عندما عاد الجيش مهزوما وجريحا من حرب عام (1948)، اختلفت صورته في عين شعبه بقدر التضحيات، التي بذلها بظروف شبه مستحيلة.
بدت صورته قبل الحرب أقرب إلى “رجال أفراح وتشريفات”، بتعبير “حسن كامل” الابن الأكبر المنخرط بأعمال إجرامية في رواية “بداية ونهاية” لـ”نجيب محفوظ”.
من الناحية التاريخية، أهمية الرواية في توقيتها- حيث نشرت لأول مرة عام (١٩٤٩)- والحرب تضع أوزارها، وكان “محفوظ” قد شرع في كتابتها، قبل أن تدخل القوات المصرية فلسطين.
بحس الروائي العظيم، التقط شخصية الملازم “حسنين”، الشقيق الأصغر في أسرة، فقدت عائلها فجأة، وتدهورت أحوالها إلى حدود الفقر المدقع.
توافرت في شخصيته قوة الدراما، فهو تحت ضغط الحاجة والشعور بالحرمان، حاول أن يجد خلاصه الفردي، لكن عبء عائلته حاصره حتى اضطر في النهاية إلى الانتحار، عندما وجد عالمه كله يتقوض.
دفع شقيقته “نفيسة”، التي تحبه وتوفر احتياجاته بقدر ما تستطيع، للانتحار بعد ضبطها في أعمال منافية للآداب.
لم يكن مستعدا أن يتفهم الظروف القاسية، التي دفعتها لهذا المصير البائس، ولا كان مستعدا أن يضحي من أجل الآخرين.
كان حانقا على أحواله دون استعداد لأي عطاء.
“ـ وما جدوى الحنق؟ لن نغير الدنيا”- سأله شقيقه الأوسط “حسين”.
“يجب أن نتغير.. من حقنا ولا شك، أن ننعم بالسكن النظيف والأكل الصحي والمركز المرموق.. ألم يكلفك هذا التضحية بنفسك؟ إن لنا حقوقا بديهية ولا يجوز أن يضيع شيء منها، فأين نحن من هذا؟ كيف نعيش؟ لماذا تكابد أمنا؟ أين أخونا حسن؟ كيف انقلبت أختنا خياطة؟”.
لم تكن عائلة الملازم “حسنين” تعنيها السياسة من قريب أو بعيد، فقد استغرقتها أزماتها “فلم تترك نصيبا للوطنية”.
في الفيلم السينمائي المأخوذ عن رواية “بداية ونهاية” من إخراج “صلاح أبو سيف” عام (١٩٦٠)، تكاد السياسة أن تكون قد فرغت تماما من مأساة الأسرة المنكوبة، التي تلخص الخلل الفادح في بنية المجتمع المصري، وتؤذن بالنهاية- نهاية العهد كله لا نهايات أبطالها وحدهم.
التقط “محفوظ” من حركة الحوادث وتداعياتها مادته، التي جسدها في بشر من لحم ودم ودموع ونبوءات.
“ثم جدت أحداث فتكونت الجبهة الوطنية، وشُرِع في المفاوضات، وانتهت المفاوضات إلى الاتفاق، وسرى في البلد ارتياح..”.
كانت تلك مقدمات دخول “حسنين” الكلية الحربية.
لم يكن ممكنا من قبل لمن هم في وضعه الاجتماعي، أن يخطر ببالهم دخولها.
رغم كل الانتقادات التي وجهت لاتفاقية (١٩٣٦)، التي وقعها زعيم “الوفد” “مصطفى النحاس”، وألغاها بنفسه عام (١٩٥١)، إلا أنها سمحت لأولاد المصريين من الطبقة الوسطى الالتحاق بالكلية الحربية.
قال “حسنين” لوالدته:
“لقد عشت يا أماه نصف قرن في ظل الاحتلال، فندع الله أن يمد لنا في عمرك نصف قرن آخر في كنف الاستقلال”.
“احتلال، استقلال، لا أدري أي فرق بينهما، خير لنا أن ندعو الله، أن يكشف لنا الغُمة، وأن يُبدلنا من عسرنا يسرا”.
“لو لم يكن الاحتلال لما تركت أسرتنا بعد موت أبي بلا معين”.
كانت مثل تلك المساجلات شائعة في أربعينيات القرن الماضي، لكن الرواية أضفت عليها دراما الحياة وفلسفتها.
طلب “حسنين” واسطة “أحمد بك يسري”، الصديق الموسر للأب الراحل، للالتحاق بالكلية الحربية.
“يبدو لي يا سعادة البيك، أنه توجد فرصة ذهبية هذا العام لم يوجد مثلها في السنين الماضية، لما تعتزمه الحكومة من زيادة عدد الجيش”.
كادت أوضاعه المادية المزرية أن تحول تماما دون ذلك الالتحاق، لولا مساعدة شقيقه “حسن” في دفع أول دفعة من المصروفات المطلوبة، فهو لم يفتقد رغم سجله الإجرامي عطفه على عائلته، التي تركها خلفه تعاني العوز المفرط في “حارة نصر الله”.
“عشرون جنيها؟ إن جيشنا كله لا يساوي هذا المبلغ! هل تنوي الالتحاق بمدرسة اللواءات؟”
تلك النظرة السلبية لها جذور في التاريخين القديم والحديث معا.
قديما كاد يمتنع على الفلاحين المصريين الالتحاق بخدمة الجيش.
