أنا ضد الحكومة! نعم، ولكن قبل أن أرفع هذه العبارة شعارًا، أريد أن أعرف: ضد ماذا تحديدًا؟ أضد الخطأ فأنتقده، أم ضد التقصير فأطالب بإصلاحه، أم ضد كل ما أسمعه لمجرد أنه يوافق غضبي؟.
فليس كل منشور حقيقة، وليس كل مقطع دليلًا، وليس كل «بيقولوا» خبرًا يستحق أن يُروى. لقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»، ومع ذلك، أصبحنا نعيش في زمن يكفي فيه أن تكتب كلمة «عاجل» حتى يركض الناس خلفها، ويكفي أن يظهر مقطع مجهول المصدر حتى يتحول في دقائق إلى «حقيقة مؤكدة».
وقد رأينا مثالًا واقعيًا في السابق، حين تداولت صفحات على مواقع التواصل مقطعًا زُعم أنه يُظهر سقوط صاروخ في إحدى قرى أسوان، فأثار الخوف والقلق، قبل أن يصدر نفي رسمي للادعاء.
وهنا السؤال الذي يجب أن يسبق الغضب: كم واحدًا شاهد المقطع وسأل عن مصدره قبل أن يشاركه؟ وكم واحدًا صدقه فقط لأنه وافق الصورة التي يحملها في ذهنه؟ وقصة دينا عزت وزوجها الأخيرة تأتي أيضًا في هذا السياق، وأصبح الناس يدافعون عن مجرمين ويكذبون السلطات فقط لمجرد حنقهم على الحكومة بسبب أوضاعهم المعيشية أو اتباع الناعقين من أعداء الوطن.
وكثيرًا جدًا هي هذه الأمثلة التي لا يكف أعداء الوطن عن بثها، ويتبعها الهمج الرعاع والغوغاء والذين في قلوبهم مرض، حتى يفسدوا علينا وطننا الصامد بقوة وسط منطقة مشتعلة محطمة، ليس باق فيها إلا مصر.
نعم، للحكومة أخطاء، وللمواطن كامل الحق في النقد والسؤال والمطالبة بالإصلاح، وليس المطلوب من الإنسان أن يغمض عينيه عن الخطأ أو أن يصفق لكل قرار، ولكن هناك فرق عظيم بين النقد الذي يبحث عن الحقيقة والغضب الذي يبحث عن أي حجة تؤيده، فالمعاناة لا تجعل الإشاعة حقيقة، والضيق لا يمنح الكذب شرعية، والفشل الشخصي لا ينبغي أن يتحول إلى شماعة نعلّق عليها كل شيء.
وهنا تأتي كلمة الإمام علي عليه السلام كأنها تصف مشهدًا من أيامنا: «الناس ثلاثة: فعالمٌ رباني، ومتعلمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاعٌ أتباعُ كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق».
وما أقساها من صورة لمن لا يملك موقفًا إلا موقف آخر شخص سمعه، ولا قناعة إلا آخر منشور قرأه، يصرخ أحدهم فيصرخون، ويغضب أحدهم فيغضبون، وينشر مجهول خبرًا فيتناقلونه، ثم إذا ظهر كذبه قالوا: «كل الناس كانت بتقول كده!» وكأن كثرة المخطئين تجعل الخطأ صوابًا.
لا يا صديقي، الحقيقة لا تُقاس بعدد من صدقها، والكذب لا يصبح صدقًا لأن آلافًا تناقلوه. كن ناقدًا، ولكن كن عادلًا، اسأل، ولكن اسأل بعقل، اعترض، ولكن اعترض على ما ثبت، وطالب بحقك، ولكن لا تجعل رفضك لخطأٍ ما سببًا في تصديق كل خطأ.
لا تقدّس الحكومة، ولا تكرهها إلى درجة تصديق كل ما يقال عنها، لا تصفق لكل شيء، ولا تسب كل شيء. اجعل بينك وبين الخبر لحظة تفكير، وبينك وبين الغضب لحظة عقل، وبينك وبين إعادة النشر سؤالًا واحدًا: «أين الدليل؟».
فالوطن لا يحتاج إلى مواطن يصفق لكل قرار، كما لا يحتاج إلى مواطن يرفض كل شيء، وإنما يحتاج إلى إنسان يعرف متى ينتقد، ولماذا ينتقد، وعلى أي أساس يتكلم.
وإذا كان هناك خطأ، فليُكشف بالدليل، وإذا كان هناك تقصير، فليُطالب بإصلاحه، وإذا كان هناك فساد، فليُحاسب من يثبت عليه، أما أن نفتح أبواب الإشاعات ثم ندخلها جميعًا دون سؤال، فهذه ليست معارضة ولا شجاعة، وإنما غياب للعقل.
وأخطر ما في الأمر أن الكلمة حين تخرج لا تعود ملك صاحبها، قد تفسد سمعة، وتشعل خصومة، وتزرع خوفًا، وتضلل إنسانًا، ثم يأتي صاحبها بعد ذلك ليقول: «كنت فقط أنقل ما سمعته».
لذلك، إذا أردت أن تقول «أنا ضد الحكومة»، فقلها بعقل لا بغضب، وبالدليل لا بالإشاعة، وبالحرص على الإصلاح لا بالرغبة في الهدم.
فليس عيبًا أن تختلف، وليس عيبًا أن تنتقد، وليس عيبًا أن تطالب بحقك، العيب أن تتنازل عن عقلك كي تنتصر في جدال.
ولا تجعل من غضبك بابًا يدخل منه الكاذبون إلى عقلك، فتذكّر دائمًا: قد تخدعك إشاعة لدقيقة، لكنك قد تندم على نشرها سنين، وقد تخرج الكلمة من فمك في لحظة، ثم تقف أمام أثرها يومًا لا ينفع فيه الاعتذار.
ففكّر قبل أن تصدق، وتثبت قبل أن تنشر، وانتقد قبل أن تظلم، ولا تكن همجًا رعاعًا يميلون مع كل ريح، لأن الإنسان قد يختلف مع الحكومة، لكنه لا ينبغي أن يختلف مع الحقيقة.
إن الأوطان قد تختلف فيها الحكومات وتتغير الوجوه والسياسات، أما إذا ضاع الوطن فلا يبقى لأحد حكومة يعارضها ولا دولة ينتقدها ولا بيت يأويه، وحينئذ لا ينفع الندم.
اقرأ أيضاً
ماذا بعد اتفاق لبنان وإسرائيل على 14 بندًا في واشنطن؟مجدي البدوي: النقابات العمالية لا يمكن أن تقف ضد التقدم التكنولوجي | فيديو
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "






