belbalady.net (CNN)-- في مدينة بحجم القاهرة، لا يحتاج نور المصري إلى البحث عن القصص؛ يكفي أن ينظر حوله. فالشوارع القديمة، والمباني التي تقاوم الزمن، والنوافذ والشرفات التي شهدت حياة أجيال، تتحوّل أمام عدسته إلى حكايات مصوّرة عن مدينة تتغيّر ملامحها يوماً بعد آخر.
منذ نحو عشرة أعوام، دخل المصوّر المصري هذا العالم من باب الفضول، لكن سرعان ما أصبحت الكاميرا جزءاً من نظرته إلى العالم. وبفضل شغفه بالسينما وعمله في تصميم مواقع التصوير، طوّر لغة بصرية خاصة تقوم على التقاط اللحظات العفوية والتفاصيل التي تحمل في داخلها شيئاً من ذاكرة القاهرة وروحها.

يقول المصري في مقابلة مع موقع CNN بالعربية، إنّ التصوير منحه نوعاً من الحرية لم يجدها بالطريقة ذاتها في مجالات أخرى، لأنه يسمح له بأن يرى الواقع وفق رؤيته الخاصة، وأن يعبّر عما يراه من دون الحاجة إلى الكلمات.
ومع مرور الوقت، تحولت الكاميرا من مجرد أداة إلى لغة شخصية يستطيع من خلالها ترجمة مشاعر وأفكار قد يصعب التعبير عنها بالكلام.

هذه النظرة تظهر بوضوح في اختياراته، فهو شخص شديد الملاحظة لما يحدث حوله، وغالباً ما يصوّر بشكل عفوي وغريزي. قد يلفت انتباهه تكوين معين، أو تفصيل صغير، أو مشهد عابر، فيلتقطه بسرعة، وفي كثير من الأحيان يكتفي بصورة واحدة. ويبحث في هذه اللحظات عن إحساس يمكن أن يصل إلى المشاهد، سواء كان راحة أو هدوءاً أو سكوناً.

ولعل الأماكن التي يختارها المصري تكشف الكثير عن علاقته بالمدينة. فالشوارع والمباني والمنازل بالنسبة إليه تحمل آثار ما حدث فيها على مدى سنوات طويلة، لهذا السبب ينجذب بشكل خاص إلى الأماكن القديمة التي تتمتع بشخصية وهوية وتفاصيل تراكمت مع الزمن.
في نظره، تبدو المباني القديمة أكثر حياة من كثير من نماذج العمارة الحديثة التي قد تتشابه في أشكالها وتفتقر أحياناً إلى هوية خاصة. ويستوقفه تحديدًا ما تخبئه خلف واجهاتها؛ فقد تتحول نافذة أو شرفة أو باب إلى بداية قصة كاملة في مخيلته. وهو يتساءل أمام هذه التفاصيل عن الأشخاص الذين عاشوا خلفها، واللحظات التي شهدتها، والقصص التي مرّت بين جدرانها.

القاهرة القديمة والقاهرة الخديوية والمعادي
ومن بين الأماكن التي يجد فيها المصري هذا النوع من القصص، تأتي القاهرة القديمة، والقاهرة الخديوية، والمعادي. ثلاث مناطق مختلفة تماماً في شخصيتها وأجوائها، لكنها تشترك في قدرتها على تقديم مادة بصرية غنية، تُتيح له التجوّل فيها وتخيّل القصص التي تحملها شوارعها ومبانيها.
وتحضر السينما بقوة في رؤيته لهذه الأماكن. فخبرته في تصميم مواقع التصوير جعلته أكثر وعياً للضوء والمساحة والخطوط والمنظور، وغالباً ما ينظر إلى الشارع أو المبنى كما لو أنه مشهد سينمائي مكتمل العناصر. يبحث عن الزاوية التي يمكن أن تمنح الصورة مزاجاً معيناً، وعن الطريقة التي تتفاعل بها العناصر داخل الإطار لتصنع رواية بصرية من دون كلمات.

لكن التصوير بالنسبة إلى المصري لا يقتصر على الجماليات. ففي مدينة تتغيّر ملامحها بسرعة، أصبحت الكاميرا أيضاً أداة للتوثيق. فهو يتابع التحولات العمرانية التي تطال الشوارع والمباني القديمة، ويرى كيف تختفي بعض المعالم لتحل مكانها مشاريع أكبر قادرة على استيعاب عدد أكبر من السكان وتحقيق عوائد اقتصادية أعلى.
ولهذا يشعر بحاجة أكبر إلى توثيق ما لا يزال موجوداً. ويرى في صوره محاولة للحفاظ على جزء من الذاكرة البصرية للقاهرة، بحيث يمكن لشخص بعد مئة عام، مثلاً، أن يعود إليها ليرى كيف كانت المدينة تبدو وكيف كان الإحساس الذي تحمله. ومن هنا، تصبح الصورة بالنسبة إليه وثيقة تحفظ ملامح مكان قد لا يبقى على حاله.

ومن بين الصور التي كان لها حضور خاص في مسيرته، صورة لشرفة في غاردن سيتي التقطها بالصدفة أثناء عمله في شقة قريبة، وحظيت بتفاعل لافت بعد نشرها.
وبعد نحو عشرة أعوام خلف الكاميرا، تغيّرت عين نور المصري وتطورت لغته البصرية؛ فبعد بدايات اتسمت بالعفوية والتجريب، أصبح اليوم أكثر وعياً بالمشاهد والتفاصيل التي تشبهه وتعكس أسلوبه. ومع ذلك، لا يزال يحنّ إلى تلك المرحلة التي أتاحت له مساحة أوسع للاستكشاف والإبداع بلا قيود.
قد يهمك أيضاً
أما الكاميرا، فلم تعد بالنسبة إليه وسيلة للابتعاد عن الواقع، بل أصبحت طريقة لرؤيته وفهمه من منظور شخصي، واكتشاف الجمال في تفاصيله اليومية. ما بدأ كهروب من الواقع، تحوّل مع الوقت إلى وسيلة للاقتراب منه، وفهمه، وحفظ جزء من ذاكرته.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" trends "




