المعنى الاصطلاحي لـ “التترس”، هو كل ما يحتمي به الخصم من الناس، لصد مقاتلة عدوه، وإكراهه على ترك القتال، حرصًا على سلامة المتترس به، أو المحتمي بهم، أو لإجبار المقاتلين من المسلمين على افتداء أعدائهم. ويعني هذا في التطبيق العملي احتماء العدو وتستره خلال الحرب والمواجهة بالمدنيين من المسلمين أو أهل الذمة أو الأطفال والشيوخ والنساء، واستغلالهم أو اتخاذهم دروعًا بشرية، ليشكلوا ورقة ضغط على جيش المسلمين، لمنعه من التقدم وإحراز النصر، أو إجباره على إعلان الاستسلام.
ويجب النظر إلى “التترس” في ضوء الضوابط والمعايير والتصورات الآتية:
1 ـ ارتبط التترس بسياق زمني معين، وهو وقت الحروب، وعلى هذا جاءت آراء الفقهاء فيه، وبذا يمتنع تطبيقه وقت السلم، أو الإفراط والاستسهال في تحديد من هو “العدو”، ومن هنا يكون التترس “حالة فقهية استثنائية، أوردتها كتب التراث في سياق حديثها عن الحروب والمواجهات المباشرة للعدو، لا في حالات السلم وأوقاته.
2 ـ يجيزه فقهاء حال الضرورة، وفق النظر المقاصدي، الذي يطلب حفظ خمسة هي الدين والنفس والمال والعرض والعقل، وأخذ المآلات في الاعتبار، وعلى قاعدة “دفع المفسدة الكبرى بمفسدة صغرى”، أما في حال انتفاء الضرورة، حتى مع الثوابت والنصوص الجزئية التفصيلية، فيمنعون الأخذ بالتترس، حفظا لدماء المعصومين من القتل.
وقد وضع بعض الفقهاء شروطًا لهذا هي:
ـ أن يترتب على الكف عن رمي الترس هزيمة جيش المسلمين.
ـ حال الالتحام مع العدو حيث لا يمكن توقي الترس.
ـ أن يفضي الكف عنهم إلى الإحاطة بالمسلمين، أو كثرة النكاية بهم.
ـ أن يؤدي الكف عنهم إلى قتل جميع المسلمين، أو أكثر المسلمين.
ـ أن يستبيح العدو أرض المسلمين ويدخل ديارهم، فيوجب هذا جهاد الدفع.
وقد اختلفت المذاهب الفقهية الإسلامية في تقدير “الضرورة”، حتى لو اتفقت على أنها الخطر الشديد الذي يحدق بعموم المسلمين، وقد أجازه عند الضرورة بعض الأئمة من قبيل المصالح المرسلة المرتبطة بمصالح الأمة ومقاصدها العامة.
فالأحناف رأوا أن الضرورة هي مجرد إقامة فرض الجهاد، والمالكية أوجبوا الدفع وسقوط حرمة التترس، إن كانت تركه سيترتب عليه إلحاق هزيمة بالمسلمين، أو استئصال قاعدتهم الجماهيرية، والشافعية اشترطوا أن يتم العمل بالتترس حال وقوع التحام في ميدان المعركة مع المشركين، حتى لا يتمكن هؤلاء من الظفر بجيش المسلمين أو كثرة نكايتهم به، أو إلحاق ضرر بالنساء المسلمات، أو توظيف الأسرى في منع الزحف أو القتال بشجاعة. ويتفق الأحناف مع هذا في “حالة الحرب”، وما تصنعه من ضرورة، حيث ترجيح الضرر العام على الضرر الخاص، أو تغليب أقل المفسدتين، أو دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. أما الإمام الليث بن سعد فقد أقر بعدم جواز التترس.
معنى هذا أن أغلب الفقهاء قد أقروا بتحاشي ضرب “المتترس بهم” ما استطاع المحاربون إلى ذلك سبيلًا، وعلى قدر الطاقة، اللهم إلا حدث الضرب اضطرارًا أو خطأ، وكانت مفسدة الإعراض أكبر من مفسدة الإقدام. لكن إن حدث هذا الاضطرار الحسي، فيجب ألا يصاحبه القصد القلبي، أي ألا تنعقد النية على ضرب المتترس بهم، وبذا وضع بعض الفقهاء التترس في دائرة المحرم والمحظور.
