تابع قناة عكاظ على الواتساب
الحقيقة لا تتغير لأنها أغضبتنا، ولا تصبح أقوى لأنها وافقتنا، ولا تضعف لأنها جاءت على لسان من نختلف معه، هذه بديهيات، لكنها لا تبقى بديهيةً دائماً.
ففي لحظةٍ ما، ومن حيث لا يشعر الإنسان، تنقلب العلاقة بين الحقيقة والرأي، فيصبح الرأي هو المعيار، وتصبح الحقيقة مطالبةً بأن تثبت توافقها معه، لا العكس، ومن هنا يبدأ واحدٌ من أخطر التحولات الفكرية.
الرأي، في طبيعته، اجتهاد، وقيمة الاجتهاد لا تأتي من صاحبه، بل من مقدار اقترابه من الحقيقة، ولهذا ظل الإنسان، عبر تاريخه، يغيّر آراءه كلما اتسعت معرفته؛ لأن الفكرة كانت وسيلة، لا غاية، ولأن الحقيقة كانت أكبر من أن يحتكرها رأي واحد.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتغير موقع الرأي، حين لا يعود وسيلةً إلى الحقيقة، بل يتحول إلى هوية، وعندها لا يعود نقد الرأي مراجعة لفكرة، بل يُستقبل كما لو كان حكماً على صاحبه، ولا يعود الاعتراف بالخطأ تصحيحاً للمعرفة، بل يُفهم على أنه تنازل عن المكانة، وشيئاً فشيئاً يفقد العقل حريته، لا لأنه توقف عن التفكير، بل لأن التفكير نفسه أصبح يعمل في اتجاه واحد، هو الدفاع عما استقر عليه، لا اختبار صحته.
لهذا لا تنتهي كثير من النقاشات، مهما كثرت فيها الأدلة، فالمشكلة ليست دائماً في نقص البرهان، بل في أن وظيفة البرهان تغيرت، فلم يعد يُستخدم لاكتشاف الحقيقة، بل لتأكيد القناعة السابقة، ولم يعد السؤال «أين الدليل؟»، بل أصبح السؤال «أين الدليل الذي يؤيدني؟».
وهنا يختل المعيار.. فبدلاً من أن تُوزن الآراء بالحقيقة، تُوزن الحقيقة بالآراء، وبدلاً من أن يمنح الدليل الرأي قيمته، يصبح الرأي هو الذي يمنح الدليل قيمته، فإذا وافقه قُبل، وإذا خالفه رُفض، قبل أن يُقرأ، وقبل أن يُناقش.
ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود الأفراد، بل يمتد إلى المجتمع كله؛ لأن الحوار يفقد وظيفته، ويصبح الاصطفاف بديلاً عن التفكير، وتتحول المراجعة إلى ضعف، والنقد إلى خصومة، ويختلط احترام الإنسان بتحصين رأيه، حتى يغدو تغيير الموقف أصعب من اكتشاف الحقيقة نفسها، وعندها لا يخسر المختلفون وحدهم، بل يخسر المجتمع المعيار الذي يميز بين قوة الحجة، وقوة صاحبها.
ولا يبقى هذا التحول محصوراً في الأفراد والمجتمعات، بل يمتد إلى المؤسسات أيضاً؛ لأن المؤسسة التي لا تراجع أفكارها، لن تراجع قراراتها، والقرار الذي يستمر لأنه صدر، لا لأنه صواب، يتحول مع الزمن إلى عبء، مهما كانت النوايا حسنة، فالمؤسسات لا تكبر بعصمة قراراتها، بل بقدرتها على مراجعتها.
ولعل أكثر ما تحتاجه المجتمعات ليس مزيداً من المتحدثين، بل مزيداً من الذين يستطيعون، في اللحظة المناسبة، أن يقولوا لأنفسهم قبل أن يقولوها لغيرهم، «لقد كنت أرى الأمر على نحو مختلف، ثم غيّرت رأيي»، فهذه الجملة لا تُضعف العقل، بل تثبت أنه ما زال حياً.
فالإنسان لا يكبر لأنه لم يخطئ، ولا ينضج لأنه انتصر في كل جدال، ولا يقترب من الحقيقة؛ لأنه تمسك بكل آرائه، إنما يكبر حين يصبح احترامه للحقيقة أكبر من تعلقه برأيه، وينضج حين يدرك أن قيمة العقل لا تُقاس بعدد الأفكار التي دافع عنها، بل بعدد الأفكار التي امتلك شجاعة مراجعتها.
نقطة آخر السطر:
الحقيقة لا تخسر حين نراجع آراءنا، بل نحن الذين نخسرها حين نجعل آراءنا هي المعيار الذي تُقاس به الحقيقة.
فالسؤال الذي يستحق أن يبقى، ليس: «من صاحب الرأي الصحيح؟»، بل: «هل ما زلنا نزن آراءنا بالحقيقة، أم بدأنا نزن الحقيقة بآرائنا؟».
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "












0 تعليق