بالبلدي : من حائط الصواريخ إلى أيلول الأسود.. الأيام الأخيرة لجمال عبد الناصر

بالبلدي : من حائط الصواريخ إلى أيلول الأسود.. الأيام الأخيرة لجمال عبد الناصر
بالبلدي : من
      حائط
      الصواريخ
      إلى
      أيلول
      الأسود..
      الأيام
      الأخيرة
      لجمال
      عبد
      الناصر

لم يكن جمال عبد الناصر يعرف، وهو يفتح عينيه في صباح 22 سبتمبر 1970، أن سبعة أيام فقط تفصله عن نهاية رحلته.

كانت إسرائيل على الضفة الشرقية من القناة، والأردن يغلي بالقتال، وسوريا قد تدخلت عسكريًا، والقوى الدولية تراقب المشهد.

وفي وسط هذه العاصفة، لم يتراجع عبد الناصر، ظل يتحرك ويتفاوض ويقرر، وكأنه يملك من الوقت ما يكفي لإنقاذ الجميع.

لكن وقته كان قد انتهى تقريبًا.

فمنذ صباح 22 سبتمبر بدأت الساعات الأخيرة في حياة جمال عبد الناصر تمضي بلا توقف.

ولم تأتِ هذه الأيام السبعة من فراغ، فقد سبقتها ثلاث سنوات من إعادة بناء القوات المسلحة، وخوض حرب الاستنزاف، وتطوير الدفاع الجوي، ودفعه تدريجيًا نحو قناة السويس، استعدادًا لجولة جديدة مع إسرائيل.

وفي الوقت الذي كانت فيه مصر تستعد عسكريًا، وجد عبد الناصر نفسه في سبتمبر 1970 أمام معركة أخرى: منع الأزمة الأردنية من التحول إلى حرب عربية أوسع، والحفاظ على المقاومة الفلسطينية دون السماح بانهيار الدولة الأردنية.

ومن هنا بدأت الأيام السبعة الأخيرة في حياة جمال عبد الناصر، بين جبهة قناة السويس وأزمة الأردن، وبين الاتصالات السياسية والتحركات العسكرية، حتى انتهت في 28 سبتمبر 1970.

من هزيمة يونيو إلى حائط الصواريخ

بعد هزيمة يونيو 1967، لم يكن أمام عبد الناصر سوى خيارين: أن يكتفي بإدارة آثار الهزيمة، أو يعيد بناء القوة المصرية استعدادًا لجولة جديدة.

اختار الطريق الثاني، وأُعيد تنظيم القوات المسلحة، وأُعيد تشكيل قيادتها، وبدأت مصر حرب الاستنزاف ضد إسرائيل، بهدف استعادة المبادرة العسكرية وتغيير المعادلة التي فرضتها إسرائيل بعد يونيو.

كانت المشكلة الأساسية أن إسرائيل امتلكت تفوقًا جويًا واضحًا، وأن أي تحرك مصري واسع على الجبهة كان معرضًا لضربات الطيران الإسرائيلي، ومن هنا جاءت أهمية إعادة بناء شبكة الدفاع الجوي المصرية.

لم يكن «حائط الصواريخ» جدارًا من الصواريخ بالمعنى الحرفي، وإنما شبكة متدرجة من صواريخ أرض- جو، والمدفعية المضادة للطائرات، والرادارات، ومراكز القيادة والسيطرة، جرى تطويرها ودفعها تدريجيًا باتجاه قناة السويس.

وكان الهدف العسكري واضحًا: تقليص حرية عمل الطيران الإسرائيلي فوق منطقة القناة، وحماية القوات المصرية بما يسمح لها بالاقتراب من القناة والاستعداد لعمليات عسكرية مستقبلية.

كان عبد الناصر يدرك أن أي عملية عبور واسعة للقناة تحتاج إلى تقليص قدرة الطيران الإسرائيلي على ضرب القوات المصرية في جبهة القتال.

لذلك لم يكن تطوير الدفاع الجوي مشروعًا منفصلًا عن إعادة بناء القدرة المصرية على خوض حرب جديدة، بل كان أحد عناصرها الأساسية.

وخلال عامي 1969 و1970، أصبحت حماية القوات المصرية من الطيران الإسرائيلي مسألة مركزية في حرب الاستنزاف.

وبعد طلب مصر دعمًا سوفيتيًا، تعززت منظومة الدفاع الجوي المصرية بعد زيارة عبد الناصر لموسكو في يناير 1970، وبدأت وحدات الصواريخ تتحرك تدريجيًا نحو الجبهة.

ودخلت حرب الاستنزاف في صيف 1970 مرحلة شديدة الخطورة، فيما كانت الولايات المتحدة تسعى إلى وقف التصعيد وفتح طريق سياسي.

في 19 يونيو 1970، قدم وزير الخارجية الأمريكي وليام روجرز مبادرته إلى مصر والأردن، ثم أعلن تفاصيلها في 25 يونيو، مقترحًا وقف إطلاق النار لمدة تسعين يومًا واستئناف المسار السياسي على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242.

وكانت المبادرة تقوم أساسًا على وقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا بين مصر وإسرائيل، مع التزام الأطراف بعدم تغيير الوضع العسكري القائم خلال فترة الهدنة، ووقف الأعمال العسكرية التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد جديد.

كما دعت إلى بدء محادثات غير مباشرة بين مصر وإسرائيل تحت إشراف المبعوث الأممي غونار يارنج، بهدف تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في نوفمبر 1967.

وكان جوهر المبادرة السياسي هو التوصل إلى اتفاق يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو 1967، مقابل ترتيبات تتعلق بإنهاء حالة الحرب واحترام سيادة دول المنطقة وحقها في العيش داخل حدود آمنة ومعترف بها.

كما تضمنت المبادرة قبول مبدأ إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، وإنهاء حالة الحرب، وضمان حرية الملاحة في الممرات والمياه الدولية.

وبالنسبة إلى مصر، كان أهم ما في المبادرة أنها لم تطلب منها التخلي عن الأراضي المحتلة أو الاعتراف ببقاء الاحتلال، وإنما ربطت التسوية بتنفيذ قرار مجلس الأمن 242، الذي كان ينص على انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتُلت في النزاع، مع ترتيبات سياسية وأمنية أخرى.

ولكن بعد أيام، تصاعدت المواجهة الجوية على الجبهة. ففي 30 يونيو 1970، أسقط الدفاع الجوي المصري طائرتين إسرائيليتين من طراز «فانتوم»، وطائرتين من طراز «سكاي هوك»، وتواصلت عمليات إسقاط الطائرات الإسرائيلية خلال الأيام التالية، حتى بلغ عدد الطائرات الإسرائيلية التي أسقطتها قوات الدفاع الجوي المصرية 15 طائرة خلال أسبوع واحد، وكانت من طرازَي «فانتوم» و«سكاي هوك».

وأظهرت هذه المواجهات أن منظومة الدفاع الجوي المصرية بدأت تفرض قيودًا متزايدة على حرية الطيران الإسرائيلي فوق الجبهة، حتى أصبح الأسبوع الأول من يوليو 1970 معروفًا باسم «أسبوع تساقط الطائرات».

وفي 23 يوليو 1970، قبل عبد الناصر مبادرة روجرز، ثم دخل وقف إطلاق النار المصري- الإسرائيلي حيز التنفيذ في 7 أغسطس.

وهنا اكتسبت المبادرة بالنسبة إلى القيادة المصرية قيمة عسكرية إلى جانب بعدها السياسي، فقد وفرت الهدنة فرصة ثمينة لاستكمال بناء حائط الصواريخ وتحريكه إلى الأمام من دون التعرض للغارات الإسرائيلية التي كانت تعوق تقدم وحداته.

وبمجرد بدء الهدنة، تحركت بطاريات الصواريخ والرادارات ومراكز القيادة تدريجيًا نحو قناة السويس، حتى وصل حائط الصواريخ في 8 أغسطس 1970 إلى الحافة الغربية للقناة.

وهكذا لم تكن الهدنة بالنسبة إلى مصر مجرد توقف مؤقت للقتال، بل تحولت إلى فرصة لإعادة ترتيب ميزان القوة على الجبهة: توقفت الغارات، فتقدمت الصواريخ، واقترب حائط الصواريخ من القناة، اقتربت مصر خطوة أخرى من تأمين قواتها استعدادًا لمعركة العبور.

وهكذا، عندما وصل عبد الناصر إلى سبتمبر 1970، كان الجيش المصري قد استكمل بناء قدرته العسكرية، وأصبح على أهبة الاستعداد للعبور وخوض معركة تحرير الأراضي المحتلة.

لكن المعركة التي وجد عبد الناصر نفسه في أتونها خلال سبتمبر لم تكن على جبهة قناة السويس.

كانت في الأردن.

الأردن يشتعل

بعد حرب 1967، أصبح الأردن أحد أهم مراكز النشاط الفلسطيني المسلح.

تزايد نفوذ الفصائل الفلسطينية، وانتشرت الأسلحة، وظهرت نقاط تفتيش تابعة للفدائيين، وتكررت الاشتباكات بين المسلحين الفلسطينيين والقوات الأردنية.

وكان السؤال الأساسي:

من يملك القرار والسلاح داخل الأردن؟

الملك حسين أراد أن تبقى الدولة الأردنية صاحبة السيادة الوحيدة على أراضيها.

أما الفصائل الفلسطينية، وخصوصًا الفصائل الأكثر راديكالية، فكانت ترى الأردن قاعدة رئيسية للكفاح المسلح ضد إسرائيل.

ومع الوقت، تحول الخلاف من صراع سياسي إلى مواجهة مسلحة، وظهرت مناطق أصبحت فيها الفصائل الفلسطينية تتمتع بنفوذ واسع على حساب قدرة الحكومة الأردنية على فرض سيطرتها الكاملة.

بالنسبة إلى عبد الناصر، كان هذا تطورًا بالغ الخطورة.

فهو لم يكن يريد تصفية المقاومة الفلسطينية، لكنه في الوقت نفسه لم يكن يستطيع أن يرى الأردن يتحول إلى ساحة حرب عربية مفتوحة.

وكان يعرف أن انهيار الدولة الأردنية أو توسع الحرب قد يفتح الباب أمام تدخل إسرائيلي وأمريكي، ويحوّل الأزمة الداخلية إلى مواجهة إقليمية.

لذا، عندما انفجرت الأزمة، لم يتعامل معها عبد الناصر باعتبارها نزاعًا بعيدًا عن مصر، بل باعتبارها أزمة تهدد النظام العربي كله.

الطريق إلى أيلول الأسود

لم تبدأ الأزمة الأردنية فجأة في سبتمبر.

في 9 يونيو 1970، تعرض موكب الملك حسين لإطلاق نار في محاولة لاغتياله، ثم وقعت محاولة أخرى في الأول من سبتمبر.

وفي 6 سبتمبر، نفذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سلسلة عمليات خطف لطائرات مدنية، وأُجبرت ثلاث طائرات على الهبوط في منطقة صحراوية قرب الزرقاء عُرفت باسم «مطار داوسون».

تحولت أزمة الطائرات المخطوفة إلى قضية دولية، واحتُجز عشرات الرهائن الأجانب.

لكن القضية لم تعد قضية طائرات مخطوفة.

كانت الدولة الأردنية نفسها تقترب من الحرب الأهلية.

وفي 16 سبتمبر، دخلت المواجهات مرحلة الحرب الواسعة بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية.

وهنا وجد عبد الناصر نفسه أمام أخطر أزمة عربية منذ حرب يونيو 1967، أزمة تهدد استعدادات مصر لخوض معركتها ضد إسرائيل، وتفتح معركة جانبية تؤدي إلى اقتتال عربي- عربي، لن يستفيد منه سوى الأعداء.

لذلك قرر عبد الناصر استخدام ثقله السياسي والشخصي لوقف القتال.

الأيام السبعة الأخيرة

22 سبتمبر 1970.. عبد الناصر يدعو إلى القمة العربية الطارئة

قبل الوصول إلى 22 سبتمبر، كان عبد الناصر قد قطع إجازته التي فرضها عليه الأطباء في مرسى مطروح، وعاد إلى القاهرة لمتابعة تطورات الأزمة الأردنية.

وبعد فشل محاولات وقف القتال، وتصاعد المواجهة بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية، ثم دخول القوات السورية إلى شمال الأردن، تحرك عبد الناصر باتجاه جمع القادة العرب في القاهرة.

وفي 22 سبتمبر، انعقدت في القاهرة القمة العربية الطارئة التي دُعيت لبحث الأزمة الأردنية ووقف القتال.

وانتقل عبد الناصر إلى فندق النيل هيلتون، حيث أقام وأدار من هناك أعمال القمة والاتصالات والمشاورات الرامية إلى إنهاء القتال في الأردن، وظل في الفندق حتى يوم 27 سبتمبر.

بدأ القادة العرب في الوصول إلى القاهرة اعتبارًا من مساء 21 سبتمبر، بينما كان عبد الناصر يقود الاتصالات والمشاورات للوصول إلى اجتماع عربي قادر على وقف الحرب.

وصل إلى القاهرة الرئيس الليبي معمر القذافي، والرئيس السوري نور الدين الأتاسي، ورئيس الوزراء التونسي الباهي الأدغم ممثلًا للرئيس الحبيب بورقيبة، والرئيس السوداني جعفر نميري.

وفي 22 سبتمبر، وصل أمير الكويت الشيخ صباح السالم الصباح، والرئيس اللبناني شارل حلو، ورئيس اليمن الجنوبي سالم ربيع علي، وممثل اليمن الشمالي أحمد الشامي، كما وصل الملك فيصل بن عبد العزيز.

وغاب الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، والرئيس الجزائري هواري بومدين، كما غاب ملك المغرب الحسن الثاني.

ولذلك لم تكن اجتماعات 22 سبتمبر قمة مكتملة الحضور بالمعنى التقليدي، فقد كانت سلسلة من الاجتماعات والمشاورات العربية المكثفة حول كيفية وقف القتال.

كان عبد الناصر يريد شيئًا واحدًا:

وقف الحرب قبل أن تتحول إلى كارثة عربية شاملة.

وبعد مشاورات مكثفة، تقرر إرسال وفد عربي إلى عمّان للقاء الملك حسين، ومحاولة الوصول إلى وقف للقتال.

وكان الوفد برئاسة الرئيس السوداني جعفر نميري، وضم الباهي الأدغم، والشيخ سعد العبد الله الصباح، والفريق أول محمد أحمد صادق.

وهنا بدأت مهمة صادق التي ستقوده بعد أيام إلى واحدة من أخطر عمليات الإنقاذ السرية في التاريخ العربي الحديث.

23 سبتمبر 1970.. القاهرة تتحول إلى مركز الأزمة

واصل عبد الناصر اتصالاته بالقادة العرب، بينما كان الوفد العربي في عمّان يحاول الوصول إلى الملك حسين.

كانت المعارك قد تركت آثارًا كارثية في العاصمة الأردنية، وكان استمرار الحرب يحمل خطر القضاء على المقاومة الفلسطينية أو انهيار الدولة الأردنية.

كان عبد الناصر يريد وقف القتال قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

لم يكن يبحث عن اتفاق مثالي، كان يبحث عن وقف فوري للقتال.

وفي عمّان، اجتمع الوفد العربي بالملك حسين، وحاول الفريق محمد أحمد صادق الوصول إلى ياسر عرفات.

لكن الوصول إلى عرفات لم يكن سهلًا.

كان الرجل مطاردًا، والمدينة تعيش حالة حرب، والاتصالات بين القيادة الفلسطينية والوفد العربي تتم في ظروف شديدة الخطورة.

وفي الوقت نفسه، كان صادق قد تلقى تعليمات عبد الناصر بأن يبذل كل ما يستطيع للوصول إلى عرفات وجلبه إلى القاهرة.

24 سبتمبر 1970.. العثور على ياسر عرفات

كان ياسر عرفات في تلك الساعات واحدًا من أكثر الرجال مطاردة في عمّان. كانت المدينة قد تحولت إلى ساحة قتال، والجيش الأردني يطارد قوات المقاومة الفلسطينية، والقذائف تضرب الأحياء التي يتحصن فيها الفدائيون، والطرق تمتلئ بالحواجز والآليات العسكرية، بينما كان «أبو عمار» يتحرك من مكان إلى آخر، مختفيًا عن أعين القوات الأردنية، ولا يعرف أحد على وجه اليقين أين يوجد.

وفي القاهرة، كان جمال عبد الناصر يتابع تطورات الموقف لحظة بلحظة. ومن مقر السفارة المصرية في جبل اللويبدة بعمان، بدأ صادق البحث عن عرفات عبر القنوات السرية، مستعينًا بضابط الاتصال المصري إبراهيم الدخاخني، الذي كانت له اتصالات بقيادات المقاومة الفلسطينية. ومن خلال هذه الاتصالات بدأ الخيط يقود إلى عرفات.

لكن الوصول إليه لم يكن كافيًا، كان يجب الاتصال به بطريقة لا تكشف مكانه ولا تمنح القوات الأردنية فرصة لتحديد موقعه. وفي الساعة 11:10 مساءً يوم 24 سبتمبر، خرج الرئيس السوداني جعفر نميري على إذاعة عمّان، ووجه نداءً مباشرًا إلى ياسر عرفات باسم الوفد العربي، طالبًا منه أن يحدد وسيلة الاتصال ومكان وموعد الاجتماع، في محاولة لفتح طريق آمن للوصول إليه.

ظلت الاتصالات مستمرة، وبعد ذلك جاء رد عرفات عبر إذاعة اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية في دمشق.

وحدد «أبو عمار» موعدًا للقاء، وجرى ترتيب أن يصل ممثل عن الوفد العربي إلى مقر السفارة المصرية في جبل اللويبدة، حيث يستطيع أحد رجاله أن يقودهم إلى مكانه.

كان عرفات قد قرر أن يخرج من مخبئه، لكن خروجه نفسه كان عملية محفوفة بالخطر.

تحرك عبر الطرق والأزقة وسط مدينة تشتعل فيها المعارك، حتى وصل إلى السفارة المصرية، وهناك التقى بالوفد العربي. وفي الظاهر كان الاجتماع جزءًا من الاتصالات السياسية الرامية إلى وقف إطلاق النار، لكن خلف هذا المشهد الرسمي كانت هناك مهمة أخرى أكثر سرية: الفريق صادق كان قد وصل أخيرًا إلى الرجل الذي كلفه عبد الناصر بإحضاره إلى القاهرة.

وهكذا انتهى يوم 24 سبتمبر وقد أصبح ياسر عرفات داخل السفارة المصرية، لكنه لم يكن قد أصبح آمنًا بعد، فالمهمة الأصعب لم تكن العثور عليه، وإنما إخراجه من عمّان دون أن يكتشف الملك حسين أن الرجل الذي يبحث عنه أصبح في طريقه إلى القاهرة.

25 سبتمبر 1970.. إخراج عرفات من قلب عمّان

مع بداية يوم 25 سبتمبر، انتقلت العملية من مرحلة العثور على عرفات إلى مرحلة إخراجه من الأردن. كان الطريق إلى المطار مليئًا بالحواجز والجنود والآليات الأردنية، وظهور عرفات في أي نقطة تفتيش كان يمكن أن يعني القبض عليه أو قتله، ولذلك كان لا بد من أن يغادر عمّان باعتباره رجلًا آخر، لا يثير مظهره أو وجوده أي شك.

بدأ الفريق صادق في تجهيز خطة الخروج، وتم تدبير مغادرة عدد من أسر العاملين في السفارة المصرية إلى القاهرة، بحيث تتحرك السيارات في صورة موكب عائلي طبيعي. كان ذلك هو الغطاء الذي تحتاجه العملية، فبدلًا من أن تخرج سيارة تحمل رجلًا مطلوبًا، سيخرج موكب يضم أسرًا مصرية تغادر الأردن.

لكن بقيت مشكلة عرفات نفسه، فقد كان وجهه معروفًا، وكانت لحيته وملامحه قادرة على كشفه في أي نقطة تفتيش. لذلك طلب منه صادق أن يحلق ذقنه. اعترض عرفات في البداية، لكن خطورة الموقف جعلته يوافق، ثم جرى تغيير مظهره بصورة أكبر، فارتدى ملابس خليجية للتنكر، وبحسب رواية الفريق صادق، ارتدى الزي الذي كان يرتديه الشيخ سعد العبد الله الصباح، عضو الوفد العربي الكويتي الموجود في الأردن.