وحديثا لم يتم دمجهم مرة واحدة، وتعرضوا للتهميش والتمييز.
كانت تلك الأوضاع على رأس الأسباب الجوهرية للثورة “العرابية”، أولى ثورات العصر الحديث، التي يُطلق عليها في بعض الأدبيات ثورة “الفلاحين”.
عندما شرع “محمد علي” في تأسيس الدولة الحديثة عام (١٨٠٥)، استند على ركيزتين أساسيتين.
أولاهما، بناء جيش قوي، يستطيع أن يُلبي طموحه في تثبيت حكمه، والتطلع إلى خارج الحدود منازعا الخلافة العثمانية وربما وراثتها.
وثانيتهما، إرسال بعثات تعليمية تتلقى العلوم الحديثة من الجامعات الأوروبية، حتى يمكن التطلع إلى تحسين جوهري في أداء المهام العامة.
لم تحظ الركيزة الأولى- في وقتها وظروفهاـ بأية شعبية بالنظر إلى أعمال السخرة، التي رافقت تجنيد أولاد الفلاحين، حيث أرسلوا في بعض الأحوال إلى مناطق بعيدة كالمكسيك دون أمل في عودة.
بفضل الثورة العرابية، أخذت الجندية معنى مختلفا، وطنيا ومقاوما، بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت.
عندما انكسر “عرابي”، واحتُلت مصر، لم يكن ممكنا لعقود طويلة الحديث عن أية قوة عسكرية مصرية.
في كل الثورات والانتفاضات الحديثة تصدر الجيش مشاهدها بصورة، أو أخرى باستثناء ثورة (١٩١٩)، لأن مصر كانت تحكم بحراب الاحتلال البريطاني.
كانت اتفاقية (١٩٣٦) نقطة تحول في الحياة العامة اكتسبت زخمها في ميادين القتال بفلسطين لا بمنطق نصوصها.
“هل حقا ما يُقال عن احتمال سقوط الوزارة؟”.
وكان رد الملازم “حسنين”: “غير مسموح للضابط بالاشتغال بالسياسة”.. و”لا شأن للجيش مع المظاهرات”.
لم يكن الشأن السياسي العام من شواغل الملازم “حسنين”، وهو نفسه غير مستعد للتضحية من أجل أية قضية.
غير أن المؤلف الملهم أجرى على لسانه عبارة حكمت المستقبل البعيد في يناير (٢٠١١):
“إذا قامت ثورة، فلا بد من تدخل الجيش”.
لم يكن الملازم “حسنين” شريرا بالفطرة ولا بطلا بالتصرف، هو ابن ظروفه وضحيتها.
كانت الحرب زلزالا، أعاد الجيش وسط حممه اكتشاف هويته الوطنية وعقيدته القتالية.
تحت وهج النيران في فلسطين، وُلد جيل جديد من الضباط الوطنيين وتوارت إلى حد كبير صورة الملازم “حسنين”.
كانت تلك آخر رواية كتبها أديب العربية الأكبر قبل ثورة “يوليو”، وبدت بأبطالها وحوادثها أقرب إلى نبوءة، تستمد من عنوانها: “بداية ونهاية”.
قُرب نكسة “يونيو” (١٩٦٧) رصدت روايته “ثرثرة فوق النيل” مكامن الخلل في تجربة ثورة يوليو، التي تنبأ بوقوعها قبل نحو عقدين.
“ما معنى هذه الرحلة؟”.
ـ”المهم الرحلة لا المعنى!”.
السؤال القلق، الذي جرى على لسان “أنيس زكي”، الذاهل ليلا ونهارا بأثر المخدرات، والجواب بعبث من سائق السيارة المسرعة على الطريق، قبل أن ترتطم بمجهول وترديه صريعا بغير ذنب، هما صلب الثرثرة فوق النيل، بما حملته من إشارات تنبئ وتحذر.
سؤال الرحلة بالنسبة لنظام حكم رهانه الرئيسي على مشروعه وجماهيريته لافت بذاته.
معانٍ نقدية مقاربة تضمنتها رواية “ميرامار”، التي نُشرت في عام الهزيمة (1967).
المثير أن الروايتين درستا في “منظمة الشباب الاشتراكي”، وجرت حوارات معمقة حولهما في سنوات ما بعد النكسة.
رغم ما هو معروف عن أديب العربية الأكبر من انتقادات وتحفظات على تجربة “يوليو”، فإنه لم يكن معاديا لها.
قرب نهاية حياته الطويلة، كتب حلما من ضمن “أحلام فترة النقاهة”ـ آخر أعماله الروائية.
كانت الأحلام تخطر له في منامه، يحفظها ويمليها، وهو لا يكاد يستطيع أن يحرك يده، أو يرى جيدا ما حوله:
“وجدتني مع الرئيس جمال عبد الناصر في حديقة صغيرة وهو يقول:
لعلك تتساءل لماذا قلت مقابلاتنا، فأجبته بالإيجاب.
فقال: كلما شاورتك في أمر جاءت مشورتك بالاختلاف كليا وجزئيا، فخفت أن تتأثر صداقتي لك بهذا الموقف. فقلت: أما أنا فلن تتأثر صداقتي لك مهما اختلفنا”.
لم يكن “نجيب” صديقا لـ”عبد الناصر”، غير أنه في لحظة مكاشفة أخيرة، اعتبره صديقا لا يؤثر على محبته اختلاف رأي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

