تناولنا في المقال السابق أهم الأفكار التي وردت في مقالة الكاتب الإسرائيلي تامير هايمان والتي حدد فيها من وجهة نظره المبادئ الأساسية التي تحكم المفهوم الأمني الإسرائيلي من بعد هجوم 7 أكتوبر حتى اليوم، وكان التساؤل حول ما هي إمكانية وأسلوب مواجهة تلك المبادئ من وجهة النظر العربية، وخاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
والهدف هنا ليس بناء نسخة عربية من العقيدة الإسرائيلية، ولا الدخول في سباق تسلح مفتوح، بل التفكير في إنشاء قدرة عربية متكاملة تجعل فرض الوقائع بالقوة مكلفاً، وتحافظ على حرية القرار العربي، وتعيد للسلام قيمة استراتيجية حقيقية.
ولرسم هذا التوجه لا بد بداية من الاتفاق على بعض المبادئ والأسس الحاكمة وعلى رأسها:
1-أن الواقع العربي الحالي يتعرض لكم من التهديدات الوجودية غير المسبوقة، وأن الفترة الأخيرة أثبتت وبالواقع الأليم حالة الانكشاف الاستراتيجي العربي التي دعت أطراف خارجية عديدة لتهديد سلامة وأمن الدول العربية.
2-إن الأسس التي قام عليها النظام الإقليمي العربي خلال الفترة السابقة قد تجاوز بعضها سرعة الأحداث والمستجدات التي طرأت خلال السنوات الأخيرة.
3-إن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية للدفاع عن مصالح العالم العربي قد يكون ضروريًا في بعض الظروف، ولكنه لا يتطابق مع صالح الدول العربية، ولا يمكن ضمان تطابق مصالح تلك الدول مع المصالح العربية في كل أزمة.
4-إنه لا ينبغي البدء بافتراض وجود إجماع عربي شامل للبدء في هذا التحرك، بل يجب العمل على بناء توافق ولو جزئيًا مرحليًا ويمكن البناء عليه تباعًا، للتأكيد على مجموعة مصالح لا يصح التفريط فيها وهي:
•حماية وحدة الدول العربية ومؤسساتها الوطنية.
•رفض تغيير الحدود بالقوة أو فرض ترتيبات أمنية دائمة على الدول العربية من جانب واحد.
•رفض تحويل الأراضي العربية إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
•الحفاظ على حق الدول العربية في اتخاذ قراراتها الأمنية والخارجية بصورة مستقلة.
ويمكن تبنى تلك المبادئ الحاكمة من خلال صياغة وثيقة مبادئ للأمن الإقليمي العربي، أو تعديل ميثاق جامعة الدول العربية ليتفق مع تلك الأسس، واستغلال الزخم الذي يتيحه تولي أمين عام جديد للجامعة لاتباع هذا النهج.
الانتقال من الاعتماد الأمني على الخارج إلى القدرة العربية المشتركة
ينبغي أن يكون الهدف هو تقليل الاعتماد الكلي على القوى الخارجية لا قطع العلاقات مع الشركاء الدوليين.
ويجب العمل على تنويع وتوسيع دائرة هذه الشراكات ما أمكن. والهدف من هذا التحرك هو ألا تؤدي الضغوط الخارجية من أي طرف، أو تعطل وصول أي دعم، أو تأخر أي إمدادات عسكرية في شل القدرات العربية الأساسية.
ولتحقيق ذلك، يجب العمل – وفى أقصر مدى زمني ممكن – على ما يلي:
•تطوير نظم تبادل المعلومات والإنذار المبكر بشأن التهديدات الصاروخية والجوية والمسيّرات.
•تحسين التنسيق لحماية الممرات البحرية والمواني ومنشآت الطاقة وشبكات الخدمات الحيوية.
•توسيع القدرة على تصنيع وصيانة المعدات وإنتاج قطع الغيار والأنظمة الدفاعية الأساسية إقليمياً.
والهدف من هذا التحرك هو وضع أسس للتعاون العملي قابلة للتنفيذ، وفي إطار القدرات التي تمتلكها الدول العربية بالفعل.
حماية الدولة الوطنية من التفكك
إذا كان أحد التصورات الواردة في المقال ينظر إلى ضعف الدول العربية باعتباره عاملاً يمكن استثماره، فإن أفضل رد على ذلك ليس أمنياً فقط، بل مؤسسيا وتنمويا أيضاً.