ولم يكتفِ صادق بتغيير مظهر عرفات، بل أضاف إلى الخطة عنصرًا آخر بالغ الأهمية. طلب منه أن يسجل بيانًا بصوته يعلن فيه استمرار المقاومة والقتال، على أن يتم بث التسجيل بينما يكون عرفات قد غادر بالفعل. كان المقصود أن يظل صوت «أبو عمار» حاضرًا في عمّان، في الوقت الذي يكون فيه صاحبه قد بدأ رحلة الخروج منها، بحيث يعتقد من يتابعه أن الرجل لا يزال موجودًا في مكانه ويقود المقاومة من داخل الأردن.

ثم تحرك الموكب. ركب عرفات في سيارة إلى جوار سيدة مصرية وابنتها، وسط مجموعة من أسر العاملين في السفارة، وكان المشهد في ظاهره عاديًا تمامًا، أسر مصرية تغادر الأردن في ظل الفوضى التي تعيشها عمّان، بينما كان داخل السيارة الرجل الذي تبحث عنه القوات الأردنية في كل مكان.

تحركت السيارات عبر المدينة، ومرت من نقاط التفتيش والحواجز، وكانت كل لحظة تحمل خطر انكشاف العملية. ظل عرفات متخفيًا حتى وصل الموكب إلى المطار، وهناك دخلت الخطة أخطر مراحلها، لأن أي تدقيق إضافي أو تعرف على شخصيته كان يمكن أن ينسف العملية كلها.

عند المطار، تولى الفريق صادق التعامل مع الضابط الأردني المسؤول عن الإجراءات، وتعمد أن يشغله بالحديث في الوقت الذي تحرك فيه عرفات نحو الطائرة. كانت تلك اللحظة هي الفاصل بين نجاح الخطة وفشلها، فقد اتجه «أبو عمار» إلى الطائرة وصعد إليها، ثم أُغلقت الأبواب، وأقلعت الطائرة من مطار عمّان.

وصل ياسر عرفات إلى القاهرة يوم 25 سبتمبر، فاصطحبه الفريق صادق إلى مكتبه، ثم رفع سماعة الهاتف واتصل بجمال عبد الناصر.

سأل الرئيس:

— «ماذا فعلت؟»

فأجابه صادق:

— «أبو عمار معي في المكتب.»

فسأله عبد الناصر:

— «معك في القاهرة؟»

فأجاب:

— «نعم يا أفندم، بجواري الآن.»

فقال عبد الناصر:

— «حالًا تكون عندي فورًا.»

وبعد دقائق، كان الفريق صادق وياسر عرفات في طريقهما إلى منزل عبد الناصر في منشية البكري. وحين دخل «أبو عمار» على الرئيس، احتضنه عبد الناصر وردد أكثر من مرة:

«الحمد لله.. الحمد لله.»

كان عرفات قد خرج حيًا من قلب المعركة، وأصبح الآن في القاهرة تحت حماية جمال عبد الناصر. لكن عبد الناصر لم يكن يرى أن إنقاذ عرفات هو نهاية المهمة، فقد أراد أن يحول وجوده في القاهرة إلى ورقة سياسية لإنهاء الحرب في الأردن.

جلس عبد الناصر مع عرفات، ثم التفت إلى الفريق صادق وسأله:

— «ما العمل الآن؟»

كان صادق يرى أن بقاء عرفات في القاهرة بصورة سرية قد يكون أكثر أمانًا، ولذلك اقترح أن يبقى «أبو عمار» في مصر عدة أيام، ثم يُنقل إلى دمشق، ومن هناك يستأنف نشاطه. لكن عبد الناصر رفض الاقتراح، لأنه كان يفكر في شيء آخر تمامًا.

لم يكن يريد أن يختفي عرفات بعد أن نجح في إخراجه من الأردن، وإنما أراد أن يظهر علنًا في القاهرة إلى جواره. كانت رؤية عبد الناصر أن يعرف الملك حسين أن ياسر عرفات أصبح في القاهرة وتحت حماية عبد الناصر، وأن وجوده المعلن في مصر يمكن أن يتحول إلى مدخل جديد لإنهاء الحرب عبر الجلوس إلى مائدة التفاوض.

26 سبتمبر 1970.. الطريق إلى اللقاء الحاسم

واصل عبد الناصر اتصالاته لإنهاء الأزمة، واتجهت الاتصالات إلى إقناع الملك حسين بالحضور شخصيًا.

كان عبد الناصر يريد أن يجمع الرجلين في القاهرة.

لم يكن يتوقع أن ينهي اجتماع واحد الخلاف التاريخي بين الدولة الأردنية والمقاومة الفلسطينية.

كان يريد فقط وقف القتال.

وهذا ما كان يعنيه الاتفاق بالنسبة إليه.

27 سبتمبر 1970.. عبد الناصر بين الملك حسين وياسر عرفات

وصل الملك حسين إلى القاهرة، واجتمع مع القادة العرب الموجودين فيها.

وفي هذه المرحلة أصبح الحضور العربي أكثر اكتمالًا.

شارك في الاتفاق إلى جانب عبد الناصر والملك حسين وياسر عرفات، الملك فيصل بن عبد العزيز، وأمير الكويت الشيخ صباح السالم الصباح، والرئيس اللبناني سليمان فرنجية، والعقيد معمر القذافي، والرئيس جعفر نميري، والباهي الأدغم رئيس وزراء تونس، وأحمد محمد الشامي ممثل اليمن الشمالي.

اجتمع الملك حسين وياسر عرفات تحت رعاية عبد الناصر.

كان كل طرف يحمل رواية مختلفة للأزمة.

الملك حسين يريد استعادة سيادة الدولة الأردنية.

وعرفات يريد ضمان استمرار المقاومة الفلسطينية وعدم القضاء عليها.

أما عبد الناصر فكان يقف بينهما.

ركز عبد الناصر على القضية الأكثر إلحاحًا:

وقف إطلاق النار.

وبعد مفاوضات مكثفة، تم التوصل في 27 سبتمبر إلى اتفاق القاهرة.

نص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية، وسحب القوات الأردنية والفلسطينية من مناطق القتال، وعودة القوات الأردنية إلى قواعدها، وخروج قوات المقاومة من العاصمة، وإنشاء آلية عربية لمتابعة تنفيذ الاتفاق.

وبنهاية المؤتمر كان عبد الناصر قد وصل إلى نهاية طاقته.

الرجل الذي أمضى الأيام السابقة في الاجتماعات والاتصالات والمفاوضات لم يكن في حالة صحية تسمح له بهذا الجهد الهائل، خاصة في ظل معاناته من آثار الأزمة القلبية التي أصابته في 11 سبتمبر 1969

ومع ذلك واصل الكفاح حتى النهاية.

ولم يكن يعرف أن الاتفاق الذي رعاه في 27 سبتمبر سيكون آخر إنجاز سياسي كبير في حياته.

28 سبتمبر 1970.. اليوم الأخير

في صباح 28 سبتمبر، لم يكن عبد الناصر يعرف أن هذا اليوم سيكون آخر أيام عمره.

كان عليه أن يودع القادة العرب الذين بدأوا في مغادرة القاهرة بعد انتهاء القمة.

وفي ذلك اليوم توجه إلى مطار القاهرة لتوديع من تبقى من الضيوف العرب، الملك فيصل بن عبد العزيز وأمير الكويت الشيخ صباح السالم الصباح.

خلال توديع أمير الكويت، شعر عبد الناصر بإعياء شديد وظهرت عليه أعراض الأزمة القلبية.

عاد إلى منزله في منشية البكري، واستُدعي الأطباء على الفور.

حاول الأطباء إنقاذه، لكن الأزمة القلبية التي أصابته كانت قاتلة.

وفي الساعة 6:15 مساءً، يوم الإثنين 28 سبتمبر 1970، فاضت روح جمال عبد الناصر إلى بارئها.

كان عمره 52 عامًا و8 أشهر و13 يومًا.

مات بعد أن قضى آخر سبعة أيام من حياته في محاولة إيقاف حرب عربية- عربية، مات مثخنًا بجراح الأصدقاء قبل الأعداء.

وعلى متن «ساراتوجا».. حتى المدافع الأمريكية صمتت

وفي اللحظة التي كان فيها المصريون يستقبلون نبأ وفاة جمال عبد الناصر، كان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على متن حاملة الطائرات الأمريكية «ساراتوجا» في البحر المتوسط، استعدادًا لمناورة بحرية واستعراض للقوة الأمريكية.

كان الهدف من المناورة أن يسمع عبد الناصر أصوات المدافع الأمريكية وهي في البحر، في رسالة عسكرية واضحة إلى مصر.

لكن الخبر وصل إلى نيكسون.

