تابع قناة عكاظ على الواتساب
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعيش المملكة على إيقاع مفارقة ثابتة؛ ثروة تستوجب الحماية، وجغرافيا تجذب التدخل، وجوار يصعب الاطمئنان إلى توازناته. وجدت نفسها في قلب هذه المعادلة. كلما تبدل النظام الإقليمي، تبدل معه تعريف الأمن، وأساليب الدفاع عنه.
وخلال ثمانية عقود، تغيّرت أسماء الخصوم، وتبدلت طبيعة الحروب، وتقدمت أدوات على حساب أخرى. بقي السؤال حاضراً: كيف تحمي المملكة أمنها حين تتقاطع أطماع الجوار مع حسابات القوى الكبرى، وحين يصبح الاقتصاد نفسه جزءاً من ميدان المواجهة؟
في عام 1945، دشّن لقاء الملك عبد العزيز بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت محطة رمزية في العلاقة بين الرياض وواشنطن. كانت المملكة تدخل عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية من بوابة النفط والشراكة الإستراتيجية، فيما أخذت المنطقة تتشكّل تحت ضغط الحرب الباردة. ومنذ ذلك الوقت، صار أمن المملكة مرتبطًا بقدرات وطنية آخذة في النمو، وبشبكة علاقات دولية تمنحها هامشاً أوسع للحركة.
في الستينيات، انتقل الاختبار إلى اليمن. تداخل الصراع المحلي مع تنافس إقليمي أوسع، وأصبح أمن الحدود جزءاً من معركة النفوذ العربي. ثم جاءت الحرب المصرية في أكتوبر 1973، فاكتشفت المملكة وجهاً آخر من وجوه القوة؛ النفط قادر على التأثير في الحسابات الدولية، حين يقترن بقرار سياسي واضح.
لكن ختام السبعينيات حمل أيضاً تحوّلاً أشد عمقاً؛ ثورة الخميني، تلتها الحرب العراقية الإيرانية. تبدلت صورة الخليج، ورسمت خرائط جديدة للقلق، وصارت أكثر التصاقاً بحسابات الأنظمة وموازين القوى. ليتأسس مجلس التعاون الخليجي. كانت الرسالة أن الجغرافيا المشتركة تفرض حداً أدنى من التنسيق. لكن الاتفاق على وحدة المصير شيء، وبناء قوة قادرة على تجسيده شيء آخر.
فجاء غزو الكويت عام 1990 ليضع الفكرة أمام امتحان قاسٍ. واجهت المملكة خطراً مباشراً على أمنها، واستضافت قوات التحالف الدولي، فتحررت الكويت. انتهت الحرب، وبقي الدرس؛ يمكن للتحالفات حسم المعارك الكبرى، لكنها تجعل أمن الخليج مرتبطاً بإرادة قوى تفد من خارجه. ومنذ ذلك الحين، ظل التوازن بين الشراكة الخارجية وبناء القدرة الذاتية من المسائل المركزية في التفكير الأمني السعودي.
مع مطلع القرن الجديد، تبدلت طبيعة الخطر. الإرهاب، وانهيار مؤسسات الدولة العراقية بعد عام 2003، وصعود الجماعات المسلحة، نقلت المواجهة إلى ميادين جديدة، خشية اختلالات إقليمية واسعة. صار الأمن يتطلب أكثر من الجيوش؛ احتاج إلى استخبارات فعالة، وأجهزة داخلية أكثر يقظة، وقدرة على ملاحقة شبكات تتجاوز الحدود.
ثم جاء عام 2011 بموجة اضطراب طالت دولاً عدة. وتطور الصراع اليمني إلى حرب طويلة، فاتسع نطاق التحديات.
في السنوات التالية، اتسع البحث عن مسارات موازية للمواجهة. جاء الاتفاق السعودي الإيراني في بكين، مارس 2023، ليعيد الدبلوماسية إلى واجهة إدارة المخاطر. فتح الاتفاق قناة لإدارة التوتر، وأبقى ملفات الخلاف الإقليمي مفتوحة. المسار انطلق من فكرة محددة؛ التفاوض لتقليل المخاطر، مع الاحتفاظ بأدوات الردع. فلم تعد الدبلوماسية نقيضاً للقوة؛ أصبحت إحدى وسائل ضبط استخدامها. والتقاط الدلالة بتمثيل المملكة حينها؛ مستشار الأمن الوطني وليس وزير الخارجية.
واليوم، تتقاطع هذه الخبرات كلها أمام اختبار جديد. أمن الطاقة متصل بأمن الملاحة، والتحالفات الخارجية متصلة بمساحة القرار المستقل. أما التهديد، فصار أسرع حركة وأقل كلفة على مطلقيه، وأشد تعقيداً على من يريد احتواءه.
هنا، تلتقي عقود التاريخ السعودي. لم تتبع المملكة خطاً واحداً. استخدمت النفط، وبنت التحالفات، وشاركت في حروب، وواجهت الإرهاب، ثم فتحت قنوات تفاوض مع خصومها. وفي كل مرحلة، سعت إلى موازنة ثلاثة عناصر؛ قوة الدولة، وشبكة التحالفات، وكلفة المواجهة. أما المعضلة الأساسية فظلت قائمة: كيف يمكن ردع التهديد من دون استنزاف الموارد، وحماية المصالح من دون الانجرار إلى حروب مفتوحة، وبناء شراكات تمنح القرار الوطني قوة إضافية من دون أن تقيده؟
التاريخ يعيد طرح الأسئلة القديمة في ظروف جديدة، ولا يعيد الوقائع نفسها. والجواب عند الخبرة السياسية للمملكة. فبعد ثمانية عقود مرت، تبدلت خلالها خرائط النفوذ وأشكال التهديد. وصقلت التحولات قدرة المملكة على امتصاص الصدمات، وإعادة ترتيب أوراقها، واختبرت صمودها ومناورتها أمام الأخطار والتحالفات المتغيرة. قوتها في قدرتها على التكيّف، وعند المواجهة تراهن على خبرتها في تجاوز الأزمات.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "


