أخبار عاجلة
بالبلدي: ملك المغرب يطلع على تقدم تشكيل الحكومة -

بالبلدي: نحن وإثيوبيا والسودان.. عن التاريخ والذاكرة والمستقبل

بالبلدي: نحن وإثيوبيا والسودان.. عن التاريخ والذاكرة والمستقبل
بالبلدي: نحن
      وإثيوبيا
      والسودان..
      عن
      التاريخ
      والذاكرة
      والمستقبل

يصعب فهم العلاقة المصرية الإثيوبية الراهنة إذا اختُزلت في أزمة سد النهضة، كما يصعب تفسيرها باعتبارها خلافًا فنيًا بين دولة مصب ودولة منبع حول مورد مائي مشترك. فالعلاقة بين القاهرة وأديس أبابا تشكلت عبر طبقات متراكمة من التاريخ والجغرافيا والدين والحروب والتنافس على البحر الأحمر والنيل، ثم دخلت عليها منذ منتصف القرن العشرين حسابات دولية وإقليمية أعادت تعريف موقع كل من البلدين داخل منظومة أوسع للصراع على النفوذ.

لكن هناك عنصرًا ثالثًا كثيرًا ما يجري التعامل معه باعتباره طرفًا في الخلاف، بينما هو في الحقيقة جزء من بنيته الجغرافية والاستراتيجية، وهو السودان.

فالنيل الأزرق يبدأ في إثيوبيا ويمر عبر السودان قبل أن يصل إلى مصر، بينما يرتبط السودان في الوقت نفسه بالبحر الأحمر وبالقرن الإفريقي والحدود الإثيوبية.

ولذلك فإن أي إعادة توزيع للقوة بين مصر وإثيوبيا تنعكس مباشرة على السودان، كما أن التحولات داخل السودان تؤثر بدورها في ميزان العلاقة بين القاهرة وأديس أبابا.

ومن هنا، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كان التنافس المصري الإثيوبي حقيقيًا أم مصطنعًا.

فالتنافس له جذور حقيقية سابقة على تدخل القوى الخارجية، لكن هذه القوى أسهمت منذ منتصف القرن العشرين في تدويله وتوظيفه وربطه بصراعات أوسع على مصر والبحر الأحمر والنيل.

وفي هذا السياق برزت استراتيجية الأطراف الإسرائيلية، إلى جانب الحسابات الأمريكية خلال الحرب الباردة، باعتبارها عاملًا في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر.

غير أن إثيوبيا لم تكن مجرد أداة لهذه الاستراتيجيات، بل استخدمت هي الأخرى التنافس الدولي لتعزيز قدرتها على تحقيق أهدافها التنموية والسيادية.

بهذا المعنى، فإن سد النهضة يمثل نتيجة لتراكم أطول من لحظة إعلان المشروع عام 2011.

وهو يعكس في جانب منه تطور مفهوم إثيوبيا لحقها في التنمية، وفي جانب آخر تطور مخاوف مصر بشأن أمنها المائي، وجانب ثالث التحولات التي طرأت على موقع السودان، أما الجانب الرابع فهو البيئة الدولية التي أعادت منذ الخمسينيات توزيع الأدوار حول مصر والبحر الأحمر والقرن الإفريقي.

التاريخ الذي لا يغيب عن العلاقة

بدأت الصلات بين مصر وإثيوبيا قبل نشأة الدولة الحديثة في البلدين، وكانت المسيحية إحدى أهم قنوات هذا الاتصال. فقد ارتبطت الكنيسة الإثيوبية بالكنيسة المصرية قرونًا طويلة، وكان تعيين رئيس الكنيسة الإثيوبية يتم عبر الكنيسة القبطية المصرية حتى استقلال الكنيسة الإثيوبية عام 1959.

وقد وفر هذا الارتباط شبكة ثقافية ودينية متميزة، لكنه لم يتحول إلى ضمانة لاستمرار التوافق السياسي.

فالهوية الدينية المشتركة لم تلغِ اختلاف المصالح، ولذلك فإن التعامل مع العامل الديني بوصفه مفتاحًا دائمًا للعلاقة بين البلدين يؤدي إلى قراءة ناقصة للتاريخ. لقد وفرت الكنيسة جسرًا بين المجتمعين، لكنها لم تمنع الصراع عندما أصبحت الجغرافيا والمصالح السياسية أكثر تأثيرًا.

