belbalady.net (CNN) -- في وقت تتّجه فيه صناعة الأزياء إلى البحث عن الإلهام في مختلف أنحاء العالم، اختار المصمم المصري مازن زكي بدء رحلته من الداخل، مؤمنًا بأنّ الهوية المحلية تمتلك من الثراء ما يكفي لتكون مصدرًا للإبداع المعاصر.
ومن خلال دار "جذور"، يُعيد زكي قراءة عناصر من الزي المصري التقليدي، من الجلابية والصديري إلى الحرف والقطع اليومية المتوارثة، كي يمنحها حضورًا جديدًا في عالم الموضة المعاصرة، وحتى يطرح رؤية ثقافية تسعى إلى إعادة اكتشاف الهوية المصرية، ومواجهة الصور النمطية المرتبطة بها، وتحويل الملابس إلى وسيلة لسرد القصص حول المجتمع والإنسان والانتماء.

أدرك زكي القوة الحقيقية للموضة عندما شرع في دراسة تاريخ الأزياء، حيث اكتشف أنها لم تكن يومًا مجرد صناعة للملابس، بل لغة قادرة على تغيير السرديات، وفتح مساحات جديدة للنقاش حول القضايا الاجتماعية والثقافية، مستشهدًا بمصممات عالميات مثل كوكو شانيل وفيفيان ويستوود، اللتين تجاوزتا حدود التصميم التقليدي، واستخدمتا الموضة كوسيلة للتعبير، وتحدي الأفكار السائدة، وإعادة النظر في الطريقة التي يرى بها الناس العالم من حولهم.
وهذا تحديدًا ما يحاول تحقيقه من خلال "جذور". وقال في مقابلة مع CNN بالعربية:
"تروي الدار قصصًا عن مصر، ليس فقط قصة مصر القديمة، إنما أيضًا حكايات المصريين الذين نراهم كل يوم؛ الأشخاص الذين يعملون ويبدعون ويزرعون ويصطادون ويبنون هذا البلد. وهذه وسيلة جادة لمواجهة بعض الأفكار الراسخة، ومنها الطبقية".

"عقدة الخواجة"
وفي حديثه عن العلاقة بين الموضة المصرية والموضة العالمية، أكّد زكي أنه لا يؤمن بأن الاحتفاء بالثقافة المصرية يجب أن يأتي على حساب تقدير الثقافات الأخرى، لأن الموضة كانت دائمًا حوارًا متبادلًا بين مختلف أنحاء العالم.
لكنه يرى في المقابل أن المصريين وقعوا طويلًا تحت تأثير ما يُعرف بـ"عقدة الخواجة"، أو حالة الانبهار بالغرب، إلى جانب أنهم اعتادوا على جمال ثقافتهم الخاصة إلى درجة أنهم باتوا يتعاملون معها كأمر بديهي لا يحتاج إلى اكتشاف.
وأشار إلى أنّ مصر تضم 27 محافظة، لكل واحدة منها تقاليدها الخاصة، وملابسها، وحرفها اليدوية، وهويتها البصرية المميزة، مضيفًا: "لو نظر المصريون إلى ثقافتهم بالفضول عينه الذي ينظرون به عادة إلى ثقافات الآخرين، لاكتشفوا حجم الإلهام الموجود بالفعل داخل بلدهم".

وتنعكس هذه الفلسفة في طريقة تعامل الدار مع الأزياء التقليدية المصرية، مثل الجلابية والصديري، إذ أوضح زكي أن معظم الملابس في العالم تطورت مع مرور الزمن، بينما بقيت العديد من الأزياء التقليدية المصرية على صورتها الأصلية.
لذلك، يتمثل هدف "جذور" في منح هذه القطع حياة جديدة، إذ يبدأ فريق العمل بدراسة تاريخ كل قطعة، وطريقة بنائها، ودلالاتها الثقافية، قبل إعادة تقديمها برؤية معاصرة، مع متابعة تطورات الموضة الحديثة، وفي الوقت عينه احترام الهوية الأصلية والخطوط الأساسية لكل تصميم.
فالهدف، بحسب زكي، ليس تغيير هذه الملابس أو استبدالها، بل تطويرها حتى تتمكن من الاستمرار والحضور في عالم اليوم، من دون أن تفقد جوهرها أو ارتباطها بتاريخها الثقافي.

حقائب الاسكندرية تتحوّل إلى قطع موضة عصريّة
ويظهر هذا النهج بوضوح أيضًا في تصميم حقيبة "القفة"، التي استُلهمت من أحد أكثر العناصر حضورًا في الحياة اليومية المصرية ، سواء استُخدمت لجمع المحاصيل أو لحمل المشتريات، وهي قطعة بسيطة نشأت أجيال كاملة وهي تراها وتستخدمها.
وحاولت الدار الاحتفاء بهذا العنصر المألوف عبر الحفاظ على تقنية نسجه، ثم تحويله إلى حقيبة عصرية من خلال إعادة تنفيذه باستخدام الجلد وتعديل أبعاده ليصبح إكسسوارًا معاصرًا.
كما قدمت الدار حقيبة أخرى مستوحاة من أكياس التسوق البلاستيكية التي تُشاهد بكثرة في مدينة الإسكندرية والأسواق المحلية.
قد يهمك أيضاً
وبمناسبة الذكرى السنوية الأولى لتأسيس الدار، اختار زكي التعاون مع علامات تجارية من قطاعات مختلفة، في محاولة لإثبات أن الثقافة المصرية قادرة على إلهام مجالات تتجاوز الموضة وحدها.
فتعاون مع المصممة سارة وجدي لتقديم تصاميم أحذية مستوحاة من الجرجار ضمن مجموعة أسوان، كما صمم قطع أثاث مستلهمة من عناصر يومية مصرية، مثل البلاص، وهو وعاء تقليدي لحفظ المياه، وكرسي المقهى المصري التقليدي.

أما مجموعته المقبلة "كفر الشيخ"، التي استوحاها من والدته المتحدرة من المحافظة، فهي بمثابة تحية للنساء اللواتي غالبًا ما تمر قوتهن بصمت، من دون أن تحظى بالتقدير الذي تستحقه.
وتنعكس هذه الرؤية أيضًا في الحملات البصرية للدار، التي تُلتقط صورها في القرى والمزارع والمناظر الطبيعية الريفية بدلًا من الاستوديوهات المصقولة، فعندما تُصوَّر المجموعات في الأماكن التي تنتمي إليها هذه القصص بصورة طبيعية، تصبح الثقافة نفسها جزءًا أساسيًا من السرد.
قد يهمك أيضاً
وفي ختام حديثه عن مستقبل الموضة، وجد زكي أن هذا المجال يصبح أكثر ثراءً عندما تسهم كل ثقافة بوجهة نظرها الخاصة. أما إذا سعى الجميع إلى تبني الجمالية العالمية نفسها، فإن الثقافات ستتوقف عن التطور، وستبدأ في الاختفاء.
وأضاف: "اليوم، أصبحنا نستهلك الثقافة أكثر مما نصنعها"، مؤكدًا أن الطريقة الوحيدة لبقاء أي ثقافة هي الاحتفاء بها، وطرح الأسئلة حولها، وإعادة تفسيرها باستمرار مع كل جيل جديد.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" trends "











0 تعليق