2 ـ اختلف تطبيق “التترس” في الواقع المعاصر، عما كان عليه في الزمن البعيد، إذ صار الآن ينصرف إلى استخدام المدنيين، من المسلمين أو أهل الذمة الموادعين والآخرين المعاهدين، دروعًا بشرية حول المنشآت الحيوية، كمحطات الطاقة والمياه وصوامع الغلال والوحدات العسكرية، وغير ذلك ممن يحدده العدو في وقت الحرب هدفًا عسكريًا، أو رمي العدو بسلاح فتاك، لا يقتصر تدميره على المكان المقصوف أو المضروب أو المقذوف، أو التفجير العشوائي الذي لا يقصد المحاربين، إنما المدنيون في الأسواق أو الشوارع أو أماكن العمل أو التنزه والمدارس ودور العبادة. وفي الحرب الحديثة والمعاصرة، التي تقدمت أنواعها وطرائقها، بات “التترس” أقوى في تحقيق أغراضه.
3 ـ يفرض القانون الدولي المعاصر التزامات قانونية حيال حماية المدنيين، غير المقاتلين، مثل اتفاقية جنيف 1948 والملاحق الخاصة بها، التي تفرض عدم اتخاذ دروع بشرية لدرء عمل عسكري أو تعويقه، أو إيقاع المهاجم في خطأ، وجرَّم الاعتداء على غير العسكريين من الجيوش النظامية أو تنظيمات المقاومة المشروعة. وفي حال ضرب المنشآت المدنية الحيوية وقتل غير المحاربين، خاصة إن كانوا في موضع دروع بشرية، فإن هذا يدخل في باب جرائم الحرب، فإن اتسع يكون من قبيل “الإبادة الجماعية”.
لقد قفز مصطلح التترس من جديد في قلب زماننا المعاصر، وقت عملية إرهابية نفذتها “الجماعة الإسلامية” في مصر، واستشهدت فيها طفلة اسمها “شيماء”، وقبلها كانت الجماعة تحرص على عدم إيذاء المدنيين في نزالها المسلح ضد السلطة السياسية الذي امتد من 1988 إلى 1997، وانتهى بحادث الأقصر الذي قتل فيه عشرات السياح الأجانب.
ثم زاد استدعاء المصطلح من قلب الروايات والآراء القديمة، فوفق تقارير حقوقية استخدم تنظيم داعش بمدينة “الموصل” العراقية وما حولها المدنيين دروعًا بشرية خلال تقدم القوات العراقية، رغم وجود رسالة وجهها أبو محمد المقدسي إلى أبي مصعب الزرقاوي عام 2003 تحت عنوان “مناصرة ومناصحة” قال له فيها:
“حذار من التساهل فيما اعتدنا على التشديد فيه من عصمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولو كانوا عصاةً أو فجارا فإن دماء المعصومين ورطة من الورطات يوم القيامة، وقد درسنا ودرّسنا في أبواب الاعتقاد أن استباحة دماء المسلمين خطرٌ عظيم والخطأ في ترك ألف كافر، أهون من الخطأ في سفك قطرات من دم مسلمٍ واحد.”
أما تنظيم القاعدة، فقد نهى زعيمه أسامة بن لادن عن تنفيذ عمليات في المناطق التي يتواجد بها مسلمون، خاصة في المساجد، حيث رأى أن التوسع بمسألة التترس أودى بحياة كثير من المسلمين؛ ودعا إلى وضع ضوابط لها، حتى لا يقع قتلى من المسلمين إلا للضرورة القصوى، حتى في بلاد المسلمين الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي.
ورأينا كيف قام شاب تونسي يدعى سيف الدين الرزقي التترس بقتل سياح بمدينة حمام سوسة، وهو يصرخ: “فليبتعد جميع التونسيين والمسلمين من أمامي.” ثم أطلق الرصاص فقتل سبعة وثلاثين شخصًا، وأصاب مثلهم بجروح متفاوتة. بعد ذلك بشهور وتحديدًا في نوفمبر 2015 وقع هجوم على فندق راديسون في باماكو عاصمة مالي، راح ضحيته 27 قتيلًا، وقد قام المهاجمون بـتحرير عددٍ من الرهائن لنطقهم الشهادة.
هنا لا يجوز الاستدلال بمفهوم التترس في العمليات الإرهابية التي تقوم بها التنظيمات المسلحة الإٍسلامية في الوقت الراهن، لعدة أسباب، يذكرها د. سعد الرشيدي في دراسته، حول “فقه التترس بأسرى المسلمين وتطبيقه في الواقع المعاصر”، وهي:
أ ـ اختلاف حال الحراس والمارة في هذه العمليات عن حال المتترس بهم، فهؤلاء أسرى لدى العدو، أما من يحرس أو يتصادف وجوده في موقع حادثة فهو آمن، ولا تجوز مباغتته.
ب ـ أن المقصودين بالعمليات الإرهابية، أو العنف المسلح، ليسوا في حالة حرب مع المسلمين، إنما هم معاهدون مسالمون.
ج ـ إن هؤلاء لا تنطبق عليهم حالة الضرورة، التي أقرها الفقهاء، فلا التفجيرات تتم لتفادي استئصال قاعدة الإسلام وجمهور المسلمين، أو أهل القوة منهم.
د ـ إن طبيعة القصد والاستهداف المحدد أو القنص لمن أرادت هذه التنظيمات قتلهم ينتفي معها الضرورة المصاحبة لتبرير التترس عند البعض، إذ إنها عمليات منتقاة، محددة الأشخاص الذين يراد قتلهم، وأماكن وجودهم، على العكس مما يكون في وقت الحروب.
هـ ـ إذا كان الأخذ بالتترس يفرض دفع ضرر أكبر بضرر أصغر، بما يشكل “مصلحة قطعية” فإن هذه العمليات تترتب عليها الكثير من المفاسد، منها الإٍساءة إلى الإسلام نفسه، بإعطاء من يعادونه أو يخالفونه في الاعتقاد أو الفكرة والتعاليم فرصة للقدح به، اتكاء على زعم هذه التنظيمات أنها تمثله، أو يعطي فرصة للتضييق على الأقليات المسلمة في كثير من البلدان، فضلًا عن التأثير الاقتصادي السلبي على بلاد المسلمين.
و ـ قتل المتترس في التفجيرات الحديثة، يكون قصدًا لا تبعًا، لأن إمكانية تفاديه قائمة، ولا يجوز تبرير هذا باللسان كأن يقول منفذ التفجير إنه لم يكن يقصد قتل الأبرياء، لأنه يعلم مسبقًا أنهم سيقتلون بسبب ما يفعله.
ز ـ إن توظيف الجماعات المسلحة للتترس في عملياتها يفتقد إلى السند الشرعي، وفق نصوص قرآنية وأحاديث نبوية، إذ لا يجوز قتل المعصومة دماؤهم، ولا ترويع الآمنين، ولا إتلاف أموال أبرياء، ولا يجب تنزيل أحكام شرعية بشكل مغلوط على واقع معاصر.
ويرى مرصد الأزهر أن الجماعات المتطرفة سعت إلى إحياء “التترس”؛ بغية “إيهام الأتباع والمغرر بهم أنه أداة من أدوات الجهاد في سبيل الله، وتكتيك مشروع لإعمال آلة القتل فيمن تراه تلك التنظيمات أعداء يجب قتلهم.” ويأتي ذلك على سبيل الالتواء في فهم القاعدة الشرعية وتطبيقها، وإخراجها كمسألة فقهية عن سياقها التاريخي والزماني والمكاني، حيث تم تحويلها “من مسألة فقهية استثنائية إلى قاعدة عامة وأسلوب ومنهج.” واستدعائها من قلب التاريخ لتبرير عنف معاصر أو شرعنته.
في الختام، يجب في هذا المقام الإشارة إلى أن جيوش المسلمين لم تتخذ من التترس جزءًا من تكتيكتها العسكرية أثناء القتال، إنما استخدمت وسائل دفاعية مشروعة مثل حفر الخنادق، وإقامة والحصون، وارتداء الدروع، لحماية النفوس أثناء القتال.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



