أبقى البنك الوطني السويسري معدلات الفائدة الرئيسية عند 0% اليوم الخميس، في خطوة تأتي في وقت بدأت فيه العديد من البنوك المركزية الكبرى في تشديد سياستها النقدية.
ويرى متعاملون في الأسواق أن مسألة رفع معدلات الفائدة في سويسرا قد تصبح مسألة وقت فقط، مع تزايد الضغوط التي قد تدفع البنك إلى تغيير موقفه.
ويأتي قرار البنك الوطني السويسري مغايراً لقرارات البنوك المركزية في أبرز شركاء سويسرا التجاريين، ومنها البنك المركزي الأوروبي والفدرالي الأميركي وبنك اليابان، التي بدأت جميعها رفع معدلات الفائدة لمواجهة ارتفاع التضخم.
ومن المتوقع أن تحذو البنوك المركزية في كندا وبريطانيا، وهما أيضاً من أبرز الشركاء التجاريين لسويسرا، حذوها في وقت لاحق من العام.
وساعدت الخصائص للاقتصاد السويسري على الحد من تأثره بموجة التضخم التي شهدتها الدول المجاورة والاقتصادات المماثلة. وارتفع معدل التضخم السنوي في سويسرا خلال أغسطس آب إلى 0.8%، مدفوعاً بارتفاع تكاليف البنزين والديزل وزيت التدفئة، لكنه لا يزال أقل بكثير من المستويات المسجلة في الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو.
وتستهدف البنوك المركزية في الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو إبقاء التضخم عند 2%، بينما يهدف البنك الوطني السويسري إلى الحفاظ عليه بين 0% و2%.
ويتوقع المتعاملون على نطاق واسع أن يبدأ البنك الوطني السويسري في نهاية المطاف دورة لرفع معدلات الفائدة. وتسعّر الأسواق حالياً احتمالات متقاربة تقريباً بين رفع المعدلات والإبقاء عليها دون تغيير في ديسمبر كانون الأول، بينما تتجاوز احتمالات بدء البنك دورة الرفع بحلول أوائل 2027 نحو 90%.
وأظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن أن المتعاملين يراهنون على ارتفاع معدل الفائدة الرئيسي للبنك الوطني السويسري إلى 0.75% على الأقل بحلول سبتمبر أيلول المقبل.
ومن العوامل التي تساعد على إبقاء التضخم منخفضاً المكانة التي يتمتع بها الفرنك السويسري باعتباره ملاذاً آمناً، إذ يؤدي ارتفاع قيمة العملة إلى ضغوط انكماشية على الاقتصاد.
ومع ارتفاع قيمة الفرنك، تصبح الواردات، التي تمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد السويسري، أقل تكلفة.
ونظراً إلى قدرة الفرنك على كبح التضخم والنشاط الاقتصادي في حال ارتفعت قيمته بشكل مفاجئ أو مفرط، يراقب البنك الوطني السويسري أيضاً أسعار الصرف في إطار مهمته للحفاظ على «أوضاع نقدية ملائمة».
ومع سعي المستثمرين إلى الحماية من التقلبات الواسعة في الأسواق خلال عام 2025، ارتفع الفرنك السويسري بأكثر من 12% أمام الدولار، لكن العملة الأميركية استعادت نحو 4% مقابل الفرنك منذ بداية العام الحالي.
وكان بنك «يو بي إس» السويسري يتوقع أن يبدأ البنك الوطني السويسري رفع معدلات الفائدة للمرة الأولى في يونيو حزيران 2027.
لكن اقتصاديي البنك قالوا في مذكرة صدرت في وقت سابق هذا الشهر إن تراجع قيمة الفرنك، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط وصمود اقتصادات الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، يزيد من احتمالات لجوء البنك الوطني السويسري إلى رفع معدلات الفائدة في وقت أبكر من المتوقع.
وأضافوا أن انخفاض قيمة الفرنك بأكثر من 2% أمام اليورو وبأكثر من 1% أمام الدولار منذ آخر اجتماع للبنك في يونيو حزيران قد يثير مخاوف من تسارع التضخم بوتيرة أكبر من التوقعات السابقة.
وأشار الاقتصاديون إلى أنهم لا يرجحون أن يتجاوز التضخم مستوى 2% خلال الأشهر الـ12 إلى 18 المقبلة، لكنهم لفتوا إلى أن البنك الوطني السويسري لديه تاريخ من اتخاذ قرارات تفاجئ الأسواق.
ويستفيد الاقتصاد السويسري أيضاً مما يطلق عليه بعض الاقتصاديين «عائد الملاذ الآمن».
وقال جيديون تومونغ، رئيس تخصص التمويل في كلية «إتش آي إم» لإدارة الأعمال في سويسرا، لشبكة «سي إن بي سي» إن سويسرا تستفيد من تدفقات رؤوس الأموال المرتبطة بمكانتها كملاذ آمن.
وأضاف أن سويسرا، على خلاف الولايات المتحدة وبريطانيا ومنطقة اليورو، «تستورد المصداقية بقدر ما تستورد السلع»، موضحاً أن تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية تدعم الفرنك السويسري، وهو ما يسهم بدوره في الحد من التضخم المستورد، بينما يوفر انخفاض التضخم مبررات كافية للبنك المركزي للإبقاء على معدلات فائدة أقل مقارنة بالاحتياطي الفدرالي وبنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي.
وسبق للبنك الوطني السويسري أن تدخل في أسواق الصرف الأجنبي لتحقيق الاستقرار في العملة، كما أشار خلال السنوات الأخيرة إلى استعداده للتدخل مجدداً عند الحاجة.
وقال تومونغ إن البنك الوطني السويسري «يتبنى سياسة نقدية شديدة المرونة تدعم الفرنك السويسري بشكل نشط».
وأضاف أنه عندما تقفز أسعار الطاقة والسلع الأولية العالمية، فإن الارتفاع الطبيعي في قيمة الفرنك يمتص الصدمة، ما يجعل السلع المستوردة أرخص بشكل كبير بالنسبة إلى المستهلك السويسري.
وأضاف تومونغ أن الطاقة تمثل نحو 3.5% فقط من سلة التضخم في سويسرا، مقارنة بنحو 7% في منطقة اليورو، كما تستفيد سويسرا من مصادر بديلة للطاقة مثل الطاقة الكهرومائية والنووية، وهو ما «يبقيها إلى حد ما بمنأى عن الصدمات الإقليمية».
وأوضح أن القيود الصارمة التي تفرضها سويسرا على الدين العام، والتي تتطلب تحقيق توازن في الموازنات، تعني أن «الدولة لا تضطر إلى تقديم عوائد أعلى لجذب مستثمري السندات، وهو ما يفسر أيضاً انخفاض معدلات الفائدة».
وقال أنطونيو فاتاس، أستاذ الاقتصاد في كلية «إنسياد» لإدارة الأعمال في فرنسا ومستشار خارجي لصندوق النقد الدولي، لشبكة «سي إن بي سي» إن سويسرا لديها تاريخ من انخفاض التضخم، وهو ما يسهم في إبقاء توقعات التضخم منخفضة.
وأضاف: «عندما تحدث صدمة، يكون لدى البنك المركزي الذي يمكنه الاعتماد على توقعات تضخم منخفضة هامش أكبر لإدارة التضخم والإبقاء عليه منخفضاً، وهذا ينطبق على دول مثل سويسرا واليابان».
لكن فاتاس أشار إلى أن سويسرا لا تختلف بشكل كبير عن الاقتصادات الأخرى عند النظر إلى معدل الفائدة الحقيقي، وهو معدل الفائدة الاسمي بعد تعديله وفقاً للتضخم.
وقال: «معدل فائدة عند 0% وتضخم عند نحو 0.8% يعنيان أن معدل الفائدة الحقيقي يبلغ -0.8%. وفي منطقة اليورو، معدل فائدة عند 2.5% وتضخم عند نحو 3.2% يعنيان أن معدل الفائدة الحقيقي يبلغ -0.7%، وهي مستويات متقاربة جداً. كما أن الأرقام في بريطانيا والولايات المتحدة متشابهة أيضاً، وإن كانت أعلى قليلاً».
وأضاف: «بشكل عام، هذه قصة تضخم منخفض مستمر على مدى سنوات، ما يرسخ توقعات جميع الأطراف الفاعلة في الاقتصاد».
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" tawasul24.com "



