بالبلدي : هل انتهت الهيمنة الأمريكية على أوروبا؟

بالبلدي : هل انتهت الهيمنة الأمريكية على أوروبا؟
بالبلدي : هل
      انتهت
      الهيمنة
      الأمريكية
      على
      أوروبا؟

جيوسياسة الخرائط الجديدة وعالم يعيد رسم خرائط النفوذ

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا إحدى ركائز النظام الدولي الذي قادته واشنطن، ولم تكن مجرد حليف للولايات المتحدة.

فالقواعد الأمريكية المنتشرة في القارة، إلى جانب القوات والأساطيل والطائرات وشبكات الاتصالات والاستخبارات، شكلت منظومة جيوسياسية ربطت الأمن الأوروبي بدرجة كبيرة بالقرار الأمريكي.

لكن المشهد يتغير.

فمراجعة البنتاجون للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وما يتردد عن دراسة سحب نحو 25 ألف جندي، وربما رفع العدد إلى 40 ألفا، إلى جانب تقليص بعض القدرات الجوية والبحرية ومخزونات الذخيرة، لا تبدو مجرد إعادة انتشار عسكرية.

إذا تحولت هذه الخيارات إلى قرارات، فستكون من أكبر عمليات إعادة تشكيل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة.

وهنا يبرز السؤال:

هل بدأت الهيمنة الأمريكية على أوروبا في التراجع؟

الإجابة ليست حاسمة.

فالولايات المتحدة لم تعلن الانسحاب من أوروبا، وحلف الناتو ما زال قائما، كما تظل المظلة النووية الأمريكية عنصرا أساسيا في الأمن الأوروبي.

لكن قواعد العلاقة القديمة بدأت تتغير.

من أوروبا التي تحتمي بأمريكا إلى أوروبا التي تدفع ثمن أمنها

تنظر واشنطن إلى العالم اليوم من زاوية مختلفة.

فالصين في المحيطين الهندي والهادئ، وإيران والشرق الأوسط، وطرق التجارة والطاقة، وأمن الحدود الأمريكية، كلها ملفات تضغط على الموارد العسكرية الأمريكية.

لذلك تريد واشنطن من الأوروبيين تحمل حصة أكبر من مسؤولية الدفاع عن القارة.

هذه الفكرة ليست جديدة، لكنها انتقلت خلال السنوات الأخيرة من المطالبة السياسية إلى مراجعة فعلية للانتشار العسكري الأمريكي.

والمراجعة التي بدأها البنتاجون في يونيو الماضي لا تتعلق بعدد الجنود فقط، بل بمستقبل القواعد والتمركز والقدرات العسكرية الأمريكية في أوروبا، وبالنموذج الذي ستتبناه واشنطن: الإبقاء على الترتيبات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، أم دفع أوروبا نحو الاعتماد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية.

أمريكا قد لا تترك أوروبا، لكنها تريد أوروبا مختلفة.

أوروبا تدفع أكثر وتتحمل مسؤولية أكبر، بينما تحتفظ واشنطن بدور القوة النووية الكبرى والضامن الاستراتيجي.

وهذا يعني انتقالا محتملا من الهيمنة المباشرة إلى نفوذ استراتيجي أقل كلفة.

ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا في قلب المعادلة

الخرائط العسكرية ليست خطوطا على الورق.

فألمانيا وإيطاليا وإسبانيا تمثل مواقع رئيسية في شبكة الانتشار الأمريكي داخل أوروبا. ولا تقتصر أهمية القواعد الموجودة فيها على الدفاع عن القارة، بل ترتبط أيضا بقدرة واشنطن على التحرك نحو البحر المتوسط والشرق الأوسط وأفريقيا.

لذلك فإن أي تقليص كبير للوجود الأمريكي في هذه الدول لن يغير عدد الجنود فقط، بل قد يعيد تحديد وظائف بعض القواعد ومسارات الحركة العسكرية الأمريكية.

فالقواعد وطرق الإمداد ونقاط العبور والموانئ والمجال الجوي تحدد قدرة القوات على الحركة، وتؤثر في إدارة الصراعات الدولية.

أوكرانيا وروسيا ليستا وحدهما في المشهد

قد يبدو أن أي تقليص أمريكي في أوروبا سيصب مباشرة في مصلحة روسيا، لكن الحسابات الجيوسياسية أكثر تعقيدا.

فالخيار الأمريكي قد لا يكون انسحابا كاملا من القارة، بل إعادة توزيع للقوات والقدرات نحو مناطق تعتبرها واشنطن أكثر حساسية.

وهناك فارق بين سحب القوات من أوروبا وإعادة تموضع جزء منها داخل الجناح الشرقي للناتو أو نقل موارد عسكرية إلى مسارح أخرى.

لذلك لا يكفي عدد الجنود لقراءة التحول.

السؤال الأهم هو: أين ستذهب القوات التي ستغادر مواقعها الحالية؟ وما القدرات التي ستبقى؟ وما القواعد التي ستظل عاملة؟ ومن سيتولى مهام الاستطلاع والتزود بالوقود والدفاع الجوي والقدرات بعيدة المدى؟

هذه التفاصيل ستحدد طبيعة التحول، لا عدد الجنود المنسحبين وحده.

نهاية أوروبا القديمة؟

منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، قامت المعادلة الأمنية الأوروبية على توفير الولايات المتحدة الجزء الأكبر من القوة العسكرية الاستراتيجية، وتحرك أوروبا داخل مظلتها الأمنية.

لكن عالم اليوم يختلف عن عالم التسعينيات.

فصعود الصين، وعودة روسيا إلى المنافسة الدولية، وتصاعد أهمية القطب الشمالي، وأزمات الشرق الأوسط، والصراع على الممرات البحرية، وأمن الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، كلها عوامل وزعت القوة الدولية على مسارح ومراكز متعددة.

لذلك تتزايد ملامح عالم متعدد المراكز، لا تملك فيه قوة واحدة القدرة على التحكم في جميع مفاتيح النظام الدولي.

وما يجري في أوروبا جزء من هذه التحولات.

من الأطلسي إلى الهندي والهادئ

لا تنظر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إلى أوروبا باعتبارها المسرح الوحيد للصراع الدولي.

فالمنافسة مع الصين تحتاج إلى موارد وقواعد وتحالفات في آسيا والمحيط الهادئ. ولا يزال الشرق الأوسط مهما بسبب الطاقة والممرات البحرية والصراعات الإقليمية. كما ارتبطت أفريقيا بصورة أكبر بصراع النفوذ الدولي، مع تصاعد الحضور الصيني والروسي وتنافس القوى الكبرى على الموانئ والمعادن وطرق التجارة.

وتواجه واشنطن معادلة صعبة: كيف تحافظ على نفوذ عالمي واسع من دون تحمل التكلفة العسكرية كاملة؟

تتمثل الإجابة الأمريكية حتى الآن في إعادة توزيع الأعباء وإعادة تموضع القوة.

هل نحن أمام نهاية الهيمنة أم إعادة تعريفها؟

يجب الحذر من إعلان نهاية الهيمنة الأمريكية على أوروبا قبل اتضاح القرارات الفعلية.

فالولايات المتحدة ما زالت قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية كبرى، وترتبط بأوروبا عبر الناتو والقواعد والتحالفات وشبكات الاستخبارات والتعاون الصناعي والدفاعي.

لكن الهيمنة لا تقاس بعدد الجنود فقط، بل تشمل القدرة على التأثير في القرار، وتحديد أولويات الأمن، والتحكم في حركة القوات، وإدارة التحالفات.

ومن هذه الزاوية، قد يكون ما نشهده إعادة تعريف للهيمنة الأمريكية أكثر من كونه نهاية لها.

تريد واشنطن تقليل تكلفة حضورها مع الاحتفاظ بمفاتيح النفوذ، بينما تسعى أوروبا إلى بناء قدرات عسكرية أكبر، لكنها لا تزال بحاجة إلى قدرات أمريكية متقدمة في مجالات عدة.

لذلك لا تبدو العلاقة مقبلة على قطيعة بين ضفتي الأطلسي، بل على إعادة تفاوض بشأن قواعدها.

جيوسياسة الخرائط الجديدة

لا تكفي الخريطة السياسية لفهم النظام الدولي الجديد.

فهناك خرائط للقواعد العسكرية والممرات البحرية والطاقة والرقائق والتكنولوجيا والموانئ وطرق التجارة والنفوذ السياسي.

ومن يقرأ خريطة واحدة ويتجاهل بقية الخرائط لن يفهم اتجاه التحولات الدولية.

فالقوة اليوم لا تتمثل في الدبابات وحاملات الطائرات فقط، بل في الموقع والطريق والميناء والقاعدة والبيانات والطاقة والتكنولوجيا والتحالف.

ولهذا فإن إعادة تموضع القوات الأمريكية في أوروبا، إذا تحولت إلى قرار فعلي، ستكون جزءا من عملية أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي.

العالم يعيد رسم حدوده غير المرئية

يتغير العالم ببطء، لكن التحول عميق.

فالحدود السياسية ثابتة نسبيا، بينما تتحرك حدود النفوذ وتتبدل مراكز القوة ويعاد تعريف التحالفات.

وتدرك الدول الأوروبية أن الاعتماد الكامل على القوة الأمريكية لا يوفر ضمانة كافية للمستقبل، فيما تدرك واشنطن أن استمرار انتشارها العسكري بالصورة القديمة لا يتوافق مع أولوياتها الجديدة.

لذلك لا يتمثل السؤال في:

هل خرجت أمريكا من أوروبا؟

بل في:

أي أمريكا ستبقى في أوروبا؟ وأي أوروبا ستظهر بعد إعادة توزيع القوة؟

إذا تقلص الوجود الأمريكي بصورة كبيرة، فستواجه أوروبا مسؤولية بناء قوة عسكرية أكثر استقلالا.

أما إذا بقيت القوات الأمريكية مع إعادة انتشارها، فسيعني ذلك أن واشنطن لا تنسحب من اللعبة، بل تغير موقعها فيها.

في الحالتين، تبدأ مرحلة جديدة لا يعاد فيها رسم الحدود السياسية فقط، بل تتغير خرائط النفوذ أيضا.

فالعالم الذي خرج من الحرب الباردة لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم.

والخريطة التي حكمت العلاقات الدولية طوال ثلاثة عقود بدأت تتغير.

وقد لا يكون ما نشهده نهاية الهيمنة الأمريكية على أوروبا، لكنه مؤشر واضح إلى تغير النظام الدولي وإعادة توزيع القوة والنفوذ.

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية، ، ، !!

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" الأسبوع "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : سقوط دجال المنيا.. ضبط متهم بالنصب على المواطنين بزعم العلاج الروحاني
التالى بالبلدي : ارتفاع أسعار الوقود أم السلاح النووي الإيراني؟.. ترامب يطرح خيارًا صعبًا أمام الأمريكيين

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay
إعلان 1
إعلان 2