في أعقاب فوز الرئيس البرازيلي لولا دي سيلڤا بولاية جديدة خلال الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البرازيل خلال الشهر الجاري، والتي وصفها العديد من المتابعين بأنها مواجهة سياسية حابسة للأنفاس، وضعت ديمقراطية البرازيل شراعها مجددًا في قلب العاصفة، لتشهد زلزالًا انتخابيًا دوت أصداؤه من واشنطن إلى بكين.
وتقول سارة الحربي، الباحثة والكاتبة السياسية، إن فوز الزعيم اليساري المخضرم لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى عرش السلطة في برازيليا، أنقذ بلاده من صراع يميني شرس، فهذه الانتخابات لم تكن مجرد حدث داخلي، بل هي إعادة هندسة جغرافيا كاملة لموازين القوى الدولية.
وأشارت الحربي إلى أن البرازيل، التي تعد من أكبر دول أمريكا اللاتينية، أسقطت الرهان الأمريكي المحافظ، وارتفع صوت «الجنوب العالمي» الهادر، معلنًا انطلاق حقبة جديدة من التكتلات الكبرى في أعقاب فوز دي سيلڤا المدوي، وسط هذا المشهد العالمي الذي يوشك أن ينفجر، مؤكدة في الوقت ذاته على أن القاهرة لم تكتفِ بمراقبة هذا المشهد الجلل، بل استطاعت أن تتقدم بخطى ثابتة لتقتنص مع البرازيل فرصة تاريخية تعيد صياغة الشراكة والتحالف الاقتصادي بين الكبار.
وأوضحت «الحربي» أن المحكمة الانتخابية العليا في البرازيل قد أثارت جدلًا واسعًا بعد قرارها الاستثنائي بتمديد التصويت لمدة ساعتين إضافيتين لتسهيل النقل العام للناخبين في معاقل «لولا» وبسبب الأمطار، مما دفع معسكر بولسونارو لرفض النتيجة بدعوى «إساءة استغلال موارد الدولة والنفوذ السياسي»، فيما أعلن فلافيو بولسونارو رسميًا طعنه في النتيجة ومطالبته بإلغاء الانتخابات، معتبرًا أن التمديد غير مقبول، وتزامن ذلك مع صدور أوامر قضائية من المحكمة العليا بمنعه من السفر وسحب جوازات سفره على خلفية تحقيقات منفصلة، في الوقت الذي تحولت فيه الانتخابات إلى مختبر دولي لمراقبة تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي والفيديوهات المزيفة التي أغرقت المنصات الرقمية، وسط اتهامات من لولا لشركات التكنولوجيا الكبرى بالمحاباة، وتعهده بتشديد الرقابة الرقمية في ولايته الجديدة.
وعن تجمع دول البريكس وموقف الرئيس الفائز من عضوية بلاده بهذا التجمع، فتقول سارة الحربي، إن لولا دا سيلفا يعد أحد الآباء المؤسسين لتجمع بريكس، ويمثل نجاحه دفعة قوية ومباشرة لأهداف هذا التكتل، كما ويساهم في تعزيز التعددية القطبية، حيث يقود "لولا" رؤية تدعم بقوة العمل متعدد الأطراف والتكامل التجاري بين دول بريكس، ومن المتوقع أن تدفع البرازيل نحو تسريع استخدام العملات المحلية في المعاملات التجارية للتحوط من تقلبات الدولار.
وترى الباحثة المتخصصة في الشأن السياسي، أن الرئيس البرازيلي يرى في تجمع بريكس مظلة اقتصادية متينة لحماية اقتصادات الدول النامية والناشئة من السياسات الجمركية الأحادية، مما يمنح التكتل ثقلًا جيوسياسيًا أكبر في أمريكا اللاتينية، وأن فوز "لولا" مثل ضربة قوية ومباشرة للمساعي الأمريكية الرامية لإنشاء حلف محافظ وموالٍ لواشنطن في القارة اللاتينية، ما يسهم في كبح النفوذ الترامبي، حيث كان منافس دي سيلڤا، وهو فلافيو بولسونارو، حليفًا وثيقًا للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، واعتمد على دعم معسكره الذي انتقد النظام الانتخابي البرازيلي، وبفوز لولا، يتوقف المد المحافظ الذي كانت واشنطن تراهن عليه للتقارب في مجالات الأمن والتجارة، وأن تبني لولا دي سيلفا موقفًا صلبًا يرفض الإملاءات الاقتصادية الأمريكية والرسوم الجمركية التي تفرضها واشنطن، يجعله يفضل تعميق العلاقات الاستراتيجية مع الصين — الشريك التجاري الأكبر للبرازيل — ودول العالم النامي.
وأشارت سارة الحربي، إلى أن العلاقات بين القاهرة والبرازيل تكتسب أهمية استثنائية في ظل الولاية الجديدة للرئيس البرازيلي، حيث كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من أوائل القادة الذين تقدموا بتهنئة رسمية إلى لولا دا سيلفا عقب إعلان فوزه، مؤكدًا اعتزاز مصر بالروابط التاريخية والتطلع لمواصلة العمل المشترك لتعزيز "الشراكة الاستراتيجية" بين البلدين.
ومع انضمام مصر رسميًا وتفعيل عضويتها في تجمع البريكس، يمثل وجود «لولا» على رأس السلطة في البرازيل فرصة ذهبية لتعزيز التنسيق المشترك، حيث تتقاطع الرؤى المصرية والبرازيلية في ضرورة إصلاح النظام المالي العالمي، والدفاع عن مصالح الدول الناشئة، وإيجاد آليات تمويلية بديلة وأكثر عدالة من خلال بنك التنمية الجديد التابع للمجموعة.
ونوهت الكاتبة والباحثة السياسية إلى أن البرازيل تعد الشريك التجاري الأول لمصر في أمريكا اللاتينية، في ظل دعم لولا دي سيلفا بقوة تفعيل الاتفاقيات الاستراتيجية كالتجارة الحرة «المركوسور»، وتطوير التعاون في مجالات الأمن الغذائي «استيراد اللحوم والحبوب»، فضلًا عن التبادل التكنولوجي في قطاعات الزراعة والصناعة والطيران.
إن عودة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى قيادة البرازيل ليست مجرد انتصار انتخابي عادي، بل هي إعلان صريح عن أفول الهيمنة الأحادية وولادة عالم متعدد الأقطاب لا يمكن تجاهله.
ورغم أن طريقه نحو الداخل سيكون مفروشًا بألواح الاستقطاب وصراعات الكونغرس، فإن بصمته الخارجية ستغير خريطة التحالفات الدولية حتمًا، حيث يتلقى النفوذ الغربي ضربة موجعة في عقر داره اللاتينية، بينما يستعيد تكتل «البريكس» فاعليته وزخمه كقوة اقتصادية ضاربة.
وفي هذا المجرى التاريخي الجديد، تبدو الشراكة بين القاهرة والبرازيل أبعد بكثير من مجرد تبادل تجاري عابر، إنها تحالف استراتيجي واعد لبلدين يمتلكان ثقلًا إقليميًا ودوليًا يطمح لصياغة نظام عالمي أكثر عدالة، توازنًا، وإنصافًا للجنوب العالمي.
اقرأ أيضاً
الرئيس السيسي يهنئ لولا دا سيلفا بفوزه في الانتخابات الرئاسية البرازيليةرئيس البرازيل: سأذهب إلى الأمم المتحدة لأقول لترامب «لا تتدخل في انتخابات بلادنا»
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





