بالبلدي: لبنان بين إدارة الصراع وتأجيل التسوية: لماذا قد يؤجل الجميع الحسم؟

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يعد المشهد اللبناني، يُقرأ بوصفه أزمة داخلية محكومة بتوازنات طائفية أو نزاعاً بين الدولة وحزب الله، بل أصبح جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في المشرق. فمنذ تصاعد الضغوط الأمريكية على إيران، والتغيرات التي شهدتها سوريا، واستمرار المواجهة الإسرائيلية مع حزب الله، برزت قناعة لدى كثير من المراقبين، بأن لبنان يقترب من لحظة حسم تاريخية، تنتهي بإعادة رسم معادلة القوة داخله. إلا أن قراءة أكثر عمقاً تشير إلى نتيجة مختلفة؛ فالمؤشرات لا تدل على اقتراب تسوية نهائية، بقدر ما تعكس دخول لبنان مرحلة جديدة عنوانها “إدارة الصراع وتأجيل الحسم”.

وتقوم هذه القراءة على فرضية أساسية، مفادها أن الأطراف الرئيسية على اختلاف أهدافها، لا تمتلك اليوم القدرة أو المصلحة في فرض تسوية شاملة، لكنها في المقابل تعمل على تحسين مواقعها استعداداً للحظة إقليمية أكثر نضجا.

أول هذه الأطراف هي إيران، التي تواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة، لكنها لا تبدو مستعدة للتخلي عن لبنان، باعتباره أهم أوراقها الإقليمية. فلبنان لا يمثل بالنسبة لطهران مجرد ساحة نفوذ، بل يشكل جزءاً من منظومة الردع الإقليمي، وورقة تفاوضية رئيسية في أي حوار مستقبلي مع الولايات المتحدة.

غير أن إيران تدرك في الوقت نفسه، أن البيئة الإقليمية لم تعد تسمح بإعادة إنتاج نموذج النفوذ، الذي ساد خلال العقدين الماضيين. ولذلك، يبدو أنها تتجه تدريجياً من استراتيجية، تقوم على توسيع النفوذ، إلى أخرى تقوم على المحافظة عليه وإدارته بأقل كلفة ممكنة، عبر تعزيز الحضور السياسي والاجتماعي، والاحتفاظ بحد أدنى من عناصر الردع، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة قد تستنزف قدراتها.

لكن نجاح هذه المقاربة لا يعتمد على القرار الإيراني وحده، بل يتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة البيئة اللبنانية نفسها.

فالداخل اللبناني يشهد تحولاً تدريجياً في أولوياته. فمعظم القوى السياسية، بما فيها شرائح داخل البيئة الشيعية- وبعد المعاناة الاقتصادية الشديدة ومعاناة التهجير القسري وخسارة أحلام الاستقرار التي تم بناؤها منذ عام 2006-، أصبحت أكثر إدراكاً للكلفة الاقتصادية والاجتماعية للصراعات المفتوحة، وأكثر ميلاً إلى استعادة دور الدولة ومؤسساتها. وهو الموقف الذي تتبناه أغلبية الطوائف الأخرى بالفعل. غير أن هذا التوافق لا يعني وجود إجماع على كيفية معالجة قضية سلاح حزب الله أو توقيت ذلك. فالمشكلة لم تعد تدور حول الهدف النهائي، بقدر ما تتعلق بالظروف السياسية والأمنية، التي تسمح بتحقيقه دون تعريض البلاد لانقسام داخلي جديد.

ومن هنا، فإن مستقبل حزب الله لن يتحدد فقط بميزان القوى العسكري، بل بقدرته على التكيف مع بيئة لبنانية تتزايد فيها المطالبة بتعزيز الدولة، وفي الوقت نفسه، لا تزال شديدة الحساسية تجاه أي تهديد خارجي للسيادة الوطنية.

ويبرز في هذا السياق المتغير السوري، باعتباره أحد أهم عناصر إعادة تشكيل المشهد اللبناني. فسوريا، التي كانت لعقود العمق اللوجستي والاستراتيجي للنفوذ الإيراني في لبنان خلال عهد الأسد الأب والابن، تبدو اليوم منشغلة بأولويات مختلفة تماماً. فالقيادة الجديدة في دمشق تسعى إلى تثبيت شرعية الدولة، وإعادة بناء المؤسسات، وتحسين الاقتصاد، والانفتاح على محيطها العربي والدولي، وهي أهداف تجعل من الصعب تصور عودتها إلى أداء الدور، الذي اضطلعت به خلال مرحلة النظام السابق.

غير أن ذلك لا يعني أن دمشق ستتحول إلى شريك مباشر في أي مشروع أمريكي أو لبناني لنزع سلاح حزب الله. فهشاشة الوضع الداخلي السوري تجعل القيادة الجديدة أكثر ميلاً إلى تجنب المواجهات الإقليمية، والاكتفاء بدور أكثر تحفظاً يقوم على ضبط الحدود، ومنع استخدام الأراضي السورية ممراً لإعادة بناء القدرات العسكرية، دون الانخراط في الصراع اللبناني الداخلي.

ومن ثم، فإن سوريا الجديدة قد تصبح عاملاً في تغيير البيئة الاستراتيجية المحيطة بحزب الله، لكنها لن تكون على الأرجح الطرف الذي يتولى حسم مستقبله.

إلا أن العامل الأكثر حسماً في هذه المعادلة قد لا يكون إيران أو سوريا، وإنما إسرائيل نفسها.

فالاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على تقليص القدرات العسكرية لحزب الله ومنع إعادة بنائها. غير أن استمرار الاحتلال أو الوجود العسكري في أجزاء من الجنوب اللبناني، أو مواصلة العمليات العسكرية بوتيرة، تجعلها تبدو حالة دائمة، قد يؤدي إلى نتائج سياسية تختلف عن الأهداف المعلنة.

فالخبرة التاريخية تشير إلى أن استمرار الاحتلال يعيد إحياء خطاب المقاومة، ويمنح القوى المؤيدة له مبررات، يصعب تجاهلها داخل المجتمع اللبناني. وفي هذه الحالة، قد تتحول الأولوية الوطنية من النقاش حول مستقبل السلاح إلى المطالبة بإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة، وهو ما قد يضعف الزخم الداخلي الداعي إلى إعادة تعريف دور حزب الله.

وهنا يظهر التناقض الاستراتيجي الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة. فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز الدولة اللبنانية وتقليص دور الفاعلين المسلحين خارجها، فإن استمرار الضغوط العسكرية الإسرائيلية دون أفق سياسي واضح، قد يؤدي إلى إضعاف البيئة الداخلية التي تراهن عليها واشنطن؛ لتحقيق هذا الهدف.

ويزداد هذا التناقض مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، إذ تميل الحكومات الإسرائيلية عادة إلى تشديد خطابها الأمني خلال الفترات الانتخابية، بما يقلص هامش المناورة السياسية في الملفات الحساسة، ومنها الملف اللبناني. وقد يدفع ذلك إلى الإبقاء على سياسات الضغط العسكري أو تأجيل أي خطوات، يمكن أن تُفسر داخلياً باعتبارها تنازلاً، حتى وإن كانت تخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى، وهو الأمر الذي قد يفسر فشل جولة مفاوضات روما الماضية في تحقيق اختراق واضح في رسم خريطة طريق للانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تم الاستيلاء عليه.

ومن ثم، قد تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة حقيقية بين تحقيق مكاسب أمنية وانتخابية قصيرة الأجل، وبين الحفاظ على بيئة سياسية تسمح لاحقاً بإعادة ترتيب الوضع اللبناني على نحو أكثر استقرارا.

غير أن العنصر الأكثر أهمية في المشهد كله يتمثل في أن لبنان لم يعد ملفاً مستقلاً، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من القضايا الإقليمية، تشمل العلاقة الأمريكية الإيرانية، ومستقبل النظام الأمني في المشرق، ودور سوريا الجديدة، والتوازنات الإسرائيلية الداخلية.

ولهذا السبب، يبدو من الصعب تصور حسم نهائي للملف اللبناني قبل اتضاح صورة هذه الملفات جميعاً.

فالولايات المتحدة ليست في عجلة لفرض تسوية شاملة في لبنان قبل تحديد شكل علاقتها المستقبلية مع إيران. وإيران ليست مستعدة للتخلي عن أهم أوراقها الإقليمية دون مقابل استراتيجي. وسوريا الجديدة ليست راغبة في استيراد صراعات إضافية، تعرقل عملية إعادة بناء الدولة. أما إسرائيل، فتجد نفسها مقيدة باعتبارات أمنية وانتخابية، تجعل من الصعب الانتقال سريعاً من منطق العمليات العسكرية إلى منطق التسويات السياسي.

ومن هنا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال الفترة المقبلة ليس السلام الشامل ولا الحرب المفتوحة، بل ما يمكن وصفه بـ“التجميد الاستراتيجي”. أي إدارة دقيقة لتوازن غير مستقر، تُمنع فيه الحرب الكبرى، كما تُؤجل فيه التسوية النهائية، بينما يعمل كل طرف على تحسين موقعه التفاوضي استعداداً للحظة إقليمية أكثر ملاءمة.

وبهذا المعنى، قد لا يكون لبنان بداية أي تفاهم أمريكي–إيراني مستقبلي، بل إحدى آخر القضايا التي تُحسم في إطار ذلك التفاهم، إذا ما توافرت شروطه. وحتى ذلك الحين، سيبقى المشهد اللبناني محكوماً بمنطق إدارة الصراع لا إنهائه، وبمحاولات متوازية لإعادة تشكيل موازين القوى دون كسرها بصورة نهائية.

لقد انقضى الزمن، الذي كان السؤال فيه: من يسيطر على لبنان؟ أما السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة فهو: كيف تُدار مرحلة انتقالية طويلة، يحتفظ فيها كل طرف بجزء من أوراقه، إلى أن تنضج تسوية إقليمية لم تكتمل شروطها بعد؟ وفي ضوء هذا التحول، فإن مستقبل لبنان لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، بل بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على الموازنة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الشرعية والسيادة، وبمدى نجاحهم في منع إدارة الصراع من التحول إلى صراع خارج السيطرة.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
إعلان متجاوب
يارب أتجوز خدها ببساطة وسيبها على الله المهم إنت متقصرش شكلنا هنقلبها منتدى بكمية الإعلانات دي فاكر أيام زمان ياصاحبي اضف موقعك
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
حط موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
«اللَّهُمَّ اكْفِنِي بحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ». أي حد من قنا أو قوص هيعمل إعلان هنا ليه خصم اضف موقعك
إعلان مُقترح
إعلان مُقترح