وكان البحر الأحمر أحد أهم هذه المجالات. فقد شهد القرن التاسع عشر توسعًا مصريًا في شرق إفريقيا والبحر الأحمر، ولا سيما في عهد الخديوي إسماعيل، عندما سعت مصر إلى تثبيت وجودها في مصوع ومناطق أخرى والتقدم نحو الداخل.

ولم يكن هذا المشروع منفصلًا عن رؤية أوسع للنفوذ المصنوع بنخبة تركية في السودان والقرن الإفريقي.

وانتهى هذا التوسع إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إثيوبيا في 1875-1876.

فقد تحركت القوات المصرية من مناطق نفوذها على ساحل البحر الأحمر باتجاه الداخل الإثيوبي، وانتهت المواجهة بهزيمتين مصريتين بارزتين، كان أبرزها معركة جورا عام 1876.

وتظهر المصادر التاريخية أن الحرب كانت مرتبطة بالتنافس على السيطرة في البحر الأحمر وأعالي حوض النيل، وليس بمجرد نزاع حدودي محدود.

وتكمن أهمية هذه الحرب في أنها أسهمت في تشكيل ذاكرة إثيوبية عن مصر تختلف عن الصورة المصرية عن تلك المرحلة.

ففي الوعي المصري ارتبط التوسع في شرق إفريقيا بمشروع الدولة المصرية في عهد إسماعيل وبمحاولة بناء نفوذ إقليمي واسع، بينما يمكن أن تظهر الواقعة في السردية الإثيوبية بوصفها مواجهة مع قوة خارجية حاولت التقدم من الساحل إلى الداخل الإثيوبي.

وهذه الذاكرة لا تفسر وحدها الموقف الإثيوبي المعاصر من مصر، لكنها توفر مادة تاريخية يمكن للنخب السياسية استدعاؤها عندما تريد تأكيد أن إثيوبيا واجهت تاريخيًا محاولات خارجية للتأثير في سيادتها. ومن ثم فإن حرب القرن التاسع عشر تظل مهمة ليس بسبب استمرار آثارها المباشرة، وإنما بسبب استمرار إمكانية توظيفها في تفسير العلاقة الراهنة.

ويكتسب السودان هنا أهمية استثنائية.

فالتوسع المصري في القرن التاسع عشر لم يكن مشروعًا موجهًا إلى إثيوبيا وحدها، وإنما ارتبط بالسودان والبحر الأحمر ومجال النيل في آن واحد.

وبذلك كان السودان منذ البداية جزءًا من المجال الذي تتقاطع فيه المصالح المصرية والإثيوبية. وهذا يفسر لماذا ظل موقعه بالغ الحساسية في كل مرحلة لاحقة من العلاقة.

فالسودان ليس مجرد دولة تقع بين مصر وإثيوبيا جغرافيًا، بل هو المنطقة التي يتقاطع فيها الأمن المائي مع الأمن الحدودي والتجارة والزراعة والبحر الأحمر.

وقد أصبح إقليم الفشقة في العقود الأخيرة نموذجًا لهذا التداخل، إذ تتشابك فيه مسألة الحدود مع الأراضي الزراعية والتجارة وحركة السكان.

ومن ثم، فإن قراءة العلاقة المصرية الإثيوبية من دون السودان تؤدي إلى فصل النيل عن جغرافيته السياسية. فإثيوبيا لا تتعامل مع السودان فقط باعتباره دولة مجاله، ومصر لا تتعامل معه فقط باعتباره شريكًا في مياه النيل، وإنما تنظر الدولتان إلى السودان باعتباره مجالًا يؤثر في أمنهما المباشر.

من التنافس المصري الإثيوبي إلى تدويل الصراع

كان منتصف الخمسينيات نقطة تحول أساسية في هذه العلاقة.

فقد كانت مصر في طريقها إلى التحول إلى القوة العربية الأكثر تأثيرًا، بينما كانت إسرائيل تبحث عن ترتيبات استراتيجية تكسر عزلتها في محيط عربي معادٍ.

وفي هذا السياق تطورت ما عُرفت باستراتيجية شد الأطراف، التي سعت إسرائيل من خلالها إلى بناء علاقات مع دول غير عربية أو غير مسلمة تقع على أطراف البيئة الإقليمية العربية، وفي مقدمتها إيران وتركيا وإثيوبيا.

وتوضح وثائق الأرشيف الإسرائيلي أن إسرائيل عززت علاقاتها الاستراتيجية مع إثيوبيا في أواخر الخمسينيات ضمن ما سمي “تحالف الأطراف”، بهدف موازنة السياسة القومية العربية التي قادها جمال عبد الناصر، وتأمين البحر الأحمر بوصفه طريقًا حيويًا للتجارة والنقل، إلى جانب التعاون التنموي والأمني. كما تشير الوثائق إلى أن بن جوريون نظر إلى إثيوبيا باعتبارها جزءًا من أطراف الشرق الأوسط وقاعدة محتملة مؤيدة لإسرائيل على البحر الأحمر.

حيث إن إسرائيل أدركت مبكرًا قيمة التناقضات القائمة بين مصر وبعض محيطها، وسعت إلى توظيفها داخل استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل البيئة المحيطة بمصر.

وكانت أهمية إثيوبيا في هذا التصور أكبر من كونها دولة إفريقية. فهي تقع في قلب القرن الإفريقي، وتطل بصورة غير مباشرة على المجال الجنوبي للبحر الأحمر، وتتحكم في منابع النيل الأزرق. ولذلك فإن تعزيز العلاقة معها كان يحمل قيمة تتصل بمصر والنيل والبحر الأحمر في الوقت نفسه.

وقد ساعد ذلك على تحويل التنافس المصري الإثيوبي من علاقة ثنائية إلى جزء من شبكة علاقات دولية أوسع. لكن إثيوبيا نفسها استفادت من هذه الشبكة.

ففي الخمسينيات، كان الإمبراطور هيلا سيلاسي يدرك قيمة الموقع الإثيوبي في حسابات القوى الكبرى، ويستخدم علاقاته بالولايات المتحدة للحصول على دعم للتنمية والتسليح والمشروعات المائية. وكانت إثيوبيا تطرح منذ ذلك الوقت خطابًا يربط بين موقعها كدولة منبع وبين حقها في تطوير الزراعة والطاقة والصناعة.

وهذا مهم للغاية لفهم سد النهضة.

فخطاب حق إثيوبيا في التنمية لم يظهر مع الحكومة الإثيوبية الحالية، وإنما له جذور تعود إلى منتصف القرن العشرين. ولذلك فإن القول إن القوى الخارجية صنعت الموقف الإثيوبي يتجاهل قدرة أديس أبابا على بناء تصور ذاتي لمصالحها واستخدام الدعم الخارجي لتحقيقه.

في هذا السياق تختلف حالة الولايات المتحدة عن حالة إسرائيل. فقد ارتبط الاهتمام الأمريكي بإثيوبيا خلال الحرب الباردة بالحسابات الاستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ومواجهة النفوذ السوفيتي، إضافة إلى المصالح العسكرية والاتصالات. وفي المقابل، كانت إثيوبيا تستخدم العلاقة الأمريكية للحصول على ما تعتبره حقًا في التنمية وتعزيز قدرتها على استغلال مواردها الطبيعية.

وبذلك، فإن العامل الخارجي لم يخلق التنافس المصري الإثيوبي، لكنه أعاد توزيع القدرة على ممارسته. وأصبحت إثيوبيا أكثر قدرة على التحرك الدولي، بينما أصبحت مصر مضطرة إلى التعامل مع منافسة لا تجري داخل حوض النيل فقط، وإنما داخل نظام دولي وإقليمي أوسع.

إذا كانت استراتيجية الأطراف قد جعلت إثيوبيا أكثر أهمية بالنسبة إلى خصوم مصر، فإن السودان هو المجال الذي يكشف الحدود الحقيقية لهذه الاستراتيجية. فإثيوبيا لا يمكنها أن تتحول إلى قوة مؤثرة في النيل والبحر الأحمر بمعزل عن علاقتها بالسودان، كما أن مصر لا تستطيع حماية أمنها المائي دون أخذ السودان في الحسبان.

وقد ظهر ذلك بوضوح في قضية سد النهضة.

فالموقف السوداني لم يكن مطابقًا للموقف المصري منذ البداية.

فقد رأت قطاعات واسعة من الدولة والنخبة السودانية أن السد يمكن أن يوفر فوائد حقيقية للسودان، من تنظيم تدفقات النيل الأزرق وتقليل الفيضانات إلى الحصول على كهرباء منخفضة التكلفة وتحسين إمكانات الزراعة والري.

وتوضح دراسة حديثة حول الموقف السوداني من السد أن الخرطوم اقتربت من إثيوبيا خلال الفترة 2011-2019 بسبب هذه المصالح، وأن السودان لعب في تلك المرحلة دورًا دبلوماسيًا مهمًا في التوصل إلى إعلان المبادئ الثلاثي عام 2015، لكن هذا الموقف لم يكن ثابتًا.

فقد بدأت المخاوف السودانية تزداد حول سلامة السد وآليات التشغيل وتبادل البيانات، خصوصًا في ظل غياب اتفاق ملزم. كما أن تطورات الحدود في الفشقة أضافت بعدًا أمنيًا جديدًا إلى العلاقة مع إثيوبيا.

ومع اندلاع الحرب السودانية عام 2023، تراجعت قدرة الخرطوم على لعب دور الوسيط أو إنتاج سياسة متماسكة تجاه القاهرة وأديس أبابا.

وتؤكد الدراسات الحديثة أن الاضطراب المؤسسي السوداني أضعف قدرة السودان على القيام بالدور الذي يفرضه موقعه الجغرافي في أزمة النيل.

وهنا ينبغي الحذر من النظر إلى الموقف السوداني باعتباره مجرد تأييد لمصر أو لإثيوبيا.

فالمصلحة السودانية تختلف عن المصلحتين المصرية والإثيوبية. السودان يريد الاستفادة من تنظيم المياه والطاقة، لكنه يحتاج أيضًا إلى ضمان سلامة منشآته وسدوده وتدفقات مائية يمكن التنبؤ بها.

وهو في الوقت نفسه يخشى من أن يتحول إلى ساحة لصراع إقليمي.

ولهذا فإن غياب السودان عن المعادلة ليس أمرًا ثانويًا. فإذا كان السودان مستقرًا وقادرًا على ممارسة سيادته، فإنه يمكن أن يمثل جسرًا بين القاهرة وأديس أبابا، لأن مصالحه تقع في منطقة وسطى بين مخاوف مصر ومصالح إثيوبيا. أما عندما تكون الدولة السودانية ضعيفة أو منقسمة، فإن هذا المجال الوسيط يتحول إلى فراغ يمكن للقوى المختلفة أن تتنافس داخله.

وهذه المسألة اكتسبت بعدًا أكبر مع الحرب السودانية. فالحرب لم تضعف قدرة السودان على لعب دور دبلوماسي فحسب، وإنما جعلت حدوده الشرقية والبحر الأحمر جزءًا من حسابات الأمن الإقليمي.

كما أن الفشقة أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بالوجود العسكري السوداني وبحركة التجارة والموارد الزراعية عبر الحدود.

وطبقًا لذلك فإن الحرب السودانية لا يمكن فصلها عن إعادة تشكيل البيئة المحيطة بالنيل. فكلما ضعفت قدرة السودان على إدارة حدوده ومياهه وعلاقاته الخارجية، زادت فرص تحول أراضيه إلى مجال للتنافس الإقليمي.

وهذا لا يعني أن الحرب السودانية نشأت بسبب التنافس المصري الإثيوبي، وإنما يعني أن نتائجها تؤثر بصورة مباشرة في ميزان هذا التنافس.

من هنا يظهر السودان باعتباره الحلقة التي تصل النيل بالبحر الأحمر، فإثيوبيا تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه مسألة استراتيجية مرتبطة بالتنمية والتجارة، ومصر ترى البحر الأحمر جزءًا من أمنها القومي، بينما يشكل السودان الدولة التي تمتلك أطول ساحل بين البلدين في هذا المجال البري المتصل بالنيل والقرن الإفريقي.

سد النهضة وإعادة تعريف التنمية

في هذا السياق، يصبح سد النهضة أكثر من مشروع للطاقة. فهو يمثل المرحلة التي تحولت فيها المطالبة الإثيوبية بالتنمية إلى قدرة مادية على إعادة ترتيب العلاقة مع دول المصب.

وهنا تظهر أهمية السودان مرة أخرى.

فالسد يقع على النيل الأزرق داخل إثيوبيا، لكنه يؤثر مباشرة في الدولة السودانية قبل المصرية.

ومن ثم فإن السودان هو أول دولة يمكن أن تستفيد من تنظيم التدفقات، وأول دولة يمكن أن تتأثر بالمخاطر الناجمة عن التشغيل غير المنسق أو المعلومات غير الكافية.

ولهذا فإن القضية لا ينبغي أن تصاغ باعتبارها معركة بين مصر والتنمية الإثيوبية.

القضية الحقيقية هي: ما القواعد التي تجعل التنمية في دولة المنبع متوافقة مع الأمن المائي للدولتين الواقعتين أسفلها؟ وهذا السؤال يصبح أكثر أهمية مع الحديث عن إقامة مشروعات مائية جديدة.

فليس كل سد جديد تهديدًا لمصر أو السودان، كما أن تأثير أي مشروع يتوقف على الغرض منه وحجمه وموقعه وقواعد تشغيله.

لكن انتقال إثيوبيا إلى منظومة أوسع من مشروعات الطاقة والمياه يفرض الحاجة إلى إطار إقليمي يحدد كيفية تبادل البيانات وتقييم الآثار التراكمية والتعامل مع الجفاف والطوارئ.

وإذا لم ينشأ هذا الإطار، فإن المشكلة ستنتقل من سد النهضة إلى سلسلة من المشروعات، بحيث يصبح كل مشروع جديد موضوعًا لصراع مستقل.

وهذا ما ينبغي أن تتجنبه مصر والسودان وإثيوبيا معًا.

ماذا تعني استراتيجية الأطراف الإسرائيلية اليوم؟

لا يمكن إسقاط استراتيجية الأطراف في الخمسينيات بصورة حرفية على الواقع الراهن.

ولم تعد العلاقات الإقليمية تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها في عهد بن جوريون وعبد الناصر.

لكن ذلك لا يعني أن آثار تلك المرحلة اختفت. فقد أسهمت استراتيجية الأطراف في إنشاء شبكة من العلاقات الإسرائيلية مع إثيوبيا وغيرها من دول شرق إفريقيا، وكان الهدف من بينها موازنة النفوذ العربي وتأمين طرق الملاحة في البحر الأحمر.

الأهم أن هذه الاستراتيجية كشفت مبكرًا عن قيمة إثيوبيا في أي محاولة لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بمصر. فإثيوبيا تقع خلف السودان، عند منابع النيل الأزرق، وعلى مقربة من المجال الجنوبي للبحر الأحمر.

لكن الخطأ هو تحويل هذه الحقيقة إلى تفسير شامل.

فإثيوبيا ليست مجرد طرف في استراتيجية إسرائيلية، كما أن الولايات المتحدة لم تكن تتحرك دائمًا وفقًا للحسابات الإسرائيلية.

لقد كانت لكل قوة مصالحها، وكانت لإثيوبيا مصالحها، وكانت لمصر مصالحها.

ولهذا فإن التفسير الأقوى هو أن القوى الخارجية لم تصنع التناقضات المصرية الإثيوبية، وإنما ساعدت في تحويلها إلى عناصر داخل بنية أوسع لتوزيع القوة.

وقد استثمرت إثيوبيا نفسها في هذه البنية، فكلما وجدت قوة دولية مستعدة لدعم التنمية أو التسليح أو الاستثمار، استخدمتها لتعزيز قدرتها على التفاوض مع مصر والسودان.

وهذا يفسر لماذا لا ينبغي أن تبحث القاهرة عن فاعل خارجي واحد وراء الأزمة، وإنما عن بنية مصالح متغيرة. ففي الوقت الراهن، تتداخل إسرائيل والولايات المتحدة والصين وتركيا ودول الخليج وروسيا وقوى أوروبية وإفريقية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر بدرجات مختلفة.

