجاوز حدود الرواتب والأجور، لتطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الجامعات المصرية على جذب المتفوقين والحفاظ عليهم، في ظل المنافسة مع القطاع الخاص الذي يقدم فرصًا مادية ومهنية أكثر جاذبية لبعض الخريجين.
فإذا كان الطالب الأول والثاني والثالث والرابع على الدفعة لا يرون في وظيفة المعيد مستقبلًا مهنيًا مناسبًا، وإذا كان بعض من تم تعيينهم يقررون الاستقالة والبحث عن مسارات أخرى، فإن الأمر يستحق وقفة جادة ودراسة حقيقية لأسبابه ونتائجه.
القضية ليست مجرد زيادة رواتب، وإنما تتعلق بمستقبل الأستاذ الجامعي والبحث العلمي وجودة التعليم، وبقدرة الجامعات على إعداد الأجيال الجديدة من أعضاء هيئة التدريس.
فالجامعة ليست مباني ومدرجات وشهادات، وإنما عقول تصنع عقولًا، وأساتذة ينقلون المعرفة، وباحثون يفتحون أبواب المستقبل.
والسؤال الذي يجب أن تضعه وزارة التعليم العالي والجامعات أمامها الآن: من سيعلم الأجيال القادمة إذا أصبح التفوق العلمي لا يقود صاحبه إلى وظيفة جامعية توفر له حياة كريمة ومستقبلًا مهنيًا مناسبًا؟
إنها ليست مجرد ظاهرة عزوف عن وظيفة، بل ناقوس خطر يستدعي التحرك قبل أن تفقد الجامعات المصرية جزءًا من أهم ثرواتها: العقول الشابة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" السبورة "


