في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 1976، صدر العدد الأول من مجلة «أكتوبر»، حاملًا اسمًا ارتبط في الوجدان الوطني بأكبر انتصار عسكري مصري عربي في العصر الحديث.
حينها، كلّف الرئيس الراحل محمد أنور السادات الكاتب الصحفي أنيس منصور بتأسيس المجلة، لتنطلق تجربة صحفية جديدة في مرحلة شهدت تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية.
اختيار الاسم ليس بعيدًا عن ذاكرة المصريين، فقد استحضر نصر أكتوبر معاني التضحية والإرادة واستعادة الكرامة الوطنية، مما منح المجلة منذ عددها الأول دلالة تتجاوز اسم مطبوعة أسبوعية.
لم يكن على القارئ أن يبحث طويلًا عن دلالة الاسم، فقد ارتبط بحدث عاشه المجتمع، تناقل الناس تفاصيله في البيوت والمدارس ومواقع العمل: بطولات الجنود والضباط الذين خاضوا المعركة، وتضحيات الشهداء، والجهد الوطني الذي سبق الانتصار وصاحبه.
وبالتالي، جاء صدور المجلة بعد ثلاث سنوات من حرب أكتوبر، في وقت كانت فيه مصر تتعامل مع آثار الحرب وتستعد لمرحلة جديدة من تاريخها.
غير أن الاسم الوطني، مهما كانت قوته، لا يصنع وحده شخصية صحفية قادرة على الاستمرار.
كان على مجلة «أكتوبر» أن تثبت جدارتها في سوق صحفية تضم مطبوعات لها تاريخها وقراؤها، وأن تمنح جمهورها سببًا متجددًا لاقتناء أعدادها الأولى واللاحقة، فالمجلة (أي مجلة تبحث عن النجاح) تحتاج إلى محتوى متنوع، وكُتّاب يمتلكون المعرفة والقدرة على التعبير، ومحررين يحسنون البحث والتحقق، وإدارة تعرف احتياجات الإنتاج والتوزيع، والأهم رؤية تحدد علاقة المؤسسة بالجمهور وتمد الجسور معه.
أجدني أعود إلى التأسيس الذي قاده الراحل أنيس منصور الكاتب الكبير دخل التجربة برصيد واسع في الصحافة والثقافة وشبكة العلاقات الكبيرة.
وجد نفسه أمام مهمة تتجاوز إصدار مجلة تحمل اسمًا ذا دلالة وطنية، لكنه، ككل المؤسسين في مجالات وقطاعات عدة، حرص على وضع البدايات التي يستند إليها العمل، واختيار العناصر التي تشارك في التجربة، وتحديد ملامح المحتوى، والإسهام في تكوين تقاليد تحريرية وإدارية تتيح للمجلة أن تواصل عملها بعد انطلاقها.
تولى أنيس منصور التأسيس، جامعًا بين رئاسة التحرير ورئاسة مجلس الإدارة، ثم تحمّلت الأجيال التالية مسؤولية استمرار المجلة، كلٌّ في ظل ظروف عصره ومتطلبات العمل الصحفي المؤسسي، واستدامة التجربة فرضت نفسها على من جاءوا بعده.
ظلت المسؤولية تتجدد مع كل جيل تولى إدارة منظومة العمل في «أكتوبر»، حتى آلت إدارة التحرير إلى الكاتب الصحفي محمد أمين، ورئاسة مجلس الإدارة إلى المهندس رزق عبد السميع.
لا يمكن اختزال تاريخ أي مطبوعة في اسم مؤسسها أو أسماء رؤساء تحريرها وإدارتها، فالمجلة حصيلة جهد جماعي.
لكل مطبوعة حكاية تبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى خطة عمل تتضافر فيها جهود المحررين والكُتّاب والمصورين والمراجعين والمخرجين الصحفيين والعاملين في الطباعة والتوزيع، ومن يعملون خلف الكواليس كي يصل العدد إلى القارئ، أصبح عملهم جزءًا أصيلًا من تاريخ المؤسسة، ومن حقهم أن يكونوا حاضرين، على النحو الذي تحقق خلال الاحتفال باليوبيل الذهبي.
بعد صدور العدد الأول من «أكتوبر»، واصلت المجلة الورقية حضورها في سوق الصحافة، بما تقدمه من أخبار وتحقيقات ومقالات وحوارات ومواد ثقافية وفنية ورياضية.
لعقود، ظلت الصحافة المطبوعة مساحة للقراءة المتأنية، ووسيلة لحفظ الموضوعات والصور وأرشفتها، وتوثيق الآراء في صفحات يمكن الرجوع إليها.
اليوم، مع اتساع الحضور الرقمي وتعدد وسائل الحصول على المعلومات، تعمل إدارة «أكتوبر» التحريرية على مواصلة دور المجلة الورقية، مع الاستفادة من الوسائل الحديثة للوصول إلى جمهور أوسع.
تنطلق هذه الرؤية، كما قال لي الكاتب الصحفي الصديق محمد أمين، من الإيمان بأن تطور وسائل النشر لا ينتقص من قيمة الصحافة الورقية، وأن لكل وسيلة خصائصها التي تمنحها مكانتها لدى القراء.
المجلة المطبوعة تتيح تقديم التحقيقات والملفات المطولة في بناء صحفي متكامل، يجمع بين النص والصورة والعنوان، ويمنح الموضوع مساحة مناسبة للشرح والتحليل وتتيح للقارئ الاحتفاظ بالعدد والعودة إلى موضوعاته، ما يمنحها قيمة تتجاوز متابعة الخبر وقت وقوعه.
في المقابل، يتيح الحضور الرقمي نشر موضوعات «أكتوبر» على نطاق أوسع عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلًا عما تمثله بوابة دار المعارف كنافذة أخرى.
يأتي تطوير الحضور الإلكتروني للمجلة امتدادًا للعمل الصحفي، لا بديلًا عنه، فاختيار الموضوعات، والتحقق من المعلومات، وإعداد التحقيقات، وإجراء الحوارات، ومراجعة النصوص، تظل أساس إنتاج المادة المنشورة، سواء وصلت إلى القارئ عبر صفحات المجلة أو من خلال الموقع الإلكتروني.
تحرص هذه الرؤية على أن يكون التواصل مع القراء جزءًا من تطوير العمل التحريري، فآراء الجمهور واهتماماته يمكن أن تساعد في اختيار موضوعات جديدة، والتعرف إلى القضايا التي تحتاج إلى مزيد من الشرح، وتقديم مواد تلبي احتياجات شرائح متنوعة.
يظل القرار التحريري قائمًا على تقدير أهمية الموضوع وقيمته الصحفية، لا على حجم التفاعل وحده، فهناك قضايا تستحق النشر لما لها من أهمية عامة، حتى إن لم تحظَ بأكبر قدر من التداول عبر المنصات الرقمية.
تحتفظ الصحافة الورقية بقيمتها عبر ما تقدمه، لا بمجرد تاريخها أو ارتباط القراء بها، لهذا تظل جودة الكتابة، ودقة المعلومات، وتنوع الموضوعات، وجمال الإخراج، عناصر أساسية في استمرار حضور «أكتوبر».
تتعامل الرؤية التحريرية مع الأدوات الرقمية (عبر مبادرة جديدة يجري تنفيذها خلال الفترة المقبلة) باعتبارها وسائل تعين الصحفي على أداء عمله، مع بقاء مسؤولية التحقق من المعلومات ومراجعة الوثائق والأرقام على عاتق المحرر.
تتيح التكنولوجيا فرصًا جديدة للبحث والتنظيم والنشر، لكنها لا تحل محل الخبرة الصحفية أو التواصل المباشر مع المصادر أو الحكم المهني في اختيار ما يستحق النشر وتظل الغاية هي تقديم محتوى موثوق، يحافظ على قيمة المجلة الورقية، ويستفيد من الوسائل الحديثة في توسيع دائرة قرائها.
