تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد، مع انتقال واشنطن إلى توسيع نطاق الحرب الاقتصادية ضد طهران، بالتوازي مع استمرار التوتر العسكري والأمني بين البلدين.
وبينما تراهن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على العقوبات وخنق الاقتصاد الإيراني لإجبار القيادة في طهران على تغيير سياساتها، تؤكد إيران أن الضغوط الأمريكية لن تدفعها إلى التراجع عن مواقفها، وتصف العقوبات الجديدة بأنها استهداف مباشر للشعب الإيراني.
وفي أحدث مؤشرات التصعيد، جدد الحرس الثوري الإيراني لهجته الحادة تجاه الولايات المتحدة، مؤكدًا جاهزيته للتعامل مع أي إجراءات عدائية أمريكية، بما في ذلك الحرب الاقتصادية التي لوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين محبي، خلال مؤتمر صحفي عقد في مدينة كرج اليوم الأحد، إن بلاده أعدت خططًا وسيناريوهات للتعامل مع مختلف الإجراءات التي قد تتخذها واشنطن ضد طهران.
وأضاف محبي: «لقد أعلنا مرارًا أن لدينا سيناريو لكل إجراء عدائي يقوم به العدو»، موضحًا أن الحرب الاقتصادية تأتي ضمن الإجراءات التي تستعد إيران لمواجهتها.
وأكد أن الحرس الثوري يمتلك، حسب قوله، خططًا للحد من التداعيات السلبية للعقوبات والضغوط الاقتصادية، مشيرًا إلى قدرة بلاده على توسيع علاقاتها الاقتصادية مع دول أخرى.
وقال: «لدينا سيناريو لدرء الآثار السلبية لحرب العدو، ونقيم بسهولة علاقات اقتصادية مع الدول، ولا يوجد أي قلق في المجال الاقتصادي».
وفي تصعيد لافت في لهجته، اعتبر المتحدث باسم الحرس الثوري أن لجوء واشنطن إلى الحرب الاقتصادية يمثل، من وجهة نظره، اعترافًا ضمنيًا بعدم تحقيق أهدافها عسكريًا.
وقال محبي، وفق ما نقلته وكالة «تسنيم» الإيرانية: «لو كنتم قد انتصرتم في المجال العسكري، لما كان من الضروري أن تبدأوا حربًا اقتصادية».
وشدد المسؤول الإيراني على أن العقوبات والضغوط الاقتصادية ليست جديدة على بلاده، مشيرًا إلى أن إيران واجهت على مدى عقود إجراءات اقتصادية أمريكية متواصلة.
وأضاف: «منذ 47 عامًا وأنتم تشنّون حربًا اقتصادية، وتفرضون عقوبات على كافة أركان اقتصادنا».
وتأتي تصريحات الحرس الثوري في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، وتزايد التهديدات المتبادلة بشأن استخدام أدوات اقتصادية وعسكرية للضغط على الجانب الآخر، فيما تؤكد إيران أنها تمتلك بدائل للتعامل مع العقوبات والحد من تأثيرها على اقتصادها.
و في وقت سابق من اليوم أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الضغوط الاقتصادية والتهديدات الأمريكية ضد بلاده لا تمثل سياسة جديدة، وإنما تكرار لأدوات سبق لواشنطن استخدامها في التعامل مع طهران دون أن تحقق أهدافها.
وقال عراقجي، في تصريحات أدلى بها اليوم الأحد على هامش فعالية محلية، إن إيران لا تخشى الحصار الاقتصادي أو التهديدات الأمريكية، مشددًا على أن الولايات المتحدة لن تجد في النهاية سبيلًا للتعامل مع بلاده سوى الحوار القائم على الاحترام.
وأوضح وزير الخارجية الإيراني أن السياسة الأمريكية الحالية تعيد استخدام الأدوات نفسها التي لجأت إليها واشنطن في السابق، معتبرًا أن ما يحدث يمثل «سيناريو مكررًا»، بعدما انتقلت الولايات المتحدة، وفق قوله، من التهديدات والتحركات العسكرية إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية على طهران.
وأضاف عراقجي أن عودة واشنطن إلى السياسات السابقة تعكس، حسب تعبيره، «حالة من العجز»، معتبرًا أن الولايات المتحدة لم تتمكن من إيجاد حلول جديدة في مواجهة إيران، ولذلك تواصل إعادة طرح الخطط والأدوات ذاتها.
وشدد على أن بلاده لن تستجيب للضغوط، قائلًا: «عليهم أن يعلموا أنه لا سبيل سوى التحدث باحترام مع الشعب الإيراني، والتوصل إلى حل يقوم على العدالة والشرف».
وردًا على سؤال بشأن مدى خشية إيران من الحصار الاقتصادي والتهديدات الأميركية، قال عراقجي إن بلاده «لم تخشَ ذلك أبدًا»، وفقًا لما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا».
وأشار الوزير الإيراني كذلك إلى أن الإجراءات الأمريكية السابقة، سواء الاقتصادية أو العسكرية، لم تحقق الأهداف التي سعت إليها واشنطن، معربًا عن اعتقاده بأن الإجراءات الجديدة ستلقى المصير نفسه.
وتأتي تصريحات عراقجي في ظل استمرار الضغوط الأميركية على إيران، في وقت تؤكد فيه طهران تمسكها بموقفها الرافض للخضوع للضغوط، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام الحوار شريطة أن يقوم، وفق الرؤية الإيرانية، على الاحترام المتبادل والندية.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، قد قال، إن تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران يستهدف الدفع نحو «انهيار» نظام الحكم في طهران، مؤكدًا أن واشنطن تسعى إلى فرض أكبر عملية عزل اقتصادي على إيران.
وقال بيسنت، في تصريحات لشبكة «سي إن بي سي»، إن الحرب الاقتصادية التي توعد بها الرئيس ترامب ستكون ناجحة، مضيفًا: «سندفع هذا النظام إلى الانهيار.. سيكون هذا أعظم عزل اقتصادي منسق في تاريخ العالم».
وفي إطار مساعيها لتوسيع نطاق الضغوط، وجهت الإدارة الأمريكية رسالة حادة إلى حلفائها، مطالبة إياهم بالانضمام إلى جهود عزل إيران اقتصاديًا.
وقال بيسنت إن الرسالة الأمريكية إلى الحلفاء واضحة: «إما أن تكونوا معنا أو ضدنا»، في إشارة إلى رغبة واشنطن في تشكيل جبهة اقتصادية دولية تضيق الخناق على طهران وتمنعها من الحصول على الموارد أو القنوات المالية التي يمكن أن تساعدها على تجاوز العقوبات.
وحول موقف الصين، ألمح الوزير الأمريكي إلى إمكانية ممارسة ضغوط على بكين، قائلًا إن بعض المحادثات يفضل إجراؤها بعيدًا عن العلن، لكنه دعا الصين إلى «التماشي مع الخطة» الأميركية لعزل إيران اقتصاديًا.
وربط بيسنت بين التصعيد الاقتصادي واحتمالات اللجوء إلى عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، معتبرًا أن فرض أقصى درجات الضغط الاقتصادي قد يقلل الحاجة إلى العودة إلى أعمال عسكرية واسعة النطاق.
وقال: «إذا مارسنا أقصى قدر من الضغط الاقتصادي، فهذا يعني على الأرجح أنه لن تكون هناك عودة إلى أعمال عسكرية واسعة النطاق»، لكنه شدد على أن هذا التقييم ينطبق «في الوقت الراهن فقط»، بما يبقي الباب مفتوحًا أمام احتمالات التصعيد العسكري مستقبلًا.
وتحاول واشنطن، في الوقت نفسه، ربط الضغوط الاقتصادية بملف الطاقة وأمن الملاحة في الخليج، خاصة في ظل أهمية مضيق هرمز بالنسبة إلى الأسواق العالمية.
وقال بيسنت إن واشنطن واثقة من أن الجميع يريد إعادة فتح المضيق وعودة أسعار الطاقة إلى الانخفاض، مشيرًا إلى أن الصين تحصل على نحو 50% من احتياجاتها من الطاقة من منطقة الخليج، وبالتالي فإن انضمامها إلى الجهود الأميركية، وفق رؤيته، يصب في مصلحتها.
في المقابل، رفضت إيران التصعيد الأمريكي، ونددت وزارة الخارجية الإيرانية بأحدث العقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضتها واشنطن، معتبرة أنها تستهدف الإيرانيين بصورة مباشرة.
وقالت الوزارة إن الإجراءات الأمريكية ترقى إلى مستوى «الإرهاب الاقتصادي» والجرائم ضد الإنسانية، مؤكدة أن العقوبات لن تؤثر في موقف طهران.
وشددت الخارجية الإيرانية على أن الضغوط الأمريكية «لن توهن عزم طهران على الدفاع عن استقلالها وسيادتها الوطنية ومصالحها».
وتكشف المواقف المتبادلة بين واشنطن وطهران عن انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، لم تعد فيها العقوبات مجرد أداة للضغط على إيران، وإنما أصبحت، وفق الخطاب الأميركي، وسيلة لمحاولة تغيير النظام نفسه.
وفي المقابل، تراهن طهران على قدرتها على الصمود أمام الضغوط، وتعتبر التراجع أمام واشنطن مساسًا باستقلالها وسيادتها.
وبين «العزل الاقتصادي» الأمريكي و«المقاومة الاقتصادية» الإيرانية، تبدو المواجهة بين البلدين مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، خصوصًا مع ارتباط الملف الاقتصادي بأمن الطاقة ومضيق هرمز، بما يجعل تداعيات الصراع تتجاوز حدود الولايات المتحدة وإيران لتطال الاقتصاد العالمي والأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عواقب اقتصادية قاسية ستطال أي دولة تقدم ما وصفه بـ«شريان حياة» لإيران، ملوحًا بفرض «حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق» على الدول التي تسمح لمؤسساتها أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بمساعدة طهران.
وقال ترامب، في رسالة نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم شريان حياة من أي نوع لإيران ستواجه هي نفسها عواقب اقتصادية هائلة».
ولم يحدد الرئيس الأمريكي الدول التي يستهدفها بتحذيراته، كما لم يكشف طبيعة الإجراءات التي تعتزم واشنطن اتخاذها بحق الدول المخالفة، الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالات توسيع نطاق العقوبات الأميركية لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية قد تكون لها علاقات اقتصادية أو سياسية مع طهران.
وتكتسب تهديدات ترامب أهمية خاصة في ظل المساعي الجارية لإنهاء الحرب، بعدما تحولت المواجهة الأميركية-الإيرانية إلى صراع متعدد المستويات، يجمع بين الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية ومحاولات فرض شروط سياسية على طهران، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تهدف إلى الوصول إلى تسوية تنهي الحرب.
من جانبها، رفضت إيران التهديدات الأمريكية، واعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن ما وصفه ترامب بـ«الحرب الاقتصادية» ليس سوى محاولة لصرف الأنظار عن المشكلات الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة.
وقال عراقجي، في منشور عبر منصة «إكس»، إن ما يسمى بـ«يوم النصر الاقتصادي» ليس سوى محاولة للتشتيت عن «أزمة أمريكا نفسها»، مشيرًا إلى ارتفاع مستويات الديون وتكاليف الفائدة.
وأضاف أن «التمسك بسياسات فاشلة لن يجلب سوى المزيد من الهزيمة والعداء من الإيرانيين»، مؤكدًا أن فرض المزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران لن يؤدي، من وجهة نظره، إلى تغيير موقفها.
وكان ترامب قد أعلن في وقت سابق إطلاق ما وصفها بأنها «أقوى عملية اقتصادية ساحقة» ضد إيران، بهدف فرض عزلة اقتصادية عليها، في خطوة تعكس رغبة الإدارة الأميركية في استخدام الاقتصاد كسلاح رئيسي في المرحلة المقبلة من الصراع.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "




