يحظى القاص سعود الجراد باحترامٍ لا حدود له في فضائنا الثقافي المحلّي والعربي، بحكم شخصيته المُثقفة، ورُقيّ أخلاقه. لا يتنكّر لماضيه، وأنه ابن مزارع تعلّق بالاخضرار، وأدرك مُبكّراً أن العناية بالشجرة سبب للنموّ وجودة الثمرة. بدأ النشر قبل ما يقرب من نصف قرن، وافتتن بكتابة القصة التي كان أحد فرسانها، وكان حاضراً ببصمته الخاصة في فضاء المقالة، وفجأة انقطع عن المشهد، ولم يحتفِ بطباعة نتاجه، ولعلّ هناك أسباباً تفسيريةً وتبريريةً لما اتخذه من قرار. وهنا محاولة لاستشفاف ما في الذاكرة والوجدان من شجن ومتاعب، فإلى نصّ الحوار..
• يقال في علم النفس إن حياتنا ترتبط بأعوام الطفولة الأولى، كيف كانت أعوام سعود الجراد في طفولته؟ وهل من رابط أو إشارات تدل على ما سار إليه وما صار عليه؟
•• عشتُ طفولةً ليست مريحة نوعاً ما، بسبب تطليق أبي لأمي. عاش إخوتي الكبار مع أبي في مزرعته، بينما عشتُ مع أمي في حارة العليا في حائل، وأتذكر أنني لم أكن أستطيع الحصول على «ترنك رياضي» في المرحلة الابتدائية، كبقية زملائي.
• بماذا انعكست هذه الظروف على الطفل؟
•• طفولتي التي عشتها مع أمي جعلتني أشعر بأحزانها وأفراحها، وأتلمّس ما يثقل قلبها، وما يبعث الفرح في نفسها. وحفظت ما كانت ترويه من قصائد وحكايات، وحفظت أيضاً تفاصيل معاناتها طفلةً إثر طلاق والديها، في زمن الشح والفقر والعوز.
• لماذا اتجهت لدراسة إدارة الأعمال برغم شغفك باللغة والكتابة الأدبية؟
•• جاءت أمور الدراسة والتخصص هكذا، من دون توجيه من أحد! كان أبي يتمنى أن أعمل معه في مزرعته، لكنني، وأنا في المرحلة الثانوية، حين كان الزملاء يسألونني عن وجهتي الدراسية، كنت أقول: سوف ألتحق بكلية التجارة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى كلية العلوم الإدارية، ثم تخصصت في إدارة الأعمال. وأحمد الله أنني تخصصت في هذا المجال.. فالإدارة مهمة جداً للإنسان، سواء في مصدر رزقه أو في إدارة بيته وحياته، وفي شؤون الحياة الأخرى. وكان أول نص نشرته وأنا أدرس في جامعة الملك سعود، في بدايات الثمانينيات الميلادية. وعمومًا، الأدب لا يُعتمد عليه في العيش إلا ما ندر في بلادنا العربية.
• اعتدنا من المثقفين غالباً الحضور في الفعاليات الثقافية والاجتماعية، يبدو أنك مثقف زاهد في الأضواء، ما تفسيرك لهذا الزهد، خصوصاً أنك غبت لأعوام عن المشهد؟
•• لا أتكلف الزهد، وأتضايق كثيراً من المجاملات. وفي كثير من اللقاءات، لا أجد ما يُضاف إليّ أو ما أضيفه إليها. وما أؤمن به أستطيع أن أكتبه في مقال أو تغريدة على منصة (إكس)، دون حاجة إلى كثير من الكلام والمجاملات.
• ما سبب الغياب أو الانقطاع عقب التزامك أعواماً بالنشر الصحفي قصصياً، وكتابة زاوية (بعض الذي)؟
•• توقفت عن الكتابة بسبب قنوطي من قدرة الكتابة على تغيير الواقع نحو الأفضل، وبسبب وجود عوامل سياسية وثقافية هنا وهناك جعلتني أكتفي بالمتابعة والقراءة!
• منذ «بورتريه للسيد مطيع» لم تُصدر أي مجموعة برغم تصريحك بأن مجموعة (أوراق المريض) جاهزة للطبع، ما سبب هذا التردد؟
•• نعم، لديّ مجموعة قصصية جاهزة، ولكن.. طُلب مني طباعة مجموعتي الثانية، ولم أكن مقتنعاً بالنشر عن طريق الأندية الأدبية، فرفضت ذلك. إذ إن طباعة عدد محدود، لا يتجاوز ألف نسخة، يذهب أغلبه إلى الإهداءات، ولا يخدم الكتاب كثيراً في عملية التوزيع والانتشار.
• هل تتعمّد أن تكون كاتباً مُقِلّاً في إنتاجك؟
•• الكتابة شيء، والنشر شيء آخر. لا، إطلاقاً، لا أتعمد أن أكون مُقِلّاً. صرتُ أحياناً أنشر بعض ما أكتب في منصة (إكس)، وأحياناً أرسله إلى صديق.
• ما مدى استيعاب القصة القصيرة لكل ما يعتمل في نفسك من أفكار ورؤى؟ ولماذا لم تنتقل لكتابة الرواية؟
•• القصة القصيرة والحكاية أجدهما مناسبتين لي، وأعبر من خلالهما عن كل ما أحب. وهي ليست تمريناً لكتابة رواية، فالقصة القصيرة جنس أدبي قائم بذاته، وإن كانت تناسب صاحب النفس القصير!
• لمن تعزو فضل توجّهك إلى القصة القصيرة؟ وهل حمدت له التوجيه؟
•• كان توجهي إلى القصة من دون توجيه من أحد، ولكنني في السكن الجامعي وجدتُ نفسي أكتب محاولة قصصية، وكانت الكتابة بالنسبة إليّ أشبه بالعلاج لما كان يعتمل في داخلي آنذاك من حزن وضيق، وأنا بعيد عن أهلي وأحبابي.
• ماذا عن التقاطع بين المقالة والقصة؟ وهل الانشغال بجنسين أدبيين يستنزف روح الإبداع؟
•• الحالة الشعورية هي التي تفرض شكل الكتابة، ولا أجد نفسي مستنزفاً بالتنقل بين الأشكال الكتابية. أحياناً يستهويني أن أكتب مقالاً في شكل حكاية، وأحياناً أجدني أوظف القصة داخل المقال، أو أمزج بينهما. المهم عندي أن تفرض الفكرة والحالة الشعورية الشكل الذي يناسبها.
• متى تشكّلت نواة الوعي؟ ومن كان وراء تشكّلها؟
•• تشكّل وعيي في المرحلة الجامعية، ومن خلال الاعتماد على الذات، والقراءات الحرة، والأصدقاء، والسفر، ومتابعة كل جديد. وأظن أن هذه التجارب مجتمعة أسهمت في تشكيل رؤيتي للحياة والناس والوطن والعالم، ومنحتني قدراً أكبر من الاستقلالية في التفكير والنظر إلى الأشياء.
• هل كان لرائد القصة جارالله الحميد أثر في كُتّاب القصة الحائليين ومنهم سعود الجراد؟
•• لا شك أن للقاص والشاعر جارالله الحميد بصمة واضحة في كتابة القصة القصيرة الحداثية في المملكة، كونه وظّف الذات في عوالمه القصصية البوهيمية، وامتلك أسلوبه الخاص ذا النفس الشعري. ومع ذلك، لا أرى تأثيراً مباشراً وواضحاً له في كتّاب حائل.
• بماذا تصف دور النقاد؟ وما أثره على تجربتك؟
•• النقاد لم يقدموا شيئاً لتجربتي، ولتجارب كثيرين غيري.. كانوا مشغولين بالجيل الذي سبقنا، ولم أجد منهم اهتماماً حقيقياً بتجربتنا أو محاولة لقراءتها نقدياً.
• ما أثر الفضاء المجاور للمكان في الوعي والفعل الثقافي؟
•• أي فضاء ثقافي مجاور يمكن أن يكون له تأثير إيجابي أو سلبي، بحسب ما يقدمه ويطرحه من إنتاج ثقافي بشكل عام. وأتذكر تجربة دولة الكويت الجميلة في الثمانينيات، وما شهدته من نشاط ثقافي منوّع، وما قدّمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من مبادرات وإصدارات، إلى جانب ما كانت تقدمه مجلة (العربي) و(عالم المعرفة) من محتوى ثقافي ومعرفي وفني ثري.
• بمن أُعجبتَ قرائياً في بواكير الشباب، محلياً وعربياً؟
•• أعجبت وقرأت لمبدعين كثر، منهم: صالح الأشقر، وجارالله الحميد، وعبدالرحمن منيف، ونجيب محفوظ، وإدوار الخراط، وعبدالله الغذامي، وسعيد السريحي، وعبده خال، وعبدالرحمن الدرعان، ومحمد شكري، وغالب هلسا، وغيرهم كثير. ولا أنسى الكاتب العظيم (غابرييل غارسيا ماركيز).
• أي فضاءات سردية استدرجتك إليها وافتتنت بها؟
•• قرأت أغلب أعمال الروائي الكبير عبدالرحمن منيف، وافتتنت بروايته مدن الملح وتلك الأجواء. ويشدني فضاء الإنسان والأرض والبحث عن غد أفضل وعادل في العمل الروائي.
• كيف تقيّم تجربتك في الإدارة الثقافية من خلال جمعية الثقافة والفنون؟
•• عملت قرابة عامين في جمعية الثقافة والفنون، وكانت تجربة بسيطة في مؤسسة ذات إمكانات مالية محدودة. حاولت أن أعمل قدر الإمكان، وحاولت أن أغيّر، لكن البيروقراطية كانت متأصلة فيها آنذاك، فقدّمت استقالتي وأنا مرتاح الضمير!
• ما الذي تبقّى من ذكريات مجلس إدارة أدبي حائل؟
•• تجربتي في النادي الأدبي كانت مختلفة جذرياً. اتصل بي وكيل الوزارة حينها الدكتور عبدالعزيز السبيل ليأخذ موافقتي على ترشيحي عضواً في مجلس إدارة أدبي حائل. قلت له: يا دكتور عبدالعزيز، المؤسسات الثقافية لا يُراد لها أن تعمل. فقال: اخترناك لتعمل! وفعلاً، عملنا في أدبي حائل بحرية، ومن دون تدخل من المركز الرئيس، وأصدرنا كتباً، وأقمنا فعاليات، وأنجزنا أعمالاً أعتقد أن التاريخ الثقافي سينصف بها تلك المرحلة.
• هل وجدت في مواقع التواصل متنفساً ومساحة رحبة تغني عن الكتابة القصصية، أم هي امتداد لهذه الكتابة؟
•• تتيح لي منصة «إكس» نشر ما أكتبه بحرية وسرعة، ولا أجد فيها بديلاً عن الكتابة الإبداعية. فالكاتب إنسان، يرى ما يدور حول وطنه والإقليم والعالم بشكل عام من حروب وعبث، ولا بد أن يكون له موقف. وهذا ما أحاول أن أعبّر عنه وأكتبه وأنشره.
• ماذا عن حياد الكاتب وعزلته؟
•• الكتابة بالنسبة لي ليست حياداً، وليست عزلة صوفية عن الواقع، بل هي أيضاً محاولة لفهمه، والتعبير عن الموقف منه، والسعي، قدر الإمكان، إلى تغييره.
• ما الذي تعمل عليه اليوم؟ وماذا عن تصالح المثقف داخلك مع التحولات الثقافية وتغيّر أدوات ووجوه المرحلة؟
•• لا كرامة لمثقف دون وطن كبير ومستقر، وأنا متصالح مع ذاتي وناسي ووطني، ولله الحمد، ولا يعني هذا أن أتحوّل إلى رجل علاقات عامة أو دعاية. فالمثقف، في دوره، كائن نقدي، وهذا ما أحاول أن أعبّر عنه بين فترة وأخرى، وهناك حكايات أعمل عليها منذ فترة، أنشر بعضها في صفحتي على منصة (إكس) بين حين وآخر.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "

