بالبلدي: “السوشيال ميديا”.. مصانع الوهم وتزييف الوعي

almessa 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بقلم :مدحت الشيخ 

(باحث في الشؤون السياسية والاجتماعية)

لم تعد “السوشيال ميديا” مجرد منصات للتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى مصانع ضخمة لإنتاج الوهم، وإعادة تشكيل العقول، وصناعة واقع موازٍ قد يكون بعيدًا كل البعد عن الحقيقة. فما يراه الملايين يوميًا على شاشات هواتفهم لم يعد مجرد محتوى عابر، بل أصبح أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل الرأي العام، وصياغة المواقف، وتغيير القيم، بل وإعادة تعريف الحقيقة نفسها.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيها السيطرة على الأرض هي الهدف الأول، بل أصبحت السيطرة على العقل الإنساني هي المعركة الحقيقية. فالدول، والشركات العملاقة، وجماعات المصالح، جميعها تدرك أن من ينجح في التأثير على وعي الشعوب، يمتلك القدرة على توجيه قراراتها، وصناعة مواقفها، والتأثير في مستقبلها. ومن هنا، تحولت منصات التواصل إلى ساحات مفتوحة لحروب من نوع جديد، لا تُستخدم فيها الدبابات أو الصواريخ، وإنما تُستخدم فيها الشائعات، والمعلومات المضللة، والخوارزميات، والجيوش الإلكترونية، بهدف زعزعة الاستقرار، وإرباك المجتمعات، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وإشعال الخلافات بين أبناء الوطن الواحد.

الأخطر من ذلك أن هذه المنصات لا تعمل وفق معايير الحقيقة أو المصلحة العامة، وإنما وفق معايير الربح. فكلما ازداد الجدل، وارتفعت حدة الاستقطاب، وانتشرت الأخبار المثيرة، زادت معدلات التفاعل، وارتفعت أرباح الشركات المالكة لهذه المنصات. لذلك أصبحت الحقيقة في كثير من الأحيان أقل انتشارًا من الشائعة، وأصبح المحتوى الصادم أكثر رواجًا من المحتوى الهادف، وأصبح الكذب يجد طريقه إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن الحقيقة من اللحاق به.

ولعل أخطر ما تفعله السوشيال ميديا أنها لا تفرض رأيًا بعينه، بل تعيد تشكيل طريقة التفكير نفسها. فهي تقدم لكل مستخدم المحتوى الذي يوافق ميوله، حتى يعيش داخل دائرة مغلقة لا يرى فيها إلا ما يؤكد قناعاته، ولا يسمع إلا الأصوات التي تشبه صوته. ومع مرور الوقت، تتراجع القدرة على الحوار، ويزداد التعصب للرأي، ويتحول الاختلاف إلى خصومة، ويصبح المجتمع أكثر قابلية للانقسام.

كما ساهمت هذه المنصات في صناعة نماذج جديدة للنجاح، لا تقوم على العلم أو الثقافة أو الإنجاز، وإنما على الإثارة والضجيج. فأصبح بعض صناع المحتوى يمتلكون تأثيرًا يفوق تأثير العلماء والمثقفين، ليس لأنهم يقدمون معرفة حقيقية، بل لأنهم يجيدون جذب الانتباه وصناعة “الترند”. وهكذا تغيرت معايير التقدير، وأصبحت الشهرة هدفًا في حد ذاتها، حتى وإن جاءت على حساب القيم أو الأخلاق أو الحقيقة.

ولا يمكن إغفال التأثير العميق للسوشيال ميديا على الأسرة المصرية. فقد أصبحت الهواتف الذكية ضيفًا دائمًا على موائد الطعام، وغابت جلسات الحوار، وتراجعت العلاقات الإنسانية المباشرة، ليحل محلها عالم افتراضي يزداد اتساعًا كل يوم. ومع هذا التحول، برزت مشكلات جديدة، مثل العزلة الاجتماعية، والإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، وابتزاز الأطفال والمراهقين، فضلًا عن التأثيرات النفسية الناتجة عن المقارنة المستمرة بالصور المثالية والحياة المزيفة التي تُعرض على الشاشات.

ولم تعد خطورة السوشيال ميديا تقتصر على الأفراد، بل امتدت إلى الأمن القومي للدول. فحروب اليوم لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، وإنما على استهداف الوعي الجمعي، ونشر الشائعات، وبث الإحباط، والتشكيك في كل إنجاز، وإثارة الفوضى الفكرية. لذلك أصبحت حماية الوعي الوطني جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي، لأن الدولة التي تفقد ثقة مواطنيها تصبح أكثر عرضة للاختراق، مهما امتلكت من إمكانات.

ولا يعني ذلك أن السوشيال ميديا شر مطلق، فهي أداة يمكن أن تكون وسيلة لنشر العلم والمعرفة، وتعزيز التواصل، ودعم التنمية، إذا أحسن استخدامها. لكن تركها دون وعي، ودون ثقافة رقمية، ودون مسؤولية أخلاقية، يجعلها سلاحًا قادرًا على هدم المجتمعات من الداخل، دون طلقة واحدة.

إن معركة هذا العصر ليست معركة حدود، بل معركة وعي. فالأوطان لا تُهزم فقط عندما تخسر حربًا عسكرية، وإنما تُهزم عندما يُزوَّر وعي أبنائها، وتختلط لديهم الحقيقة بالوهم، ويصبح “الترند” بديلًا عن العقل، والإشاعة بديلًا عن المعلومة، والانفعال بديلًا عن التفكير. ومن هنا، فإن مسؤولية حماية الوعي لم تعد تقع على عاتق الدولة وحدها، بل أصبحت مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، وكل مواطن يدرك أن بناء الإنسان يظل أعظم استثمار في مستقبل الأوطان، وأن الوعي هو الحصن الأخير الذي إذا سقط، سقطت معه كل حصون الدولة الأخرى.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" almessa "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
إعلان متجاوب
يارب أتجوز خدها ببساطة وسيبها على الله المهم إنت متقصرش شكلنا هنقلبها منتدى بكمية الإعلانات دي فاكر أيام زمان ياصاحبي اضف موقعك
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
حط موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
«اللَّهُمَّ اكْفِنِي بحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ». أي حد من قنا أو قوص هيعمل إعلان هنا ليه خصم اضف موقعك
إعلان مُقترح
إعلان مُقترح