تحليل بقلم ستيفن كولينسون من شبكة CNN.
(CNN)-- ما لم يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مخرجًا من المأزق الذي وضع نفسه فيه بشأن إيران، فقد ينظر التاريخ إلى قراره بشن الحرب باعتباره خطأً فادحًا قد يحدد ملامح رئاسته.
لكنه تجنّب حتى الآن خطأً جسيمًا آخر، يتمثل في تصعيد الصراع إلى مستوى يتجاوز قدرته على السيطرة عليه.
ويُظهر التاريخ أن الرؤساء الذين عمدوا إلى تصعيد الحروب بحثًا عن مخرج، أو حفاظًا على هيبتهم الشخصية أو سمعة الولايات المتحدة، انحدروا إلى مسار بالغ الخطورة. ففي فيتنام والعراق وأفغانستان، اتخذوا تلك القرارات، غالبًا على مضض، في حروب لم يعد بالإمكان كسبها.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يجد فيها ترامب نفسه عند مفترق طرق ثلاثي في حرب بات يحركها الآن رفضُ إيران الاستسلام أو الدخول في مفاوضات جادة.
فإذا استمرت الدبلوماسية في الفشل، فهل سيكون مستعدًا لمواصلة الحملة إلى أجل غير مسمى، وهي الحملة التي اقتصرت حتى الآن على ضربات جوية غير حاسمة، وهدن هشة، وحصار بحري أمريكي وإيراني متبادل، يواصل الاشتعال دون أن ينهي الحرب؟
أم أنه سيكثف الهجوم الأمريكي عبر رفع القيود التي فرضها على نفسه، ليتجاوز استهداف الأهداف العسكرية في المقام الأول إلى استهداف البنية التحتية والأصول المدنية الإيرانية، متجاوزًا الخط الأحمر باللجوء إلى قوات برية في عمليات محدودة؟
أما الخيار الثالث، فهو الأكثر إيلامًا، ويتمثل في الإقرار بأن مصلحة ترامب والولايات المتحدة تقتضي تقليص الخسائر والانسحاب من الصراع، رغم بقاء أهدافه الرئيسية دون تحقيق.
كل خيار من هذه الخيارات يحمل تبعات سياسية واستراتيجية غير مرغوبة، وهو ما يفسر استمرار ترامب في حرب لا يستطيع تحمل كلفة الانتصار فيها، ولا كلفة الهزيمة أيضًا. ويعكس حجم المأزق الأمريكي أن وزارة الدفاع (البنتاغون) طلبت من مجموعة من المحللين العسكريين تقديم أفكار جديدة لمعاقبة إيران، وفقًا لتقرير حصري لشبكة CNN.
ترامب يلوّح بـ"قطع الرأس"
بدا إحباط ترامب واضحًا في منشور على منصة "تروث سوشيال"، الاثنين، بعدما رفضت إيران أحدث مبادراته. فقد علّق الضربات المدمرة التي كان قد توعد بها خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد أن كرر، للمرة التي لا تُحصى، أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكًا.
قد يهمك أيضاً
وكتب ترامب: "القيادة الإيرانية مخادعة بصورة لا تُصدق!"، في ترديد ساخر لاتهامات الجمهورية الإسلامية له بانتهاج دبلوماسية قائمة على الإكراه. وبحلول فترة ما بعد الظهر، عاد ترامب إلى التهديدات، وقال في المكتب البيضاوي: "هذه هي فرصتهم الأخيرة لتوقيع وثيقة جيدة".
غير أن تحذيره من أن إيران ستواجه "قطع الرأس" أثار سؤالًا آخر: ماذا سيفعل إذا تجاهلته مجددًا؟
إن أي تصعيد كبير من جانب ترامب سيكون مقامرة، إذ لا توجد مؤشرات على أن قصف إيران سيجبرها على العودة إلى طاولة المفاوضات.
ومن المرجح أن ترد إيران على استهداف جسورها ومحطات الكهرباء وغيرها من البنى التحتية، بضرب أهداف مماثلة داخل أراضي الحلفاء الخليجيين للولايات المتحدة، بما يفاقم الكلفة الاقتصادية للحرب. ويبدو أن قادة المنطقة طرحوا هذا السيناريو تحديدًا أمام ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع. وقال: "كنا مستعدين للتحرك، ثم اتصلوا بنا. واتصلت السعودية أيضًا، والإمارات، وقطر".
ومن الناحية النظرية، يمكن لترامب استخدام البحرية الأمريكية لفتح مضيق هرمز بالقوة، لكن ذلك سيعرض السفن الأمريكية لصواريخ وطائرات مسيّرة. كما أن تنفيذ عمليات برية ضد جزيرة خرج، التي تُعد مركزًا رئيسيًا لتصدير النفط، أو لدفع القوات الإيرانية بعيدًا عن المضيق، قد يكون مكلفًا من حيث الخسائر البشرية.
وتُظهر تجارب العقود الستة الماضية أن كلفة الحرب تتضاعف بصورة هائلة عندما تتحول من حرب جوية إلى حرب برية. فعندها تتغير نظرة الأمريكيين إلى الصراع، وترتفع الكلفة السياسية مع ازدياد عدد القتلى، وهو أمر لا يستطيع ترامب تحمله قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي. كما أن سقوط الجنود أثناء البحث عن استراتيجية للخروج قد يؤدي، على نحو متناقض، إلى إطالة أمد الحرب، لأن تلك التضحيات لا يمكن أن تبدو وكأنها ذهبت سدى.
وقد واجه كثير من الرؤساء الأمريكيين السابقين منعطفات مماثلة لما يواجهه ترامب اليوم. ورغم اختلاف بدايات حروب فيتنام والعراق وأفغانستان والحرب مع إيران، فإنها جميعًا انتهت إلى المعادلة نفسها: "القبول بالوضع السيئ القائم، أو التصعيد، أو الانسحاب".
ولا يرغب أي رئيس في أن يُذكر في التاريخ باعتباره خسر حربًا.
كيف انزلق جونسون وبوش إلى مسار التصعيد؟
في عام 1965، كان الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون يصارع قرار توسيع الحرب في فيتنام التي ورثها عن الرئيس الراحل جون كينيدي. وقال لوزير دفاعه روبرت ماكنامارا: "لقد بدأنا بالفعل قصف هؤلاء، وقد تجاوزنا تلك العتبة". وفي تعليق يحمل بعض أوجه الشبه مع المعضلة التي يواجهها ترامب اليوم، أضاف: "لا أعتقد أن هناك شيئًا سيكون أسوأ من الهزيمة، لكنني لا أرى أي سبيل إلى الانتصار".
قد يهمك أيضاً
ومع ذلك، أمر جونسون بإطلاق عملية "الرعد المتدحرج"، وصعّد حملة القصف ضد فيتنام الشمالية، وأرسل عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين إلى أتون الحرب. وكان يجدر به أن يصغي إلى وكيل وزارة الخارجية جورج بول، الذي كتب في مذكرة غير مؤرخة أن الولايات المتحدة، بمجرد أن تتكبد خسائر بشرية، ستعلق في "عملية يصعب التراجع عنها"، وستتعرض لـ"إذلال وطني" إذا توقفت قبل تحقيق أهدافها.
ورأى بول، الذي تنبأ بالمستنقع الذي ينتظر الولايات المتحدة، أن استمرار الحرب سيُلحق ضررًا أكبر بقيادتها العالمية، مقارنة باتباع "مسار مرسوم بعناية نحو حل وسط".
وقد أنهت الحرب آمال جونسون في الفوز بولاية رئاسية ثانية، ثم ورث ريتشارد نيكسون حرب فيتنام بعد فوزه في انتخابات عام 1968. ويرى كثير من المؤرخين أن نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر كانا قد توصلا بالفعل إلى استنتاج مفاده أن النصر مستحيل، لكنهما واصلا القتال أملًا في تهيئة ظروف تسمح بانسحاب منظم، في محاولة عقيمة لدعم فيتنام الجنوبية المناهضة للشيوعية، وتجنب ترسيخ الانطباع بأن الولايات المتحدة مُنيت بالهزيمة.
وقال نيكسون في خطاب إلى الأمة في 30 أبريل/نيسان 1970، مبررًا قراره توسيع الحرب لتشمل كمبوديا: "إذا تصرفت أقوى دولة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، عند اللحظة الحاسمة، كعملاق بائس وعاجز، فإن قوى الشمولية والفوضى ستهدد الدول الحرة ومؤسساتها الحرة في أنحاء العالم".
وخلال رئاسة نيكسون، قُتل أكثر من 20 ألف جندي أمريكي في فيتنام. وغادرت آخر القوات القتالية الأمريكية البلاد عام 1973، فيما أُجلِي آخر الأمريكيين أثناء سقوط سايغون عام 1975 في عهد الرئيس جيرالد فورد.
وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، ألقى الرئيس جورج دبليو بوش خطابًا آخر في زمن الحرب، أقر فيه بوقوع أخطاء، لكنه حذر عام 2007 من أن "الفشل في العراق سيكون كارثة بالنسبة للولايات المتحدة". وأعلن حينها إرسال آلاف الجنود الإضافيين لدعم القوات العراقية في مواجهة المتمردين.
ولم يحسم التاريخ بعد تقييمه النهائي لتلك الاستراتيجية. فقد نجحت عمليات مكافحة التمرد في بعض المناطق، لكن مسألة ما إذا كانت الخسائر الأمريكية كانت مبررة تبقى مؤلمة، خاصة أن الولايات المتحدة انسحبت في نهاية المطاف بشكل كامل.
أما الرئيس باراك أوباما، فقد انتُخب على وعد بإنهاء الحروب الأمريكية التي لا تنتهي. لكن بعد ثمانية أعوام من هجمات 11 سبتمبر/أيلول التي قادت الولايات المتحدة إلى أفغانستان، أعلن هو الآخر إرسال تعزيزات عسكرية لمحاولة وقف تقدم حركة طالبان والقضاء نهائيًا على تنظيم القاعدة. وإدراكًا منه لفخ التصعيد الذي وقع فيه جونسون ونيكسون وبوش، تعهد ببدء سحب القوات اعتبارًا من منتصف عام 2011. لكن منتقديه رأوا أن تحديد جدول زمني للانسحاب شجع خصوم الولايات المتحدة على انتظار رحيلها.
ترامب وصل إلى السلطة وهو يندد بالحروب التي قد يجد نفسه الآن يخوضها
شكّلت المستنقعات العسكرية الأمريكية الحديثة الأساس الذي استند إليه ترامب في انتقاداته اللاذعة، والتي ساعدته على الفوز بالرئاسة عام 2016. وقبل أربعة أيام من انتخابه رئيسًا، هاجم ما وصفه بـ"الحروب التي لا تنتهي، والحروب التي لا ننتصر فيها أبدًا".
قد يهمك أيضاً
لكن خلال ولايته الأولى، أمر ترامب أيضًا بزيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان في محاولة لإنهاء الحرب. وقال حينها: "كانت غريزتي الأولى هي الانسحاب، وأنا بطبيعتي أميل إلى اتباع غريزتي". وبعد أقل من ثلاثة أعوام، ألقى باللوم على أول وزير دفاع في إدارته، جيمس ماتيس، قائلًا: "منحته مزيدًا من القوات لفترة قصيرة، لكن ذلك لم ينجح".
واليوم، يواجه ترامب مجددًا واحدًا من أصعب القرارات التي عبّر عنها بنفسه في خطابه بشأن أفغانستان عام 2017، عندما قال: "طوال حياتي كنت أسمع أن القرارات تختلف كثيرًا عندما تجلس خلف المكتب في المكتب البيضاوي".
إن الحرب مع إيران ليست حرب جورج دبليو بوش، بل هي حرب ترامب نفسه؛ وهي الحرب التي ستحدد إرثه السياسي، كما ستؤثر في مصير كثيرين خارج أسوار البيت الأبيض.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" cnnarabic "


















0 تعليق