الرؤية الاستراتيجية لمستقبل «أكتوبر» لا ترتكز على المفاضلة بين الورق والشاشات، بل على مواصلة تطوير المجلة الورقية وتعزيز حضورها الرقمي، مع الحفاظ على هوية تحريرية واضحة في الوسيلتين.
تعتمد إدارة «أكتوبر» التحريرية على مواصلة تجربة المجلة والاستفادة من رصيدها الصحفي، مع تطوير المحتوى بما يلائم اهتمامات القراء وتغير وسائل النشر.
تستند هذه الرؤية إلى تقدير ما قدمته الأجيال السابقة، والاستفادة من خبراتها، مع إتاحة المجال أمام أفكار جديدة تثري الصفحات وتمنح المجلة قدرة أكبر على مواصلة حضورها في الحياة الصحفية المصرية.
يحظى إعداد جيل جديد من الصحفيين باهتمام خاص في مستقبل المجلة، فاستمرار المؤسسات الصحفية يعتمد على انتقال الخبرة المهنية، وإتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة في إعداد المواد الصحفية، والتدريب على البحث الميداني والتحقق من المعلومات.
تمنح الاستفادة من خبرات الزملاء الأقدم الصحفيين الجدد فرصة لاكتساب مهارات العمل، وفهم معايير النشر، وتطوير قدراتهم في الكتابة والتحليل، بما يثري الفريق التحريري ويجدد طاقته.
تولي هذه الرؤية اهتمامًا بالموضوعات التي تشغل الأجيال الشابة، من التعليم والعمل والتكنولوجيا إلى الثقافة والفنون والرياضة وقضايا المشاركة المجتمعية.
يأتي تناول هذه الاهتمامات عبر مواد صحفية جادة، تستند إلى المعلومات الموثوقة، وتستمع إلى الشباب، وتعرض تجاربهم وتطلعاتهم بلغة واضحة وقريبة من القارئ، مع الحفاظ على هوية المجلة وطابعها الصحفي.
يستند تطوير المحتوى إلى مراجعة مستمرة للموضوعات المنشورة، وتنوع المصادر، وجودة المعالجة، ومدى التوازن بين قضايا الشأن العام واهتمامات الحياة اليومية.
تساعد متابعة استجابة القراء، إلى جانب التقييم المهني داخل غرفة التحرير، على التعرف إلى الموضوعات التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام، والصيغ التي تتيح تقديم المعلومات بصورة أوضح، وتظل القيمة الصحفية للمادة، ودقتها وأهميتها، أساس اختيارها ونشرها.
التخطيط المسبق لإدارة التحرير يشكل فرصة لإعداد ملفات متكاملة، وإجراء مقابلات تحتاج إلى وقت، والعودة إلى الوثائق والمصادر الأصلية، ومتابعة القضايا التي تتطور أحداثها على مدى أسابيع.
ويتيح توزيع العمل بصورة أفضل، مع الاحتفاظ بالقدرة على التعامل مع الأخبار المهمة التي تستدعي اهتمامًا عاجلًا، وبهذا تجمع المجلة بين متابعة الأحداث والاستعداد لموضوعات تمنح القارئ معرفة أوسع.
تحافظ «أكتوبر» على عنايتها باللغة العربية، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في جودة العمل الصحفي، فالعبارة الواضحة، والمعلومة المحددة، والتسلسل المنطقي للأفكار، تجعل النص أقرب إلى القارئ وأكثر قدرة على إيصال المعنى.
تساعد المراجعة اللغوية والتحريرية على تحسين الصياغة، وضبط المصطلحات، وحذف الحشو، مع الحفاظ على أسلوب الكاتب وطبيعة الموضوع، سواء كان تحقيقًا أو مقال رأي أو حوارًا أو مادة ثقافية.
تحظى الصورة الصحفية والإخراج بعناية مماثلة، فالصورة الموثقة تضيف معلومات إلى الموضوع، والعنوان الدقيق يوضح مضمونه، والتصميم الجيد يساعد القارئ على متابعة المادة، وتعمل هذه العناصر مع النص في تقديم عدد متكامل، يحافظ على جاذبية المجلة الورقية.
تختلف وظيفة المجلة الأسبوعية عن وظيفة المطبوعات والمواقع الإخبارية اليومية، فالخبر ينقل واقعة أو تصريحًا، بينما تستطيع المعالجة الصحفية المتأنية أن تبحث في خلفيات الحدث، وتجمع المعلومات المرتبطة به، وتستمع إلى الأطراف المعنية، وتعرض آراء المتخصصين، وتشرح آثاره في حياة الناس.
وتمنح هذه المساحة الإضافية المجلة فرصة لتقديم معرفة تتجاوز ما عرفه القارئ عند وقوع الحدث، بشرط أن تستثمر وقت الإعداد في البحث والتحقق، لا في إعادة نشر معلومات سبق تداولها.
لا يعني هذا أن المجلة أقل اهتمامًا بالخبر أو أنها تستطيع الاستغناء عن متابعة المستجدات، فالقضايا العامة تتغير بسرعة، وتظهر معلومات جديدة تستوجب مراجعة ما نُشر سابقًا أو إضافة تفاصيل لم تكن متاحة، لكن قيمة المجلة تظهر في قدرتها على اختيار ما يستحق التوسع، وتقديمه بصورة منظمة تساعد القارئ على فهم الوقائع والتمييز بين المعلومات المؤكدة والتقديرات والتحليلات.
تتحدد هوية المطبوعة (كما تعلمنا، ونقول لشباب المهنة) من خلال قرارات تحريرية متتابعة: أي الموضوعات تستحق أن تتصدر العدد؟ ما المعلومات التي ينبغي التحقق منها قبل النشر؟ من المصادر التي يمكن الاعتماد عليها؟ هل يقدم التحقيق جديدًا للقارئ؟ وهل يضيف الحوار معرفة تتجاوز التصريحات العامة؟ هذه القرارات، حين تستند إلى معايير واضحة، تصنع شخصية المجلة، وتمنح صفحاتها قيمة تتراكم مع مرور الوقت.
تحتاج المجلة السياسية والاجتماعية إلى تنوع يعبر عن حياة المجتمع، فالسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية قضايا أساسية، لكنها لا تستنفد اهتمامات القارئ، هناك التعليم والصحة والعمل والأسرة والثقافة والفنون والآداب، وقضايا الشباب والمرأة، والتغيرات التي تطرأ على المدن والقرى، والتحديات التي تواجه الفئات المختلفة.
ويمنح تناول هذه الملفات القارئ صورة أوسع عن مجتمعه، ويساعده على فهم الصلة بين القرارات العامة وحياته اليومية.
يستحق التحقيق الصحفي مساحة مهمة في هذا العمل، لأنه يتيح الانتقال من وصف المشكلة إلى البحث في أسبابها، وجمع البيانات المتاحة، والاستماع إلى أصحاب الشأن، ومراجعة الوثائق، ومقارنة الروايات.
لا تكتمل قيمة التحقيق بمجرد طرح قضية مؤثرة، بل بقدرته على تقديم معلومات قابلة للفحص، وتوضيح ما توصل إليه العمل الصحفي وما بقي بحاجة إلى معرفة إضافية، فالمادة الجادة لا تكتفي بإثارة الاهتمام، وإنما تمنح القارئ أساسًا يستطيع من خلاله تكوين رأيه.
أما الحوار (الحديث الصحفي)، فتنبع أهميته من الأسئلة التي يطرحها، لا من شهرة الشخص الذي يجلس أمام المحرر وحدها، الحوار الجيد يتيح للقارئ معرفة مواقف الشخصيات العامة، وفهم وجهات نظرها، ومناقشة ما تقدمه من تفسيرات أو مقترحات ويحتاج إعداده إلى معرفة بالموضوع، ومراجعة للمعلومات السابقة، وقدرة على متابعة الإجابات وطلب الإيضاح عند الحاجة، تلك مهارات لا تعوضها الأسئلة الجاهزة أو الاكتفاء بتسجيل التصريحات.