ولا يعني العمل على مواجهة ذلك عدم الاعتراف بالهشاشة التي تتسم بها البنية المؤسسية لبعض المجتمعات العربية، ففي الأعمال الأدبية للكاتب العربي عبد الرحمن منيف أوضح أن هناك مأساة تشكلت في المجتمعات العربية نتيجة أن التحولات الاقتصادية السريعة سبقت قدرة المجتمع على استيعاب تلك التحولات ونتائجها على بنية المجتمع التي تشكلت عبر عقود طويلة. وأصبحت المدن العربية تتغير شكلًا بإيقاع أسرع من إيقاع الإنسان الذي يسكنها.
واليوم تكتشف بعض الدول العربية أن النجاح في بناء مدن حديثة تضم أحدث أشكال الرفاهية لا يكفي لضمان أمن تلك المدن واستدامة رفاهتها، ومن هنا تجئ أهمية مراجعة نظريات التحضر لتكون أكثر اتساعًا من أن تقتصر على سرعة التشييد وحداثة البناء، وأن بناء الإنسان ومستوى تعليمه وحالته الصحية والنفسية ووعيه ومستوى إدراكه لما يواجه بلده من تحديات هو الأولوية الأجدر بالسعي لتحقيقها.
لذا يجب أن تعمل الدول العربية على تحقيق بعض الأولويات وعلى رأسها:
•تعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على تقديم الخدمات وإدارة الأزمات ضمن أطر دستورية وقانونية واضحة.
•العمل على بناء المواطن تعليميًا وصحيًا وفكريًا وتأهيله لمواجهة التحديات.
•تقليل هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.
•معالجة التهميش الإقليمي والاجتماعي الذي تستغله التنظيمات المسلحة أو القوى الخارجية.
•دعم التسويات السياسية الداخلية التي تحفظ وحدة الدولة وسيادتها.
مما يؤكد على أن الدولة العربية المتماسكة ليست مجرد شريك سياسي أفضل، بل وأنها أيضاً أقل قابلية للتحول إلى ساحة صراع بالوكالة أو إلى منطقة نفوذ مفروضة من الخارج.
بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية عربية
في ظل التسارع غير المسبوق في سباق التسلح الدولي، وفي اختبار القدرات الهائلة التي يتيحها تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وتأثير ذلك على تطوير نوعية وقدرات الأسلحة، فإنه من المهم ألا يقتصر الرد العربي على ذلك بشراء أنظمة دفاعية جديدة من الخارج، فالاعتماد الكامل على الاستيراد قد يعيد إنتاج مشكلة الاعتماد الخارجي التي يناقشها المقال في الحالة الإسرائيلية نفسها.
ويمكن التحرك عربيًا في هذا التوجه من خلال البدء بمشروعات عملية مشتركة في:
•أنظمة الاستشعار والإنذار المبكر والاتصالات الآمنة.
•تقنيات حماية المنشآت النفطية والغازية وشبكات الكهرباء والمواني وطرق الملاحة.
•الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي ذي الاستخدامات الدفاعية.
نحو استراتيجية عربية للتعامل مع المفهوم الأمني الإسرائيلي الجديد
والأفضل توزيع المشروعات بحسب القدرات القائمة لدى الدول العربية، بدلاً من مطالبة كل دولة ببناء منظومة صناعية كاملة بمفردها على غرار ما يحدث حاليا في الكثير من الدول الخليجية. وينبغي أن تبدأ المشروعات بما هو قابل للتمويل والتشغيل، ثم تتوسع وفق نتائج قابلة للقياس، لا وفق طموحات سياسية غير مدعومة بالموارد.
ما الدور المصري تحديداً؟
من وجهة نظري، تمتلك مصر مقومات تؤهلها للقيام بدور محوري في هذه الاستراتيجية، لكن ذلك يتطلب اختيار المجالات التي تحقق فيها قيمة مضافة حقيقية، بدلاً من محاولة قيادة جميع الملفات في وقت واحد.
ومن هذا المنطلق يمكن التركيز بداية على المجالات التالية:
1ـ الأمن البحري والاقتصادي
ربط أمن البحر الأحمر وقناة السويس وأمن شرق المتوسط بأمن التجارة والطاقة العربية.
ويمكن لمصر أن تؤدي دوراً في تنسيق السياسات البحرية واللوجستية، مع تجنب تحويل هذه الممرات إلى ساحات مواجهة مفتوحة.
2ـ التنسيق الدفاعي وبناء القدرات
التركيز على التدريب وتبادل المعلومات وتصنيع وصيانة المعدات ولنا في تجربة الهيئة العربية للتصنيع مثالا يمكن البناء عليه وإعادة إحيائه وتطويره، وحماية المنشآت الحيوية، وخاصة شبكات الطاقة والمواني والمطارات، مع تطوير التعاون في المجالات التي تسمح بها القدرات والموارد الفعلية.
3ـ الدبلوماسية ومنع التصعيد
استخدام العلاقات المصرية المتسعة في كافة الاتجاهات لدعم قنوات الاتصال، ومنع اتساع النزاعات، وطرح ترتيبات أمنية لا تُفرض على الدول المعنية من خارجها.
ويجب أن تنطلق هذه الأدوار من تقدير واقعي للموارد المصرية والضغوط الاقتصادية والأولويات الوطنية.
نحو استراتيجية عربية للتعامل مع المفهوم الأمني الإسرائيلي الجديد
فمصداقية أي دور إقليمي ترتبط بقدرته على الاستمرار، لا بمجرد اتساع نطاقه المعلن.
ما المخاطر التي قد تفشل الاستراتيجية العربية؟
ثمة أخطار أربعة ينبغي تجنبها.
الخطر الأول: افتراض أن التهديد الإسرائيلي يوحّد المصالح العربية تلقائياً.
فاختلاف الأولويات، وتعارض التقديرات بشأن إيران، والتنافس الاقتصادي والسياسي، قد يعطل التعاون حتى عندما تتفق الدول على المبادئ العامة.
الخطر الثاني: الرد على التفوق العسكري بسباق تسلح غير قابل للاستدامة، والأجدى هو سد فجوات محددة وتعزيز المرونة، وتحسين التنسيق، وتطوير القدرات الدفاعية ذات المردود الواضح.
وقد أثبتت الحرب الحالية نجاعة أسلحة جديدة أقل تكلفة وأشد تأثيرًا.
الخطر الثالث: اختزال الأمن في البعد العسكري. فالدولة الهشة اقتصادياً، والمنقسمة سياسياً، والمعتمدة بصورة حرجة على الخارج قد تكون عرضة للضغط حتى لو امتلكت أسلحة متقدمة.
وهناك خطر رابع يتمثل في أن تتحول ترتيبات التعاون الأمني إلى اصطفاف إقليمي جامد يستبعد دولاً عربية مهمة أو يزيد الاستقطاب.
ولذلك يجب أن تكون البنية المقترحة مرنة، ومتدرجة، ومفتوحة للتوسع وفق المصالح المشتركة.
خاتمة
ما يلفت النظر في مقال هايمان أنه يضع أمام القارئ الإسرائيلي أسئلة عن مستقبل الدولة نفسها، هل يصبح السلام مجرد هدنة؟ وهل تصبح الحرب نمطاً دائماً؟ وهل يمكن الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي من دون شراكات دولية؟ وهل يظل إضعاف الجوار ضمانة للأمن؟
ومن منظور عربي، لا ينبغي التعامل مع هذه الأسئلة باعتبارها مجرد نقاش داخلي إسرائيلي، بل بوصفها فرصة لتحديد طبيعة التحدي والاستعداد للاحتمالات التي قد تترتب عليه.
ومع ذلك لا يجوز مساواة تحليل الكاتب لكل اتجاه بتبنيه رسمياً من جانب الحكومة الإسرائيلية أو المؤسسة العسكرية بأكملها.
ولذا فإن الرد العربي الأكثر فاعلية يقوم على ثلاثة تحولات متوازية:
1.من التنسيق الظرفي إلى بناء قدرة عربية مستدامة، لأن التعاون الذي لا يتجاوز الأزمة الراهنة لن يصمد أمام أزمة جديدة.
2.من الاعتماد الخارجي إلى الشراكة المتوازنة، والاستفادة من العلاقات الدولية، مع تقليل مواطن الارتهان في المجالات الحيوية.
3.من إدارة الصراعات إلى بناء نظام إقليمي، بحيث تكون فيه سيادة الدول العربية واستقرارها وتسوية القضايا المعلقة عناصر أساسية للأمن، لا ملفات مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
والأهم أن هذه الاستراتيجية لا تحتاج إلى افتراض أن إسرائيل ستنفذ كل ما يخشاه المقال.
يكفي أن تكون بعض هذه الاتجاهات مؤثرة في صنع القرار حتى يصبح الاستعداد لها ضرورياً.
ولذا، فإن المعادلة المقترحة لكي تحكم التفكير الاستراتيجي العربي في السنوات المقبلة هي “لا سلام مستدام من دون توازن، ولا توازن من دون قدرة عربية مشتركة، ولا قدرة مستدامة من دون دولة وطنية قوية واقتصاد مرن ورؤية سياسية تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها”.
اقرأ أيضا :
نحو استراتيجية عربية للتعامل مع المفهوم الأمني الإسرائيلي الجديد
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