وبالتالي فإن البيئة التي تتحرك فيها إثيوبيا أكثر تعقيدًا بكثير من بيئة الخمسينيات.

مصر والسودان وإثيوبيا: من مثلث الصراع إلى مثلث المصالح

إذا كانت العلاقة بين مصر وإثيوبيا قد انتقلت من التنافس الثنائي إلى تنافس تم تدويله، فإن التطورات الراهنة تجعل إعادة بناء العلاقة الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا ضرورة تتجاوز ملف سد النهضة.

فالسودان هو الطرف الذي يستطيع أن يربط مصالح مصر المائية بمصالح إثيوبيا التنموية.

ومصر يمكنها أن توفر للسودان عمقًا اقتصاديًا وسياسيًا، بينما تستطيع إثيوبيا أن توفر له الطاقة وتنظيم التدفقات.

وإذا أمكن تحويل هذه المصالح إلى ترتيبات مؤسسية، فإن النيل يمكن أن يصبح مجالًا للتكامل، بدلًا من أن يكون مصدرًا دائمًا للأزمة.

لكن ذلك يتطلب الحفاظ على القدرات السودانية. كما لا ينبغي أن يكون الهدف الإثيوبي هو استمالة السودان ضد مصر، وإنما بناء علاقة معه تقوم على مصالح متبادلة وقواعد واضحة.

وهذا الأمر يرتبط مباشرة بمستقبل الدولة السودانية. فاستقرار السودان ليس قضية إنسانية وسياسية منفصلة عن الأمن المصري، وإنما هو عنصر من عناصر التوازن في حوض النيل والبحر الأحمر. وكلما كانت الدولة السودانية أكثر قدرة على ممارسة وظائفها، كان ممكنًا أن تؤدي دورًا في إدارة الخلافات المائية والحدودية، وأن تمنع تحول أراضيها إلى مجال للتنافس بالوكالة.

وهنا تتجاوز المسألة سد النهضة نفسه. فإذا اتجهت إثيوبيا إلى بناء سدود ومشروعات جديدة، فإن القضية ستصبح قضية نظام مائي كامل، لا منشأة منفردة.

وإذا استمر ضعف السودان، فإن إدارة هذا النظام ستجري في ظل غياب أحد أهم أطرافه.

وإذا توسعت المنافسة على البحر الأحمر، فإن النيل سيجد نفسه أكثر ارتباطًا بالأمن الجيو سياسي للقرن الإفريقي.

ولذلك فإن المطلوب من مصر ليس العودة إلى تصور قديم للعلاقة مع إثيوبيا، ولا الدخول في مواجهة مفتوحة معها، وإنما صياغة سياسة جديدة تنطلق من إدراك ثلاثة أمور مترابطة: أن لإثيوبيا مصالح تنموية حقيقية لا يمكن تجاهلها، وأن لمصر مصالح مائية لا يمكن التنازل عنها، وأن السودان ليس ساحة بين الطرفين، وإنما شريك أساسي في إعادة بناء التوازن الإقليمي.

فالتاريخ لا يجعل الصراع حتميًا، لكنه يفسر لماذا تراكمت الشكوك. والقوى الخارجية لا تصنع دائمًا الصراعات، لكنها تستطيع استثمارها وتوسيعها. والتنمية لا تبرر الانفراد بنهر دولي مشترك، كما أن الأمن المائي لا يعني رفض تنمية دول المنبع.

وبين هذه الحقائق الثلاث تقع المسألة المصرية الإثيوبية السودانية اليوم؛ ليست معركة حول سد واحد، وإنما صراع على قواعد جديدة لإدارة القوة والمياه والجغرافيا في مثلث مصر والسودان وإثيوبيا، داخل إقليم أصبح البحر الأحمر فيه امتدادًا للنيل، وأصبح النيل بدوره جزءًا من معادلة أوسع لإعادة ترتيب شرق إفريقيا.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : مدرب الزمالك معلقا على ثلاثية زد: لا يوجد تقييم للاعب من مباراة واحدة.. وانتظروا هذا الثنائي
التالى بالبلدي: مصابون بانفجار مصنع إنتل في إسرائيل.. حديث عن تسرب مواد خطرة

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay