لم يزل الفقر والإهمال يتحكمان في الموقف العام، ولم تزل سهامهما تلتقط أرواح الأطفال الذين يذهبون إلى العمل في المزارع دون غطاء أو حماية، أو حتى وسيلة نقل آدمية. إذ لا تتوقف حوادث الموت الجماعي في رحلات الذهاب أو المجيء إلى العمل غير المؤمَّن وغير المنظم، وغير المشمول بحماية قانونية. فمنذ سنوات ونحن نحاول توجيه الرأي العام إلى قضية عمالة الأطفال، إذ قبل نسخة قانون العمل الحالية كانت هناك حادثة “معدية أبو غالب”، والتي راح ضحيتها العديد من الفتيات، واللاتي لم يكن موتهن شفيعاً لتوجيه الدولة والسلطة التشريعية إلى كيفية مواجهة العمالة الموسمية، أو “عمال اليومية” كما يطلق عليهم. وخلال تلك الفترة حتى فجعنا حادث الإسماعيلية الأخير، لم تمر الأمور بسلام، بل كان هناك العديد من الحوادث المشابهة، التي تكشف غياب أدنى معايير السلامة والأمان لعمال اليومية، سواء في تنظيم عملهم، أو في كيفية نقلهم عبر وسائل نقل مخصصة للأغراض أو الحيوانات، وليست مخصصة للبشر. فهل كان تغيير نصوص قانون العمل بنسخته الأخيرة كافياً لإسباغ حمايته على الأطفال والعمال غير المنظمين، وغير النقابيين، وعمالة المواسم، وعمال الزراعة؟ أم أننا ندشن النصوص دون بحث لسبل تفعيلها في حيز الواقع؟
حيث تبدو القيمة العليا لوجود القانون أو النظم القانونية هي تحقيق العدالة بين المواطنين. ولتحقيق تلك العدالة المنشودة، لا بد أن تراعي النظم القانونية حين وضعها من قبل الهيئة الاجتماعية المنوط بها وضع قواعد القانون، أن تبتغي في ذلك صالح الجماعة، ولا تحيد لتغليب فئة على فئة أخرى. وبمعنى أدق لا بد في واضعي القوانين أن يتمتعوا بصفة الاستقلال وعدم الميل، بمعنى عدم خضوعهم لجهة ما أو لطائفة ما، إذ أن ذلك ما يجعل النظم القانونية قد صُممت لأغراض تحقق صالح الفئة الغالبة، وهو الأمر الذي يبعد بالقواعد القانونية عن أي مسمى للعدل. فإذا كان القانون هو الوسيلة اللازمة لإقرار الأمن والنظام، كما أنه الوسيلة الضرورية لتحقيق التوافق بين الحقوق والمصالح المتضاربة، سواء بين المواطنين وبعضهم البعض أو بين المواطنين والسلطة الحاكمة، وذلك من أجل حماية سلامة الأفراد وممتلكاتهم والحفاظ على استقرار المجتمع ودوامه بشكل آمن. كما يسعى القانون إلى تحقيق العدالة والمساواة بين كافة طوائف المجتمع وكافة أفراده، ذلك بغض النظر عن منزلة المواطنين الاجتماعية أو مكانتهم أو وظيفتهم أو مدى ثرائهم وقوتهم الشخصية، حيث يجب أن تُطبق قواعد القانون على الكافة دون أي تمييز، وهذا ما يضمن تحقيق الاستقرار المجتمعي والانسجام بين أفراد الجماعة. فهل لذلك القول من أي قيمة فعلية حال تكرار حوادث عمالة الأطفال، وذلك فقط بخصوص ما يظهر على سطح الواقع من حوادث، قد لا نعلم منها سوى الحوادث الكبيرة، مثل حادثة “معدية أبو غالب” وما تلاها من حوادث، وصولاً إلى الحادث الأخير. فما بالنا بمئات الحوادث الفردية التي لا يغطيها الإعلام، أو تم إخفاؤها عن عمد من فاعليها، في ظل غياب رقابة قانونية تسمح بمنعها أو حتى تتبع مرتكبها، وإن كان حتى بفرض معاقبة المتهم فيها لم يغير من الواقع شيئاً بخصوص ضياع حقوق الأطفال. وإذا كانت الفاجعة الأخيرة لا يمكن النظر إليها بشكل مستقل أو مفرد، بل يجب الوقوف عندها بكونها مجرد حلقة من حلقات الإهمال وغياب معايير السلامة والأمن وغياب القانون بشكل كلي، فكيف يمكننا قبول النصوص القانونية، التي تحظر نقل الركاب في سيارات مكشوفة “ربع نقل”؟ فهل كانت هناك رقابة مرورية على الطريق لاحظت مرور سيارة تحمل هذا الكم من الشباب والأطفال؟ انتقالاً إلى غياب حماية قانون العمل رغم تعديلاته في ضمان أدنى حماية لهذه الفئة المهمشة، سواء في تطبيق سن العمالة، أو مستوى الأجور، أو توفير وسيلة نقل آمنة، أو حماية لتنظيم كيفية العمل وأوقات الراحة. يبدو أن هناك تغييباً لأي ضمان للفئات الفقيرة أو المهمشة، في ظل توجه مسعور في سياسات مالية لحماية رؤوس المال، وضمان سيطرته على المجتمع، ولا عزاء للمحتاجين، الذين عليهم تقديم أطفالهم قرباناً، حتى يضمنوا مجرد العيش وسط هذا الركام المجتمعي، وهذا الخلل الوظيفي. فإذا ما أمعنا النظر من خلال الحادث الأخير الذي تباشر التحقيق فيه النيابة العامة حالياً، فلا بد من أن ندرك الأسباب التي تدفع الأسر إلى الدفع بأطفالها مبكراً إلى سوق العمل، ويكثر ذلك جداً في المناطق الريفية، وخصوصاً المزارع الكبيرة، والتي يحتاج ملاكها للأطفال الصغار، خصوصاً في مواسم الزرع والحصاد. إذ أن كلفة عمالة الأطفال في الغالب تكون أقل من عمالة الكبار، وأن الأطفال يذهبون إلى سوق العمل مبكراً تحت سيف الحاجة الملحة لقضاء المتطلبات الحياتية، ولمساعدة أسرهم التي تكون في الغالب في أمس الحاجة لأي دخل يساعد على مقومات الحياة في ظل حالة الغلاء المستمر في كل شيء. وأرى أن القطاع الريفي هو أكثر القطاعات استيعاباً لعمالة الأطفال. كما أكدت معظم الدراسات الاجتماعية على أن الفقر هو أهم العوامل المهيمنة والمؤدية لانتشار عمالة الأطفال، إذ أن وجود الأسر الفقيرة يضطرها إلى الدفع بالأطفال في سوق العمالة، كما أن الأزمات الاقتصادية التي تمر بها الدول النامية وازدياد معدل الفقر يجعل من المجتمعات الفقيرة سوقاً خصباً لعمالة رخيصة من الأطفال. إذن يقف الأمر عند حد دور الدولة، ومدى رغبتها في بسط حمايتها على فئة معينة من المجتمع، إذ أنه من المفترض أن تبسط الدولة حمايتها على المجتمع بأسره، وتكون الفئات الأكثر احتياجاً هي محل الاهتمام الرئيسي، بحسب كونها فئات ضعيفة في ظل توحش أصحاب الأعمال. فلا يجب أن تقف الدولة عند حد توزيع بعض التعويضات التي توزعها في أعقاب كل حادثة، حتى ولو استحدثت شكل التعويض، كما هو حاصل في حادثتنا الأخيرة، حيث تناولت وسائل الإعلام، بأن هناك “مائة عمرة” سيتم توزيعها على ذوي وأهالي المتوفين والمصابين في هذه الحادثة، وكأن دور الدولة قد وقف عند حدود “الترضية”. لكن الأهم من ذلك والأجدر بالبحث والتطبيق، هو استحداث منظومة حمائية حقيقية لهذه الفئة من العمالة، والسعي لإيجاد نصوص قانونية أقدر على التطبيق، ذلك بخلاف البحث عن الأسباب الحقيقية المؤدية لتوجه الأطفال إلى سوق عمل غير مأمون، ومحاولة إيجاد سبل لمعالجته. ولن يتأتى ذلك في ظل هذا الغلاء في الأسعار، لكونه يؤدي إلى عدم مقدرة الأسر على القيام بواجباتها تجاه أطفالها، أو توفير احتياجاتهم الأساسية، وهو ما يؤدي إلى الدفع بهم إلى سوق العمل بغض النظر عن السبل الحمائية.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