المقالات، كمساحات للتعبير عن الرأي والتحليل، تظل جزءًا مهمًا من المحتوى، الاختلاف بين الكُتّاب يثري النقاش العام، خاصةً عندما يرتكز على الحجة واحترام القارئ، وإذا لم يتحول إلى تكرار للشعارات أو إطلاق أحكام لا تسندها معلومات وتستطيع المجلة أن تتيح هذا التنوع مع الالتزام بمعايير النشر والمسؤولية المهنية.
تصل الأخبار اليوم إلى التليفونات والأجهزة المحمولة في ثوانٍ، وتنتشر الصور والتسجيلات على مواقع التواصل قبل أن يعرف الناس حقيقتها أو تاريخها أو مصدرها، في زحام الأخبار المتلاحقة، قد يجد القارئ نفسه أمام روايات متضاربة ومعلومات يصعب التأكد منها.
هنا تظهر أهمية المجلة الورقية التي لا تكتفي بنقل ما يتداوله الناس، بل تمنح الصحفي وقتًا للتحقق، وتتيح للقارئ أن يقرأ موضوعًا مكتملًا، يعرف مصدر معلوماته ويفهم تفاصيله.
قد يغير خطأ في اسم أو تاريخ أو رقم معنى الخبر كله، قد تُنشر صورة قديمة باعتبارها حديثة، أو يُنقل تصريح مبتورًا فيبدو معناه مختلفًا لذلك تحرص «أكتوبر» على مراجعة ما تنشره والتأكد من التفاصيل قبل وصول العدد إلى القارئ، المجلة التي تحترم جمهورها لا تراهن على السبق وحده، وإنما على صحة المعلومة أيضًا.
تحظى موضوعات السياسة والأمن القومي والعلاقات العربية والدولية بعناية خاصة، لأن المعلومة غير الدقيقة قد تضلل القارئ وتشوّش فهمه للأحداث.
وعند تناول هذه القضايا، يتبدى الحرص على التمييز بين التصريحات الرسمية والتحليلات الصحفية، والتأكد من مصادر الأخبار، وعدم تقديم التوقعات وكأنها حقائق.
قد تتعدد الروايات عن واقعة واحدة، لكن واجب الصحفي أن يعرض ما تثبته المعلومات المتاحة، وألا يستكمل ما ينقصه بالتخمين.
تحاول مجلة «أكتوبر» أن تقدم للقارئ المصري ما يعينه على فهم قضايا بلده والدفاع عن مصالحه وحقوقه، عبر معلومات موثوقة وشرح واضح وحجج مقنعة.
فالقضايا الوطنية أكبر من الشعارات، ومعرفة تفاصيلها تساعد المواطن على فهم المواقف المصرية وأسبابها، وتمنحه أساسًا للحكم على ما يجري حوله.
لا تقتصر أهمية الصحافة على السياسة والأخبار الكبرى، فحياة المواطنين اليومية تستحق الاهتمام نفسه.
عندما تتناول «أكتوبر» الأسعار أو البطالة أو التعليم أو الخدمات العامة، فإنها تفتح صفحاتها أمام شكاوى الناس وتجاربهم، وتبحث عن إجابات لدى المسؤولين والمتخصصين.
لا يكفي نقل معاناة المواطن في كلمات مؤثرة، الأهم أن تُعرض تجربته بأمانة، وأن تُقدَّم المعلومات التي توضح المشكلة، مع احترام خصوصيته وعدم تحريف أقواله.
يمكن رصد تاريخ مجلة «أكتوبر» من خلال أعدادها منذ صدورها وحتى اليوم، بالعودة إلى افتتاحياتها وتحقيقاتها وحواراتها وصورها، وتحديد القضايا التي اهتمت بها في كل مرحلة، وتوثيق أسماء الزملاء من كل الأعمار الذين تعاقبوا على العمل فيها.
تقدم هذه المواد شهادة على تطور المجلة، وتمنح القراء فرصة للتعرف إلى تفاصيل تجربتها، وإطلالة تساعد الباحثين على دراسة ما نشرته ومقارنة المعالجات الصحفية المختلفة، فضلًا عن التعرف إلى الموضوعات التي شغلت المجتمع المصري على امتداد العقود.
يحتل أرشيف المجلة مكانة خاصة في الاحتفال بمرور نصف قرن على صدورها، فهو يسجل جوانب من الحياة العامة، ويضم رصيدًا معرفيًا يستحق الحفظ والإتاحة.
تعي إدارة المجلة أن الاستفادة منه تبدأ بحصر الأعداد المتاحة، وتحديد ما ينقص منها، وحفظ النسخ الورقية في ظروف مناسبة، ثم رقمنتها مع مراعاة وضوح الصور والنصوص وسهولة البحث.
لا يكفي تحويل الصفحات إلى ملفات مصورة يصعب العثور على محتواها، فالفهرسة بحسب التاريخ والموضوع واسم الكاتب والشخصيات المذكورة تيسر الوصول إلى المادة المطلوبة، وتوفر الوقت والجهد على القراء والباحثين.
يمكن أن تقدم «أكتوبر» بمناسبة اليوبيل الذهبي سلسلة من الملفات التي تعيد نشر مواد مختارة من مراحل مختلفة، مع توضيح تواريخ النشر وأسماء الكُتّاب ومصادر الوثائق والصور.
تتيح هذه الملفات للقراء القدامى استعادة موضوعات تابعوها، وللأجيال الجديدة التعرف إلى أحداث سبقت سنوات وعيهم الأولى، كما تساعد الباحثين على دراسة تطور الكتابة الصحفية، والموضوعات التي اهتمت بها المجلة، والاختلاف في طريقة تناول القضايا عبر العقود.
تقتضي الاستفادة من الأرشيف التمييز بين ما نشرته المجلة وقت وقوع الأحداث وما أثبتته مصادر أخرى لاحقًا.
المقال القديم يوثق ما نشرته المجلة من معلومات وآراء، لكنه لا يغني وحده عن مراجعة المصادر الأخرى عند دراسة الوقائع.
يمكن كذلك إعداد فهرس بأسماء رؤساء التحرير والكُتّاب والمحررين والمصورين وغيرهم ممن شاركوا في تاريخ المجلة، استنادًا إلى الأعداد الأصلية والسجلات المتاحة.
فإلى جانب الشخصيات المعروفة، هناك كثيرون أسهموا في إعداد المواد ومراجعتها وإخراجها حتى وصلت إلى القارئ.
يساعد توثيق أسمائهم وأعمالهم على حفظ ذاكرة المجلة، وإتاحة تاريخها أمام القراء والباحثين، وصون جانب مهم من تجربة الصحافة المصرية خلال خمسين عامًا.
صدور «أكتوبر» عن دار المعارف، المؤسسة المصرية العريقة التي تأسست عام 1890، يمنحها قيمة مضافة، فالمؤسسة ارتبط اسمها بتاريخ طويل في نشر الكتب وإتاحة المعرفة للقارئ المصري والعربي.
تعرفت أجيال إلى الدار من خلال إصداراتها المتنوعة، ويمنح هذا التاريخ مناسبة اليوبيل الذهبي بعدًا ثقافيًا إضافيًا، حيث يجمع بين تجربة المجلة الأسبوعية التي بدأت عام 1976 ومؤسسة نشر أقدم منها بعقود.
الكتاب والمجلة يختلفان في طبيعة المحتوى وإيقاع الإنتاج، لكنهما يشتركان في مسؤولية تقديم مادة تحترم عقل القارئ.
يحتاج الكتاب إلى تحرير ومراجعة واختيار واعٍ للعناوين التي تستحق النشر، كما تحتاج المجلة إلى الدقة في جمع المعلومات وإعداد الموضوعات وتقديمها.
وفي الحالتين، لا تكفي شهرة المؤسسة وحدها لضمان استمرار ثقة الجمهور، فالثقة تتجدد من خلال جودة ما يصل إلى القارئ، ومدى حاجته إليه، وقدرته على الانتفاع به.
تاريخ دار المعارف قيمة ثقافية تتجاوز عدد السنوات التي مرت على تأسيسها، يرتبط بذاكرة القراءة والنشر في مصر، وبعلاقة أجيال من القراء بالكتاب.
خلفية تعزز التعاون بين خبرات النشر والصحافة، وتبادل المعرفة في مجالات التحرير والتصميم والتوزيع والتواصل مع الجمهور، مع الحفاظ على خصوصية كل إصدار، فالمجلة تحتاج إلى سرعة مناسبة لطبيعتها الأسبوعية، فيما يمر الكتاب بمراحل إعداد تتلاءم مع موضوعه وحجمه.
تظل صيانة المؤسسات الثقافية العريقة مرتبطة بقدرتها على مراجعة أساليب عملها، والعناية برصيدها المعرفي، والوصول إلى القراء الذين تغيرت وسائل اطلاعهم.
خمسون عامًا مرت على صدور «أكتوبر»، حملت خلالها صفحات المجلة أخبارًا وتحقيقات ومقالات وصورًا سجلت جوانب من الحياة المصرية والعربية، وتمنح الذكرى فرصة لتقدير جهود الصحفيين والمحررين والمصورين والعاملين الذين أسهموا في استمرارها، واستعادة ما قدمته أجيال متعاقبة.
الاحتفال باليوبيل الذهبي تقدير لمن أسهموا في تأسيس «أكتوبر» والعمل فيها، وللقراء الذين منحوا صفحاتها اهتمامهم على مدى نصف قرن.
مناسبة لمواصلة تطوير المجلة الورقية، والعناية بموضوعاتها وتحقيقاتها وصورها، والعمل على إتاحة أرشيفها بصورة أوسع، وتعزيز حضورها الرقمي بما يصل بها إلى قراء جدد.
الوسائل الحديثة تفتح أبوابًا إضافية أمام المجلة، لكنها لا تنتقص من قيمة العدد المطبوع، بما يجمعه من مواد متكاملة يستطيع القارئ العودة إليها والاحتفاظ بها.
وتواجه المجلة اليوم تحديات إعلامية تختلف كثيرًا عما واجهته عند انطلاقها، وفي مقدمتها المنافسة على انتباه القارئ، وتعدد مصادر الأخبار، والحاجة إلى محتوى موثوق يستحق الوقت الذي يخصصه الجمهور لقراءته.
بعد خمسين عامًا، تستمد «أكتوبر» قيمتها من تاريخ صدورها، ومما تقدمه اليوم وما تستطيع تقديمه غدًا، فالحفاظ على المكانة مسؤولية تتجدد مع كل عدد، تستفيد من خبرة الأجيال السابقة، وتعطي الصحفيين الشباب فرصة لإضافة أفكار جديدة، دون التفريط في أصول المهنة.
الآن، تعود «أكتوبر» إلى تاريخ ميلادها، حاملة حصيلة تجربة عاشت خلالها مصر أحداثًا كبرى، وتعاقبت على أرضها أجيال، وتبدلت فيها ظروف السياسة والاقتصاد والمجتمع.
تغيرت وسائل الاتصال ومصادر المعرفة، ومن ثم لا يكتمل احتفاؤنا باليوبيل الذهبي عبر استعادة ذكرى صدور العدد الأول فقط، وهو، وإن كان يشكل فرصة لتقدير الذين أسهموا في صناعة المجلة، فلا بد من استحضار دور الصحافة المكتوبة في توثيق حياة الوطن، والتفكير في مسؤولية المؤسسة تجاه قرائها خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضاً
تخليدا لذكرى الانتصارات المجيدة.. القوات الجوية تنظم ندوة تثقيفية بعنوان «روح أكتوبر»صالون الثقافة الجماهيرية بالغربية يحتفي بانتصارات أكتوبر.. وشهادات عن الصمود
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





