بالبلدي: حتى لا نتحول من “عشوائية القطع” إلى “عشوائية التخضير”

بالبلدي: حتى لا نتحول من “عشوائية القطع” إلى “عشوائية التخضير”
بالبلدي: حتى
      لا
      نتحول
      من
      “عشوائية
      القطع”
      إلى
      “عشوائية
      التخضير”

بعد قرار رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، مشكورا، بتخضير مصر، وتعهد محافظ القاهرة بعدم قطع شجرة مجددا، أتمنى ألا ننتقل من عشوائية قطع الأشجار إلى عشوائية زراعتها.
فالمشكلة لم تكن يوما في غياب الرغبة في رؤية مصر أكثر خضرة، وإنما في غياب الرؤية التي تجعل الشجرة جزءا فاعلا في المدينة.
وبحكم معايشتي في الخارج لتجارب مختلفة في إدارة ما يمكن أن نسميه «العمران الأخضر»، فإن أكثر ما خطر لي مع الحديث عن «تخضير مصر» ليس عدد الأشجار التي يمكن زراعتها، وإنما تغيير نظرة الدولة إلى الشجرة نفسها.
الشجرة الكبيرة ليست مجرد شجرة صغيرة يمكن زراعتها مكانها. سنوات نموها، وظلها، وقدرتها على خفض الحرارة وامتصاص الملوثات، كلها أشياء لا يمكن تعويضها بزرع شتلة اليوم والانتظار عشرين عاما حتى تصبح شجرة. وتخضير المدينة لا يعني بالضرورة زراعة شجرة جديدة. أحيانا يكون الإنجاز الحقيقي هو أن تنجح في الإبقاء على شجرة قديمة عندما يكون من الأسهل اقتلاعها.
رأيت في دول مختلفة أشجارا قديمة تقف في أماكن تبدو، للوهلة الأولى، غير منطقية بالنسبة إلى مخطط طريق حديث: شجرة في مسار مشروع، أو عند حافة طريق، أو بالقرب من منشأة جديدة. لكن الحل لم يكن دائما أن تختفي الشجرة لكي يستقيم التصميم.
قد تبدو تفصيلة صغيرة، لكنها بالنسبة لي تلخص اختلافا كبيرا في فلسفة التخطيط: هل الطبيعة موجودة داخل المدينة إلى أن يأتي مشروع عمراني فيزيحها، أم أن الشجرة القائمة أصل من أصول المدينة ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار عند تصميم المشروع؟
وهنا تبدأ نقطة مهمة يجب أن نراعيها مستقبلا: استبدال ثقافة القطع بثقافة النقل، خاصة عندما تكون الأشجار بالغة ويتعذر الإبقاء عليها في موقعها الأصلي. يمكن عندها نقل الشجرة علميا بكتلة كبيرة من التربة المحيطة بجذورها، ثم تثبيتها في موقعها الجديد، لتبدأ بعدها مرحلة طويلة من الرعاية.
وأكثر ما لفتني أن بعض هذه العمليات تتم ليلا؛ فدرجات الحرارة أقل، وفقد المياه بالتبخر أقل، وحركة المرور أهدأ، والمعدات الثقيلة تستطيع العمل بأقل قدر من الإزعاج. لكن النقل ليس سوى البداية؛ فهناك مرحلة لا تقل أهمية عنه، وهي التثبيت والري والمتابعة والتغذية والعلاج عند الحاجة.
وهذا يقود إلى فكرة أساسية وهي أن زرع الشجرة ليس نهاية المشروع، وإنما بدايته.
فنجاح أي مبادرة للتخضير لا ينبغي أن يقاس بعدد الأشجار التي دخلت في محاضر الزراعة، وإنما بعدد الأشجار التي بقيت حية بعد سنة وثلاث وخمس سنوات. وبالتالي، كما يحدث في كثير من المدن، يجب أن تخضع الأشجار لتقليم دوري بهدف تنظيم نموها، على ألا يتحول التقليم إلى ذريعة لتشويهها أو القضاء عليها.
لكن الأكثر أهمية، من وجهة نظري، هو تجاوز الشجرة نفسها إلى طريقة النظر إلى المدينة. فلا يجب أن يعني التطور العمراني أن كل قطعة أرض متاحة يجب أن تتحول إلى مبنى أو طريق أو نشاط تجاري.
خلال السنوات الأخيرة، رأيت في العاصمة الصينية بكين، مثلا، كيف يمكن أن تعاد بعض المواقع داخل المدينة إلى الطبيعة، حتى في مناطق ترتفع فيها قيمة الأرض. ومن أكثر الأمثلة التي بقيت في ذاكرتي تحويل أرض مطار نانيوان جنوب المدينة، بعد خروجه من الخدمة، إلى مساحة خضراء واسعة تضم مناطق رطبة وحدائق عامة، بدلا من أن تتحول الأرض إلى كتلة جديدة من المباني. وتبلغ مساحة المشروع نحو 5 آلاف فدان، وهو رقم هائل مقارنة بأي حديقة أخرى.
قيمة الأرض ليست دائما في ما يمكن أن نبنيه فوقها. أحيانا تكون قيمتها فيما نتركه عليها: حديقة، غابة حضرية، منطقة رطبة، ممشى، أو حتى صف من الأشجار القديمة. كلها أصول للمدينة، حتى لو لم تظهر قيمتها في دفتر حسابات بيع الأراضي.
التخضير ليس زراعة أشجار، وإنما إعادة تعريف للأولوية داخل المدينة. المدينة الخضراء ليست التي تحتوي على أكبر عدد من الشتلات، وإنما التي تعرف أين تزرع، وماذا تزرع، وكيف تحافظ عليها، ومتى تنقلها، ومتى تقلمها، والأهم: متى تمنع البناء من الاقتراب منها أصلا.
كما أن التحسن البيئي لا يتوقف عند التشجير وحده. فالقصة أكبر، وتشمل تطوير النقل العام، والتوسع في وسائل النقل والطاقة الأقل تلويثا، ونقل أو إغلاق بعض مصادر التلوث، واستعادة مساحات عمرانية، وإنشاء حدائق وغابات حضرية ومناطق رطبة.
أي أن الشجرة الجديدة يجب أن تكون جزءا من سياسة بيئية وعمرانية متكاملة، وليست حملة منفصلة للتصوير والإعلان.
ولهذا، فإن مبادرة تخضير مصر تستحق، في رأيي، أن تكون أكبر من مجرد رقم كبير. نحتاج أن نعرف كم شجرة زرعنا، نعم، لكننا نحتاج أكثر إلى معرفة كم شجرة قديمة أنقذنا، وكم شجرة نقلنا بدلا من اقتلاعها، وكم شجرة بقيت حية بعد سنوات من زراعتها، وكم مساحة خضراء جديدة أصبحت متاحة للناس.
ونحتاج أيضا إلى أن تصبح لكل شجرة مهمة واضحة في المدينة: ظلا، وممرا للمشاة، وحاجزا للغبار، ومتنفسا، أو جزءا من حديقة أو غابة حضرية.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لمبادرة تخضير مصر هو أن تتحول إلى النسخة الخضراء من العشوائية التي عانينا منها طويلا.. شتلات تزرع بلا تخطيط، ثم تترك بلا ري، وأشجار تختار لأنها متاحة ورخيصة لا لأنها مناسبة للمكان، ومساحات تخضر اليوم ثم تقتلع غدا مع أول مشروع.
التخضير الحقيقي ليس أن نزرع أكثر، وإنما أن نغير نظرتنا ونفكر في الشجرة قبل أن نزرعها، وفي المدينة قبل أن نبنيها.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" النبأ "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : أستاذة بجامعة القاهرة: النقاب محرم في الطواف وقاعة المحاضرات
التالى بالبلدي : مواعيد مباريات اليوم.. قمة إنتر ميلان ونابولى واتحاد جدة أمام النصر

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان