تشهد جبهات القتال في اليمن تحولًا ملحوظًا في مسار العمليات، بعد نجاح القوات التابعة للحكومة اليمنية، بدعم جوى سعودي في شن هجوم مضاد على الساحل الغربي واستعادة مناطق مهمة قرب باب المندب وذو باب وصولاً إلى المخا.
وقد مثل هذا التقدم أول تحول ميداني واضح في مواجهة المكاسب التي كان الحوثيون قد حققوها خلال الأسابيع السابقة، لكنه لم يؤد حتى الآن إلى انهيار شامل في انتشارهم، إذ ردت الجماعة بتوسيع الضغط على جبهات أخرى، خصوصاً تعز ومأرب والحدود السعودية في محاولة لتشتيت القوات الحكومية ومنعها من استثمار تقدمها الساحلي في عملية أوسع.
وتركز القوات التابعة للحكومة اليمنية هجومها على محور باب المندب - ذو باب - المخا، حيث تراجعت القوات الحوثية من عدد من مواقعها الساحلية باتجاه المرتفعات الداخلية، بينما تحاول القوات الحكومية تثبيت سيطرتها وتأمين الطريق الساحلي تمهيداً لاحتمال مواصلة الضغط شمالاً في اتجاه الخوخة والحديدة، إلا أن استمرار هذا التقدم يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الحكومة على تأمين أجناب القوات المتقدمة وخطوط الإمداد الممتدة من عدن ولحج إلى باب المندب والمخا.
وفى الوقت نفسه بدأت جبهة تعز تكتسب أهمية متزايدة في الحسابات العملياتية، فالمدينة ما زالت في معظمها تحت سيطرة القوات الحكومية، بينما يضغط الحوثيون على مداخلها ومرتفعاتها والطرق المؤدية إليها، خصوصاً باتجاه التربة وطريق تعز - عدن، لكن في الوقت ذاته تحركت قوات من ألوية العمالقة من اتجاه رأس العارة نحو الوازعية، في محاولة للضغط على الجانب الغربي للقوات الحوثية التي تقدمت باتجاه التربة ومناطق جنوب تعز، وإذا استمر هذا التحرك واتسع، فقد يؤدى إلى تحقيق اتصال بين جبهة الساحل والجبهة الداخلية حول تعز.
كما تحظى الطرق بأهمية مركزية في هذه المرحلة، لأن نجاح الحوثيين في قطع طريق تعز - عدن يمكن أن يضاعف الضغط على المدينة ويقلص قدرة القوات الحكومية على إمدادها من الجنوب، لكنه لا يعنى فى حد ذاته قطع إمدادات القوات المتقدمة على الساحل الغربي، إذ يوجد محور مستقل نسبياً يمتد من عدن ولحج إلى باب المندب ثم ذو باب والمخا، ويصبح الخطر أكبر إذا تمكن الحوثيون من الجمع بين الضغط على طريق تعز - عدن وتهديد طريق تعز - المخا أو الممرات الواقعة بين لحج والساحل، لأن ذلك قد يؤدى إلى فصل جبهة تعز عن الساحل وإجبار الحكومة على توزيع قواتها على عدة اتجاهات.
ويبدو أن هذا هو أحد أهم الخيارات الحوثية خلال المرحلة المقبلة، فبدل الدخول في مواجهة مباشرة واسعة على الساحل، قد تركز الجماعة على تهديد عقد الطرق والمرتفعات شرق وشمال المخا، مع استمرار الضغط على التربة والمواسط والشمايتين والمداخل الجنوبية لتعز، وقد تلجأ كذلك إلى تعزيز مواقعها في المرتفعات إذا استمر التراجع على الساحل، بما يسمح لها بإقامة خطوط دفاعية أقوى وشن هجمات مضادة على أجناب القوات الحكومية المتقدمة، أما في حال اشتداد الضغط الحكومي من اتجاه الوازعية، قد يحاول الحوثيون إما تعزيز مواقعهم حول التربة والمواسط، أو مهاجمة الطرق المؤدية من الساحل إلى الداخل، أو الانسحاب من بعض المواقع المكشوفة إلى مناطق أكثر ملاءمة للدفاع مع المحافظة على الضغط على تعز من اتجاهات أخرى.
أما فى مأرب والجوف فتمثل العمليات هناك في الوقت الحالي اتجاه مجهود ثانوي بالنسبة للقوات الحكومية، لكنها تمثل مصدر ضغط إضافي على الحوثيين، أو قد تتحول للمجهود الرئيسي خصوصاً إذا اتسعت باتجاه نهم بالقرب من صنعاء بعد تثبيت المكاسب على الساحل الغربي، أما على الحدود السعودية، فإن الحشود الحوثية والهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة فهي تعمل على إجبار السعودية على تخصيص جزء من قدراتها لحماية أراضيها ومنشآتها، بما قد يقلل من حرية تركيز كامل قوتها على دعم العمليات داخل اليمن.
وبناءً على ذلك، لا يمكن وصف ما يجري حتى الآن بأنه هزيمة شاملة للحوثيين، رغم وضوح التراجع الذى تعرضوا له على محور باب المندب - المخا، وستتحدد أهمية هذا التراجع بقدرة القوات الحكومية على تحويل النجاح الساحلي إلى ضغط أوسع وتطوير هجومها باتجاه تعز وصنعاء، مع الحفاظ على خطوط الإمداد مفتوحة ومنع الحوثيين من تحقيق مكاسب تعويضية في الطرق الجنوبية والمرتفعات الداخلية، فإذا نجحت المناورة التي تقوم بها القوات الحكومية في محو رأس العارة - الوازعية في الضغط على الجناح الحوثي المتقدم نحو التربة، فقد تتحول محاولة عزل تعز إلى نقطة ضعف بالنسبة للحوثيين، أما إذا تمكنوا من تثبيت مواقعهم وتهديد طريق تعز - عدن أو طرق الربط بين تعز والمخا والساحل، فقد ينجحون في إبطاء التقدم الحكومي وإجبار خصومهم على إعادة توزيع قواتهم، وهو ما يجعل معركة الطرق والمرتفعات المحيطة بتعز أحد العوامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه العمليات خلال المرحلة المقبلة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