أبلغه مساعده هالدمان بنبأ وفاة عبد الناصر، فقرر نيكسون إلغاء استعراض القوة النارية الذي كان مقررًا ضمن المناورة، احترامًا لوفاة الرئيس المصري.

كان المشهد بالغ الدلالة:

الرجل الذي أُجريت المناورة لكي يسمع أصوات المدافع الأمريكية، مات قبل أن يسمعها.

وأصدر نيكسون من على متن «ساراتوجا» بيانًا نعى فيه عبد الناصر، ووصفه بأنه قائد بارز خدم شعبه والعالم العربي بإخلاص، وأعرب باسم الشعب الأمريكي عن تعازيه لأسرة عبد الناصر وللشعب المصري، داعيًا إلى تجديد الجهود من أجل تهدئة التوترات وإحلال السلام في الشرق الأوسط.

بعد الرحيل.. جنازة أمة

لم يكن رحيل جمال عبد الناصر رحيل رئيس دولة عاديًا.

كان صدمة هزت مصر والعالم العربي.

في لحظة واحدة غاب الرجل الذي ظل أكثر من عقد ونصف في قلب الأحداث العربية، وارتبط اسمه عند ملايين المصريين والعرب بالاستقلال الوطني والوحدة العربية ومواجهة الاستعمار.

تحولت القاهرة ومدن وقرى مصر والعالم العربي إلى ساحات من الحزن والبكاء والعويل منذ إعلان نبأ وفاته حتى تشييع جنازته.

وفي 1 أكتوبر 1970، خرجت ملايين الجماهير لتودع عبد الناصر في واحدة من أضخم الجنازات التي شهدتها القاهرة في تاريخها الحديث.

لم تكن الجموع تحمل مجرد نعش رئيس.

كانت تحمل معها سنوات كاملة من الأحلام والانتصارات والانكسارات والآمال.

بكاه الذين عرفوه، وبكاه الذين اختلفوا معه، وبكاه جنود الجبهة الذين عرفوا الرجل الذي كان يتابع أخبارهم ويزور مواقعهم ويعيش تفاصيل الحرب معهم.

وبكته أمهات الشهداء، والعمال والفلاحون والطلاب، وملايين العرب والأحرار في العالم الذين رأوا في موته نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الثورة والحرية.

سارت الجماهير خلف نعشه، وامتلأت الشوارع والميادين بالمشيعين، وتعالت الهتافات والبكاء، وتحولت الجنازة نفسها إلى مشهد تاريخي يعكس حجم المكانة التي احتلها عبد الناصر في الوجدان المصري والعربي.

لم يكن أحد من الذين خرجوا يومها يعرف كيف ستبدو مصر بعد جمال عبد الناصر.

كان الرجل الذي اعتاد أن يظهر أمام الجماهير واقفًا، يتحدث ويخطب ويعد ويقاتل، محمولًا هذه المرة على أكتاف الرجال، صامتًا إلى الأبد.

وفي ذلك اليوم، بدا واضحًا أن عبد الناصر لم يترك وراءه منصبًا فقط، بل ترك فراغًا سياسيًا وعاطفيًا هائلًا.

مات جمال عبد الناصر قبل أن يرى الحرب التي كان الجيش المصري يستعد لشنها، وقبل أن يرى ثمرة مشروعه في إعادة بناء القوات المسلحة الذي بدأ بعد يونيو 1967.

وبعد ثلاث سنوات، عبر الجيش المصري قناة السويس، وبدأت القوات المصرية حرب أكتوبر 1973.

رحل القائد.. وبقي الجيش.

رحل عبد الناصر.. وبقيت مصر.

اقرأ أيضاً
70 عاما على تأميم قناة السويس.. يوم استعادت مصر سيادتها على الممر الملاحي الحيوي

مصطفى بكري: الزعيم عبد الناصر سيظل حاضرًا في وجدان الأمة.. وثورة 23 يوليو أعادت الكرامة للفلاح

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" الأسبوع "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : مطار القاهرة يستقبل أولى رحلات شركة Aegean Airlines القادمة من سالونيكي
التالى بالبلدي : لتخفيف العبء عن الأهالي.. صحة القليوبية تُتيح العلاج على نفقة الدولة بـ 10 مراكز طبية

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay
إعلان 1
إعلان 2